المثقف - قراءات نقدية

رواية "جنة الذئب" لمحمد الهادي الجزيري

heyam fershishكثيرة هي الروايات التي قامت بتوظيف ذئبية الإنسان  للتعبير عن الجانب الطبيعي المتوحش في الإنسان، وتحقيق التصالح بين الذات وذئبيتها. والتي تطرقت إلى "صراع الذات البشرية مع ذاتها"، ومن بينها رواية " ذئب البوادي" لهيرمان هيسة، التي صورت محاكاة الإنسان لطبيعته الذئبية كلما انفصل عن مكان البشر واختار عدم الانتماء إلي، لما يكتنفه الانخرام وغياب التوازن، ليبقى داخل دائرة الصراع بين ذات طبيعية وأخرى اجتماعية قاهرة . ورواية "عندما تشيخ الذئاب " للأديب جمال ناجي التي تنزع نحو "الالتفاف نحو الذات بكل أشكالها وألوانها " . و رواية مهمة أيضا هي "رمز الذئب " للكاتب الصيني "يانغ رونغ" وهي رواية فائزة بجائزة (مان – آسيا) في 2007، والذي صرح صاحبها بأنها " تتناول في جملة موضوعاتها المتنوعة مسألة تدمير البيئة، والحرية في ممارسة الطقوس الروحية، والتهديد الذي تشكله الحداثة على حياة البساطة في الريف والبداوة ". وثمة رواية أخرى هي رواية " قصر الذئاب" الحاصلة على جائزة (مان بوكر) في 2009 للروائية البريطانية هيلاري مانتيل التي عادت لحقبة القرن التاسع عشر في انجلترا لتستقي من خلال شخصيات الرواية التاريخية غياب التكامل في المجتمع، وما العودة إلى الذات عبر فعل الكتابة نفسه إلا محاولة لخلق حالة من التوازن مع الموروث بأشكاله والبحث عن البديل الممكن.

"الإنسان الذئب" والذي انبرى في أكثر من عمل أدبي هو حسب التصورات الميتولوجية  "رجل يتخذ شكل ذئب ليلا، لينقض على من يعترضه، ثم يعود إلى شكله البشري فجرا عندما يخلع جلد الذئب. وهو رجل يلبس حزام صنع من جلد ذئب، أو من جلد إنسان مات شنقا حسب التصورات الشعبية في ألمانيا. لا يموت إلا إذا عثر أحدهم على جلده وأحرقه ليصبح مصاص دماء بعد موته ودفنه. وقد تعود هذه التفسيرات إلى طبيعة الذئب القادر على شم رائحة دماء البشر عن بعد أميال. وإلى معاداته لعالم الإنسان، وعدم قابليته للترويض كالأسد أو النمر أو الفيل أو غيرها من الحيوانات المفترسة. وقيل أن الجن لا تخشى من الحيوانات غير الذئب. كما كان مصدر خشية من الهنود الحمر الذين يعتقدون بأن للذئب قوى خارقة مأتاها قوة أسطورية معادية للإنسان . وظل الذئب من الحيوانات المفضلة عند العرب لما يتميز به من قوة وشجاعة والحركة، وأقدامه التي بها مخالب قوية للانقضاض على الفريسة".

وعودة إلى رواية " جنة الذئب " لمحمد الهادي الجزيري، الذي تناول من خلالها شخصية "الإنسان الصفر" الذي يصور الرجل الذئب في حالته الطبيعية والذي يعيش في المقبرة بعيدا عن المجتمع البشري، مناهضا لثقافته المرسخة للعنف المغلف بالقيم والفنون. نكتشف الصورة الذئبية للإنسان الذي لم يعد يعرف بدوافعه العدوانية التدميرية بل بغرائزه الفطرية التي لم تتقنع بالقيم الأخلاقية بل بالعدوان الغريزي، لتمثل الرواية تجاوزا لرؤية الإنسان المتحضر في ظل حضارة متوحشة، تكرس منطق القوة والعدائية ... هي جنة اختار لها الكاتب مكانا رمزيا وهو المقبرة ... فقد هرب الكاتب / الراوي في بداية الرواية من المدينة ولاذ بالبئر، وما ترمز إليه من جذور لاواعية للإنسان ونضج الجانب الانفعالي المبدع فيه، ليعثر على حلمه وعلى جنته في فضاء المقبرة.

فالكاتب يستهل رؤيته بعودته للعالم الباطني، لصور ذاكرته، لتفاصيلها التي شكلت خبراته الحسية والانفعالية التي نضجت على مر الزمن، ومن خلال إبداعه للفكرة ورتق فراغ الحضارة المادية بالمعنى  في فضاء مفتوح وعال، وهو مقبرة الجلاز التي تلتف بها تصورات صوفية حيث يعتلي المقبرة ضريح الولي الصالح بلحسن الشاذلي..وفي عودته إلى فضاء المقبرة يعود بنا إلى باطنه والى لحظات اكتشافاته الأولى ومعرفته الهشة المضاءة بالحدس... وبين حاضر مشحون بالقلق والحيرة على المصير، وذاكرة مشفرة بالرموز المعرفية، بين مدينة مادية وبين مقبرة تمثل الطمأنينة، بين حضارة تدميرية وبين أرض الحلم والتشوف، بين موت مادي وبين حياة طبيعية تتشكل وتخلق في المقبرة.

يعود بنا الراوي إلى طفولته وهو ينبش في التربة التي تحتضن الموتى، ليصف لنا صورة حسية عبر الرؤية  موكب من الديدان الوردية "وكأنها تسير في موكب احتفائي بهيج أضاف إليه اللون الوردي حالة من الانشراح وصبغ على تلك الحالة صفات الحركة المنتشية، ومن ثمة يكتشف الراوي حركة للكائنات تحت التراب، وتجتمع حواسه في اكتشاف هذا العالم، من النبش باليد إلى الرؤية : " كنت أطفو بين القبور الواجمة، وأغرز أصابعي عميقا في عالم الموت .. لا أكف عن النبش حتى يتبختر أمام عيني المسلطتين على تفاصيل التراب موكب من الديدان الوردية تتلوى وتحرك رؤوسها في كل الاتجاهات مثل جوقة من الدراويش، يسبحون باسم من أسماء الحياة " ص23

  و يمزج بين اللمس والسمع وهو يتحسس اللحن الشبه السري للحياة بأنامله " يا لخفقان قلوبها في قبضتي الصغيرة، أكاد أجزم أنني لم أنتش بايقاع أجمل منه، إنه اللحن الشبه السري للحياة، لكم أسعدتني تلك الطيور الحبيبة "ص23 . الأنامل التي تسمع اللحن هي الأنامل التي تكتب نوتات لحنها الداخلي... ومن خلال جمع الحواس وتكاملها ثمة اقتناص للحظة الوجدانية بكل التماعاتها وبروقها..

ويقتنص الراوي لحظة أخرى لتشخيص قيمة الحرية المفقودة عبر العودة إلى البدايات الأولى حيث يسترجع قدرة الخيال على التحليق والتجذر في ذات الأرض، حيث الشجرة ذات الظل الظليل تتحول إلى ما يشبه قناع الصوفي، وحيث الطائر البرزخي : " هنا نبت ريش حريتي وانغرست شجرة حزني العظيمة، لطالما تسمرت عند شواهد القبور، وقرأت أسماء المنفيين تحت التراب " ص24، فثمة ترميزات للمخلوقات الصوفية الطائر والشجرة، حالة جوهرية ولكنها تتولد عبر الرؤية التي تتفرسها حدقة العين وتحولها الى الذهن، فالتحديق في شواهد القبور وأسماء الموتى، لا يشير إلى عالم انقضى بل إلى صور وأحداث تعيش في الذاكرة بكل تفاصيلها.. 

فالراوي ينطلق من بيئة واقعية ومن صور طفولته واكتشافاته الحسية الأولى، ورؤيته المحدقة في مكونات هذا الفضاء المكاني ... لم يتحدث عن مخاوف وخيالات بل عن تجربته الحسية مع الكائنات الطبيعية الحية التي تعيش وتنمو في المقبرة .." أكلت هنا كل شيء، الخبز والقريسة، والخبيزة والكبار والزعرور وغيرها من عطايا هذه الأرض الخصبة " ص23، ليصف إلينا المتعة الحسية المتأتية من طعم نباتات المقبرة، ومتعة النظر إلى الأعلام الملونة وموسيقى أصحاب الذكر، ما يدل على أن هذه التفاصيل كونت جزءا من تجربته الفردية مع تلك البيئة .." ومما يفاقم متعتي تصاعد إيقاعات الفرق الصادحة بما يشبه الهذيان... لطالما ازدردت الكسكسي تحت أعلامها الملونة العظيمة " ص24

تلك الصور والأحداث والتجارب الحسية وهو يسترجعها بكل مكوناتها وتفاصيلها لم ينقلها إلينا من زمن الحلم فلم تنجل بصور موحية أو مظلله في حالة وجودية خاصة بل تحولت إلى فكرة مجردة من المعاينات الحسية الأولى، فكرة حرضته على كتابة روايته الخاصة، ونلاحظ عبر سلسلة الصور الطفولية أنه يكتب المعنى عبر فكرته الأصيلة المبدعة، لذلك انتقل الجزيري من كتابة القصيدة إلى كتابة عمل سردي عثر فيه على الفكرة الخلاقة ولم ينجل فيه الصور الشعرية ..." نصي أنا الحي الذي لا يموت، أنا خالق المعنى ومبدع الفكرة، أنا فاطر الألف والياء وما بينهما من عوالم مدهشة " ص7

 وهذا مقترن بتجربة الشاعر الخاصة بفضاء المقبرة التي بدت أليفة بالنسبة إليه، بذلك لم ينتقل الشاعر محمد الهادي الجزيري إلى الشعر السريالي، بل اهتدى إلى فكرة الحياة والكون الجديد في تربة المقبرة، فمكمن الكتابة الإبداعية في هذا النص لا يكمن في إبداع تصوير الخيالات بل في إبداع فكرة بتحويل تراب المقبرة إلى "جنة الذئب " في بيئة الجبانة، فالذئب كائن لا يتنازل عن جزء من ذاته من اجل هذه الحضارة المادية التي تتوحش بتوحش التكنولوجيا الحديثة... هي جنة أرضية، تركيبتها ترابية، كفيلة بتحقيق المتعة الحسية المنتشية .... " يا للروعة لم يبق شيء أعلى من التراب " ص4

الفضاء المكاني ملائم للخلق والإبداع، للحدس، لانجلاء الصوت يتفتق من الكمون، الفضاء مناسب لدهشة الشاعر التي انجلت لغته من تربة تنطوي على مواطن الخلق، لم يكن يعني الشاعر أن يستمع إلى هذا الصوت بقدر ما كان يعري حالات الشجن عبر موسيقى الكلمات... يكتب ليغني ويغني لينتشي... تكشف ذاته المتحركة عن باطنها وتقلب الحالات المزاجية عبر العبارات الإنشائية ... من ثنائية الشاعر الذي يعيش في عالم من الصور والمعاني والكاتب الذي يفيض على لحظة وجودية من خلال قراءته التي تتخذ شكلا فنيا يلتبس الفضاء المكاني بأسئلة المبدع، بقراءاته، بتمثلاته ولكنه في المقابل لم يغادر تلك اللحظة المعتقة بالنشوة.

وفي توغل الراوي / الكاتب في تفاصيل الذاكرة، ينقل إلينا صوته السيكولوجي المندفع من أغوار الذاكرة في لحظة تعر تنكشف فيها المشاهد والأصوات، وتنبض الحركة، حركة الديدان، حركة الطيور، حركة الدراويش في ضريح الولي الصالح المطل على المقبرة، نباتات الجبانة، ثمارها، ألوان النباتات والأشجار والكائنات، اكتشاف لحرية الذات المنعتقة من معالم الحضارة المادية المتوحشة إلى التراب الحي.

الفضاء المكاني يبدو لوحة حية متحولة، لا تغيب عنه رؤية الشاعر الفنية وهي تلتقط الألوان وأشكال النباتات وتشخيص الزهور وهي تمد أعناقها، صور تخرج من باطن الأرضى، من تربة الموتى الراقدين تحت التراب، يتحول هذه الفضاء الجميل إلى فضاء للخلق، للحلم، يبدو كجنة للإنسان في ما بعد الموت بما أن في الجنة أشجارا ونباتا: " فلا أنقى من هذا الهواء، ولا أخصب من هذه التربة، قبر فيها آلاف الأطنان من الأجساد الشيقة، وتحللت في طبقاتها وبواطنها مليارات العضلات والشرايين والغدد والخلايا، فتجشأت أعشابا وثمارا، ومدت الزهور أعناقها الرهيفة حمراء وبيضاء وعلى كل لون وشكل كالمدفونين في طيات الظلمة تماما " ص22

 ولكن ثمة استدراك هنا لفضاء بنيت فيه القبور المتناثرة وانفتاح تربتها كأفواه تتلقف جثث الإنسان هنا وهناك، فهي لم تعد تمثل فضاء مكونا من صور طبيعية جميلة، تسلي العين، ولكن سرعان ما ينكشف صراع بين الشاعر محمد الهادي الجزيري وصوته الآخر، فكأن فكرته تشوش على عالمه الشعري الرهيف المشحون بالموسيقى والزاخر بالصور، وتجرفه الفكرة إلى بيئة جبانة الجلاز:" أيها المسخ المتسلط المتعجرف لن أواصل كتابة ما تمليه علي، هل ضاق بك الكون، ولم تجد غير جبانة لتأسيس حلم الإنسانية " ص25

لكن الصوت يعيده إلى أصول الفكرة من خلال فضاء الجبانة التي استحالت إلى جنة الطفولة، بل مبعث الشعور بالنشوة، حيث تلتحم تلك النشوة بنشوة الموت، فحين يتخدر الجسد عبر الخمرة يتحول إلى شبيه للجسد المتحلل في التراب، ثمة استرجاع للصور كائنات نابضة بالحركة تتحرك وتنبض بحرارة الخفقان، وكأن الجسد يسكب النشوة في التراب " تفرقوا في جنتي والعبوا بالماء والتراب والهواء والجسد... وابنوا وأنتم تعبثون حوضا من الطين الإنساني العظيم، ثم اسكبوا فيه هذه الهضبة من قوارير الخمر التي انتشلتها من خرائب هذه المدينة " ص 25

هو فضاء فني تنبت فيه شجرة الحرية، وتسترجع روح الشجن في كلمات الكاتب الذي تهادى مع خفقان الطائر، ذلك النغم الذي يلمس بالأنامل وتتلقفه موسيقى الصوفية فيغمر اللحن السري للحياة النص الأدبي فاصلا بين الألف والياء.

ولئن قامت الرواية على صراع بين الشاعر والكاتب، بين صاحب الصور والمعاني ومبدع الفكرة، فقد ظل الحدس هو الذي يشكل تفاصيل الذاكرة ضمن نسق من الآراء والتصورات، وظل هذا العمل السردي مرفأ للخلاص واحتماء بعري الكاتب الفكري، راصدا لحظة التحول والالتحام الباطني بين طاقتي النزول والصعود.. فلم يتحدث عن كائن أسطوري تمثل له في صورة هلامية، ولم ير كائنا غريبا، بل تحدث عن ذاكرته، عن طفولته، عن اكتشافاته وعوالمه الأولى التي اتخذت شكلا فنيا على مر الزمن..

وبتجنب المنظومة الأسطورية في فضاء المقبرة، فقد لاذ الكاتب بحلمه الذاتي، بذاكرته وما تزخر به من صور ورموز، إلى لا وعيه الخلاق، وقد استخدم الرمز من خلال تحويل المخلوقات في فضاء المقبرة من مجرد أسماء إلى أرقام، حتى أن صاحب الصوت الذي أملى عليه روايته وشرح له نسق تصوراته فقد كان يحمل رقم صفر، والصفر نقطة فاصلة بين السلبي والايجابي، والوجود والعد ، بل يذكرنا بمستر زيرو للأمريكي "المر رايس" بطل مسرحيته "آلة حاسبة" والذي يسقط ما في ذهنه من رموز على الفضاء الخارجي.

 المقبرة التي اختارها محمد الهادي الجزيري كفضاء لروايته، وإن بدت كفضاء يحيل على الموت، فهو فضاء له علاقة بذاكرة الراوي، وهي علاقة حسية وحميمية، حققت له المتعة العاطفية، مما هيأها لتكون مكانا أموميا مطمئنا . ولكن حين يحيي فيها الراوي الموتى النائمين في صمت وخشوع، ويجردهم من كل القيم والمعتقدات التي تربوا عليها، فهو يعود بهم إلى حالتهم الطبيعية الأولى، عند إقرار حاكم المقبرة (الصفر) بسقوط المعرفة المتسببة في الأمراض المعرفية والنفسية نظرا لقمعها للغريزة البشرية التي تحاكي غريزة الحيوان المفترس والاعتراف بالحيوانية المقدسة، مبينا أن تجمل الإنسان  بمساحيق الدين والأخلاق ما هو إلا قناع له فجوات تنبعث منه رغباته المكبوتة.

  ففضاء "جنة الذئب" هو المقبرة. والذئب وكما بين الدارسون لا يحبذ العيش في الأماكن الآهلة ويحبذ البوادي والصحاري والقفار، فثمة دلالة واضحة عبر الفضاء الذي برز فيه الإنسان الذئب أو "الإنسان الصفر"، إلى الانفصام عن المجتمع البشري، أو الانفصال عنه تماما. وتبرير (الصفر) للتحرر من المعرفة والثقافة مقترن بإعلاء مبدأ اللذة والتعري التام . فلا مجال لتهذيب الإنسان الذي استخدم منذ حالته البدائية الأسلحة  من الحجارة بعد صقلها، ثم طور سلاحه ليبسط هيمنته. الإنسان هو حيوان في صورة ذئب يريد الاستحواذ على الآخرين وبسط سيطرته على القطيع . من ثمة كان هدف " الصفر " أو الإنسان الذي عاد إلى حالته الطبيعية استفراده بسلطة الدولة، وحين يقر بأنه "الدولة" فهو يعلي منطق القوة  ويعود بنا إلى الدولة كبناء اجتماعي سياسي..

إذن ثمة إبراز لقوة الفرد وتوحشه وتحويل الآخرين إلى أدوات استهلاك و طاقة يحولها لخدمة أهدافه، فلا مجال للسيطرة على رغباته العدوانية لأن الثقافة بمنظومتها الأخلاقية والدينية وتعبيراتها الفنية لم تقتل فيه الوحش المفترس بل زادت في ضراوته. وفي ذات الوقت فهو يرسي هيمنة الحكم الفردي الذي يقوض مبدأ المشاركة والتفويض الجماعي للحاكم لتولي السلطة. فالصفر يستمد مقدرته الفردية من خلال القوة ومن خلال العنف عند عقابه لكل من يخرج عن طريقته في التفاعل مع محيطه، وهنا يقتحم الكاتب الطابو السياسي، وينتقد الحكم الشخصي القائم على القوة وعلى وسائل الردع  التي اعتمدها " الصفر " في تصفية معارضيه.

 فالصفر هنا هو كائن يحرر الشخصية البشرية من عوامل اضطرابها ويعيدها إلى أصلها. وفي نفس الوقت فهو يحرم الإنسان من الحلم كلذة تعويضية، ومن ثمة ندرك هذا الصراع بين الشاعر الحالم وبين السارد الذي يهتك طابوهات الجسد والدين والسياسة، ذلك الثالوث المحرم الذي يتستر عليه الإنسان ليغطي بشاعته، ويكشف لنا الصراع بين الروح والجسد والثقافة والطبيعة عن الصراع بين الفن كلذة فكرية ووجدانية وبين الفن الذي يكتب بالجسد. الشعر يرتقي بالمبدع إلى حالة وجودية جمالية، والسرد يعود به إلى معدنه الأرضي، إلى الحمإ المسنون، بعيدا عن حالات التجلى والارتقاء أحيانا إلى البرزخ الصوف، دون تقنيع الجانب الحسي، إذ ندرك تماما إن الصوفي يلبس معانيه الروحية بالحس ويرمز إلى عالم الباطن بالاستعارات الحسية. بعيدا عن الشعر الذي تتجمل فيه رغباته عبر الإزاحة والتكثيف والمجاز: " انتهى أمر هذه الرواية القذرة التافهة، سأعود إلى الشعر المعافى من التفاصيل الخطيرة، ثم إني شاعر أصلا، أميل إلى التكثيف والإيماء والتلميح والإيجاز " ص68.

من جهة أخرى يكشف الراوي عن جانبه الروحي، عن تغطية الجانب المادي بالرمز وموسيقى الوجدان الصوفية، وبالتقنع بالأخلاق والدين، لذلك يتواصل الصراع بينه وبين الصفر الذي تقوم سلوكاته على المسخ وعلى الدنس، فيصفه بالقاذورات، ولا يستسيغ صوته وهو يحشرج سمعه بنبراته المتبلدة. فالعودة إلى الصفر هي عملية تخريبية تدميرية لكل ما بناه الإنسان من تعبيرات ثقافية يسطر بها على طبيعته الفجة، ووصف أفكاره عن " جنة الذئب " بالأفكار السوداء، لأنها أفكار لا تطهر روحيا بل هي إشارة إلى التطهر عبر العنف كدافع خلاق معكوس، نجد صداه في أفكار سارتر حول العنف.

ومن خلال الصراع بين الخطاب الرمزي للصفر الذي يحتوي على منظومته الإيديولوجية، وبين جنة الشعر، ومنظومته المثالية التي تنحو نحو خلق إبداعي لمجتمع مختلف، متحرر من النزعة الطبيعية الفجة، فالإبداع الذي يغذيه الخيال هو تمثل مختلف لهذه الايديولوجيا، أو ما أطلق عليه "طوماس مور" باليوتوبيا.

 فبين رؤية ترى أن اللذة الطبيعية هي التي تعري النفس من اضطرابها، وأخرى ترى أن إفراغ الإنسان من الجانب الروحي يصيبه بالغثيان، يبدو أن إشباع كل الشهوات ليس غاية النفس، وان الرغبات المكبوتة هي التي تجعله يحلم ويبدع، في المقابل يبدو الحلم بالمدينة الفاضلة صعب المنال نظرا لطبيعة الإنسان العدائية، أما جنة الذئب التي يتعرى فيها الإنسان كفيلة بإسقاطه إلى عالم دون رموز ودون أحلام ودون استعارات ودون شجن ودون ألم . فقيم العدل والحب والحرية والمساواة هي قيم نسبية تتغير بتغير المكان والزمان نظرا لعدم توصل الإنسان إلى ثقافة كونية شاملة.

ويتعمق الراوي في هذه الحالة الطبيعية من خلال شراسته ونهمه، وكأن صورته الطبيعية لا تعكس إلا إشباعه لرغباته وشهواته، وكأنه يتحول إلى متوحش يحدق في العالم من حوله للانقضاض على فريسته، تماما كالإنسان الذي يبتلع كل شيء، ثم يفرزه، فهل سيجتث جذور الكبت حين يشبع حاجاته الطبيعية، ثم سرعان ما يحول (الصفر) هذا الحيوان إلى إنسان يتوق إلى المعرفة الإيروسية، عبر تقديس المدرسة الطبيعية حيث يحضر عنصر النار والرقص البدائي حولها، والغناء، والخمر، وكل ما يؤدي إلى المعرفة الحسية. :

وحين يجد الراوي نفسه في الحانة فهو يكشف عن رغباته المقموعة، يكشفها اللاوعي عند السكر، وتنكشف الكلمات النابية في المعاملات بين الناس: " ففي "مدينة الشتائم" تسمع في كل مكان حناجر تنطلق بذكر أعضاء التناسل وتقيبها على كل وجوه الاستعارات والمجازات، ولا يقتصر ذكرها على ساعات الخصام، ولكن نسمعها في البيع والشراء والجدل والمزح ..." ."ص73

فأساس "جنة الذئب" هو الطغيان، دون مساحيق ولا حذلقة لفطية، مجتمع يرضخ للمستبدين، وعدم الادعاء بأنه مخلوق من ذهب. يدعو إلى التوحش لا إلى رأس المال المتوحش، منبها إلى استفراد حفنة من المرابين والسماسرة بثروات العالم، ومؤكدا أن ما يسمى بالتحضر هو التوحش بأنيابه ومخالبه. ذئبية الإنسان تكمن في المتعة التي يأتي عليها الذئب أثناء مقارنته بين النعجة المكتنزة وجيفة الغراب، والإصرار على أكل لحم الإنسان. و يقترن ذلك بالطبيعة الذئبية المتوحشة للدماء. وميله لانتقاء فريسته  والانقضاض على أفضل الغنائم. وميله لالتهام ما يسمى عند البادية بالشواء أي القلب والكبد وكل ما هو داخل البطن وإلقاء بقية الفريسة للطيور والحيوانات الأخرى.

 في حين يرى الشاعر بان الإنسان كائن مكرم، يملك عاطفة، وله رؤى فكرية متباينة تتراوح بين اليسار واليمين والوسط / ولا يتشارك مع الإنسان الصفر إلا "في إدانة الجور والاستبداد والنهم والجشع بصرخة أدبية تضج بالجرأة وتزدحم خاصة بحب الإنسان والرغبة في الانتصار له "، محللا ذئبية الإنسان بأنها محو وإلغاء وتلغي الجزء الأيسر من الدماغ الذي يقوم على التحليل والنشاط النقدي، ليصل به إلى درجة من " الوهم الانفصالي "، ليتبنى الكاتب آراء الباحث الاجتماعي هاربرت كروغمان حول " الخيال والوهم تحت عتبة الوعي " كلما اكتفى الإنسان بما تلقاه من "معالجات عاطفية ورمزية ومرئية لم تمر إلى الجانب الأيسر من الدماغ". لذلك ينزع نحو نقد ذئبية الإنسان في كل حوار يجمعه بالإنسان الصفر:

 من أسس جنة الذئب، بث الجهل في القطيع، بدعوى أن الوعي مصدر الألم والحزن والتعاسة...،  "هذا قرارك أنت الحر، لكنك حشوت رؤوس أرقامك بسيل من المعلومات الثقافية، وهذا خطأ قاتل، إذ لن يكون شعبك المغبون معافى تماما من الأمراض المعرفية كما تشدقت بذلك في خطبك العظيمة".

.......................

ترصد رواية " جنة الذئب " الصراع بين عالم مثالي وعالم طبيعي، الصراع بين الايديولوجيا واليوتوبيا، الكشف عن الرغبات عبر الرمز والصور الشعرية من جهة، وعبر العري الطبيعي من جهة أخرى، وبين الثقافة والطبيعة تنفتح الرواية على صراع بين الشخص المطلق " الصفر " وبين شخصيات الرواية التي استحالت إلى أرقام، صراع يكشف عن الرغبة الجماعية في التغيير والثورة على نظام فردي عنيف يستعمل كل أدوات العقاب ليكرس بقاءه. لنستخلص أن رواية "جنة الذئب" اقتحمت الطابو السياسي وتناولت أشكال الحكم الفردي وتوحشه. 

وترصد الرواية صراع الشاعر الجزيري مع هذا الكائن الطبيعي الأسطوري الذي ما فتئ يملي عليه رواية " جنة الذئب " على عكس ما أضمره الشاعر من عودة إلى المثالية لتضميد جراح البشر على غرار ما كان يجترحه من رؤى عبر أشعاره والتي لا تخلو من رموز وصور واستعارات ينعتق عبرها من المجتمع إلى حالات التجلي والرؤيا. نلمس صراعا مستمرا بين الراوي الشاعر وبين شخصية الرواية الافتراضية، وبين توجهاته ككاتب وتوجهات الروائيين الآخرين الذين وجدوا في توظيف التوحش الطبيعي في النص الأدبي ما يبدد عنه آثار الحضارة المادية القاسية.

فأفكار الجزيري الشاعر  والكاتب مبنية على دراسات حول" أنماط العنف الثقافية "، من ذلك ما قدمته بابرا وايتمر من محاكاة العنف والجريمة عبر تخدير الوعي ليحيا البطل من جديد خارج البناء الثقافي، وذلك يقترن بالحساسية نحو العنف والعجز عن منعه، عبر العودة إلى العنف الطبيعي، في حين أن النظام الثقافي الذي يقوم برد العنف إلى حالات فطرية فهو يحمي ذاته وينحرف بالخيال الثقافي عن المسائل الحقيقي . ولذلك مثلت رواية "جنة الذئب " لمحمد الهادي الجزيري تجاوزا للأفكار الشائعة والنمطية حول قبول التوحش الطبيعي كنقيض للتوحش الحضاري، ويتصدى إلى كل مظاهر المحو والإلغاء تاركا الرواية مفتوحة على الأسئلة..

ورغم أن نص "جنة الذئب " يمكن إدراجه ضمن أدب الفكرة فلم يخل من صور لها دلالات إيحائية حيث ترمز المقبرة ذات الجمال الطبيعي المكون من النباتات والشجر والأزهار والديدان والطيور إلى جنة الشاعر أيام الطفولة. وبين الكاتب الذي مال إلى الأفكار الرمزية، فثمة إبداع يتناسل من صور الذاكرة لتنضج ويستحيل إلى رموز لعالم إنساني جديد..

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2479 المصادف: 2013-06-19 11:05:27