المثقف - قراءات نقدية

المسكوت عنه وغواية الجسد في أضمومة "رقص المرايا" للقاصة المغربية نعيمة القضيوي الإدريسي

noraldeen belkoudryالكتابة الطابو في"رقص المرايا ":

إن الطابوهات في العالم العربي لا حدود لها وهي تنحصر ضمن الثالوث المعروف جنس- دين – سياسة، ومجموعة "رقص المرايا" تتطرق إلى الجنس كموضوعة أساسية في حياة الفرد داخل مجتمعه، واقتحام القاصة لهذا "المحظور" بكل جرأة وشجاعة جاء عن وعي، وأبرز دليل على ذلك هو اشتغالها على سلوكات متعددة ومن عدة زوايا، والغرض يبقى هو فتح الأبواب وطرح القضايا للحوار عوض سترها .و القاصة هنا تحرك المياه الراكدة وتسلط الضوء على أكثر من مسكوت عنه، فهي ترفع صوتها عاليا وتدق ناقوس الخطر، محذرة من من تفشي مجموعة من الظواهركزنى المحارم، الخيانة الزوجية، الشدود الجنسي ..

نعيمة القضيوي الإدريسي تطرقت لهذه المحظورات في إطار مشروع أدبي يندرج ضمن جنس القصة القصيرة جدا، واشتغالها على هذا الجنس الذي يقوم على عنصري الإيجاز والتكثيف ساعدها على إرسال رسائل سريعة وصادمة، ليتحقق الإدهاش واللذة، ومن جهة أخرى فالتطرق إلى هذه القضايا أزال الهالة عن هذه الظواهر لكي يعتبرها القارئ ظواهر عادية يمكن مناقشتها والتطرق إليها علنا.

يمكن القول إن الكتابة في الجنس والكتابة عن غواية الجسد عملية إبداعية تحقق ثقافة جنسية للمتلقي، وإن حضرت الفضائحية وسميت الأشياء بمسمياتها فالهدف في النهاية هو نقل واقع موجود ليس بغرض الفضح وإنما للتأكيد على أن المجتمع إذا فقد قيمه التي تعبر عن هويته الأخلاقية والاجتماعية يكون قد خسر رأس ماله الإنساني .

إن الجنس جزء من الحياة يمارسه الفرد في كل مجتمع، لكن كل هذا ضمن ضوابط مرتبطة بالدين والقانون ونصوص "رقص المرايا "تكشف عن أوجه أخرى يحقق بها البعض لذته ذكورا وإناثا، إذا ابتعدت هذه الممارسة عن الضوابط السابق ذكرها تكون النتيجة مآسي إنسانية صادمة يختل بسببها توازن الفرد أولا والمجتمع ثانيا.

تحضر الإباحية في كل المجتمعات، لكن الكشف عنها وملامستها إبداعيا يطرح عدة مشاكل، ولعل أبرزها تفاوت ردود الفعل حول العمل الإبداعي الذي يتطرق لمواضيع الجنس والجسد وما يدور في فلكهما، والسؤال الذي يبقى معلقا هو متى نتجاوز هذا المأزق ونهتم بجوهر العمل الإبداعي عوض الانشغال بالأوهام؟

 

- العتبات النصية والتجاور الدلالي:

- اللوحة وعنوان المجموعة:

يتشكل غلاف المجموعة من لوحة تشكيلية عبارة عن مرآة لها أكثر من واجهة، صدرها يتضمن راقصات يكشف جسدهن عن فتنة المرأة، فالأيدي مرفوعة إلى أعلى في تناغم وانسجام، طغت الألوان الفاتحة والمثيرة كالأصفر والبنفسجي، إنها ألوان فسيفسائية مثل نصوص الأضمومة .

أما المرآتين الجانبيتين فيشغلهما جسد راقصة واحدة تبدو كظل منعكس على جدار، إنها تعبر عن انكسار أحلام الأنثى، فالرقص لا يكون دائما تعبيرا عن الفرح وإنما قد تعتمده الأنثى كمتنفس للخروج من القهر والإحباط الذي تعيشه بسبب معاملة ذكورية لا إنسانية.

تبقى غواية الجسد هي المشترك الذي يجمع بين كل الراقصات، ف "رقص المرايا" عنوان ينسجم مع مضمون اللوحة، والغرض هو ترسيخ هذه الدلالة في ذهن المتلقي ليتشامخ الرقص كقصدية رئيسية، فأي رقص ترمي إلية القاصة نعيمة القضيوي الإدريسي؟

إن القاصة بتوظيفها لمفردة "الرقص" وترسيخها لمدلولها من خلال اللوحة، تفرض على الرجل غواية قد لا يخرج منها سالما، فعندما ترقص الأنثى يغيب العقل ويختل التوازن مما يفضي إلى ظهور سلوكات مرضية كالخيانة والتلصص على النساء وهن في حميميتهن وغيرها من المظاهر التي نكتشفها في المجموعة، يبقى المثير هو الإيحاءات الضمنية التي تستشف من النصوص والتي تؤشر على أن الذي يرسب أمام إغراءات الجسد هو الذي لا يميز بين الرجولة والذكورة، فالذكور في كل مكان ولكن هل كلهم رجال؟

من زاوية أخرى يمكن اعتبار هذا الرقص حالة من حالات احتفاء الأنثى بنشوة حققتها أو نصر جاء بعد طول معاناة ومكابدة، كما قد يكون هذا الرقص تمردا على سلوك ذكوري اغتصب حرمة الجسد عنوة .

إن كل نص من نصوص المجموعة بمثابة مرآة تحكي تجربة إنسانية قد يكون الرقص فيها انتشاء، أو رقصا هستيريا يعبر عن صدمة هزت الوجدان هزة عاصفة.

من خلال هذا الربط بين العنوان وسياقه النصي العام نستنتج أن رقص المرايا كعنوان للمجموعة حقق عدة مقاصد دلالية ولعل أبرزها أنه:

أ‌- أنتج معنى ينسجم ودلالات نصوص المجموعة .

ب‌- بأر موضوعة المجموعة في غواية الجسد.

ت‌- فتح الباب أمام أسئلة نصية باعتبار أهميتها تفسيرا وتأويلا.

 

- التيمة الواحدة والتعدد الدلالي:

إن نصوص المجموعة نصوص واقعية استقت القاصة مضامينها من الواقع، فالنصوص الواردة في الأضمومة تكشف صورا متناقضة ومتنافرة لعلاقات إنسانية قمة في النفاق الإجتماعي .

أنتجت القاصة نصوصها وهي تعتمد بيئتها كمرجع، فكل قصة هي انعكاس لحالة كائنة، لكنها متوارية خلف الأبواب الموصدة، كل هذا تحقق في قالب أدبي وفني دون تعسف، حيث اعتمدت القاصة خيالها وقدرتها على تطويع الحرف فحبكت مادتها الحكائية بعناد مرة وباستسلام مرات كثيرة.

بما أن القاصة أنثى فهي تعرف عوالم بنات جنسها وتحس بآلامهم، لهذا جاءت نصوصها مغرقة في الواقعية، فاعتمدت ضمير الغائب المحيل على شخصياتها والتي لكل واحدة منها تجربة قاسية محورها الجنس والجسد.

إن كل قصة هي جزء ومقطع من واقع شمولي، لتصنف الأضمومة ضمن ما يسمى بالمجموعة التيمة، لأن نصوصها تتمحور حول موضوع واحد هو غواية الجسد بكل تعقيداته وتجلياته والتي تكشف نصوص "رقص المرايا " عن تناقضاته الصارخة.

يمكننا حصر أهم الموضوعات التي تناولتها القاصة في نصوصها على الشكل التالي:

- الانكسار العاطفي:مسلسل تركي معرب .ص19

- الشدود الجنسي:زواج شرعي.ص22

- الخيانة:إدانة.ص25

- العنوسة:مزلاج.ص48

- النفاق الاجتماعي:ذات الخمار.ص47

- السخرية:قوسقزح.ص26

وغيرها من الموضوعات التي تطرقت إليها القاصة كقضية تعددالزوجات واستغلال الأطفال جنسيا وعقوق الوالدين...

 

- المفارقة والعناصر الجمالية في نصوص "رقص المرايا":

إن قارئ مجموعة "رقص المرايا" تثيره المفارقات الذكية التي اعتمدتها القاصة، مفارقات تكسر توقع القارئ ليدخل في لعبة شد الحبل مع نعيمة القضيوي الإدريسي، يحاول رد هزيمته إلى انتصار بتوقع نهايات النصوص، قد يفلح مرة وقد يفشل مرات أخرى، وهذا خلق تفاعلا مع نصوص المجموعة لترقى الكتابة إلى مستوى راق من حيث تلقي هذا المنجز القصصي .

لا يتحقق القص في الغالب لدى القاصة إلا بحضور الحكاية، هذه الأخيرة تنمو في رحم زمكاني قصير، فكل قصة رصاصة رحمة تحرر المكبوتات الساكنة النفوس المريضة، نستحضر هنا قصة "تخضيب"ص28:

شعيرات الشيب بشعر زوجها تقلقها، تطلب منه دوما أن يخضبها، يردد مستهزئا الشيب وقار .

حين ترقى في عمله، راقت له سكرتيرته الجديدة الشابة، تأملها، فرقع أصابعه وراح يسألها:

هل أجد عندك ما يداري وقاري؟

ضحكت بدلال وقالت له: أتعامل بالعملة....1

يقول أنريكي أنديرسون أمبيرت:" لقصر القصة فعالية الإحاطة بالحركات القصيرة للحياة" 2، ولا يمكن أن يتحقق هذا إلا بالإيجاز والتكثيف اللذان ميزا أغلب نصوص الأضمومة، ونستدل على هذا الجانب بنص "حالة تلبس" ص56 :

ضبطته متلبسا في حضن الخادمة، وقفت مذهولة، وصرخت ما هذا يا رجل؟

رد عليها ببرود تام:

"أو ما ملكت أيمانكم"3

إن التركيز والسرعة يعتبران من الركائز الأساسية لتقييم مدى جمالية القصة القصيرة جدا، وهذان العنصران حضرا في أغلب نصوص المجموعة وارتبطا بمعجم محدود ومكثف غني بالإيحاءات والدلالات العميقة .

نخلص انطلاقا من الجوانب التي تناوناها في هذه الورقة إلى أن القاصة نعيمة القضيوي الإدريسي لها رؤية خاصة وهي تبني عوالمها السردية، هذه الرؤية قائمة على إدهاش القارئ لدرجة الصدمة، ومن ناحية أخرى تقوم تجربتها على الجرأة في طرح قضاياها ومفتاح ذلك وعيها العميق بدور المبدع في خلخلة الثوابت السلبية وبناء تصورات جديدة تغير نظرة الفرد للسلوكات المرضية الصادرة عن بعض الناس . كل هذا تحقق بفضل توفر الشروط الجمالية والأسلوبية في أغلب نصوصها لتبصم نعيمة القضيوي الإدريسي عن ظهور صوت قصصي سيزهر مجاميع قصصية أبهى إذا حافظت القاصة على شروط إنتاج نصوصها وتجنبت السقوط في فخ الاستسهال الذي سقط فيه الكثيرون من كتاب القصة القصيرة جدا.

 

...................

الهوامش:

1- نعيمة القضيوي الإدريسي، رقص المرايا، سليكي الأخوين-طنجة- الطبعة الأولى 2012، ص28 .

2- مصطفى يعلي، مجرة، القصة القصيرة جدا، العدد 13، خريف 2008، البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع ص 11.

3- نفسه الصفحة 56.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقاربة لتيمة المسكوت عنه في مجموعة رقص المرايا للقاصة نعيمة القضيوي الادريسي تنم عن تمكن عميق وقراءة متفصحة وانصات لنبض النصوص ، هنيئا لنا بقلمك محبة لا تشيخ

حميد ركاطة
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2483 المصادف: 2013-06-23 06:58:52