المثقف - قراءات نقدية

هواجس الشكل والدلالة من خلال أنموذجي "المشهد والظل"لهيام الفرشيشي و"صقيع الاسفلت"

heyam fershishتعد مرحلة التسعينات وما تلتها من تجارب الكتابات التي لا زالت مستمرّة مرحلة تحوّل في الكتابة القصصية النسائية إذ عرفت تراكما تصاعديا في الإبداع القصصي وبروز تجارب جديدة لها حضور فاعل ومؤثر خاصة من خلال خروجها من معتقل الأنثى الجريحة والرجل العدو وانتصارها للحداثة ومغامرتها بالتجريب استنادا إلى التراكم الإبداعي الحاصل .. وتميّزت الكتابات القصصيّة النسائيّة بتجاور الذاتي مع الاجتماعي في توليد الدلالات وصوغ المتخيّل القصصي المغاير سواء في توسّلها بالجرأة في البوح واقتحام عالم الذكورة وتبنّيها للغة جديدة وتجريبها لتقنيات متنوّعة في السّرد ..

 ومن المعلوم أنّه لكلّ جيل هواجسه الشّكليّة والدلاليّة، ولجيل التّسعينات وما بعده العديد من الرّهانات التي أفرزها الواقع السياسي والتحوّلات الاجتماعيّة وخاصّة التطوّر الحاصل في وسائل الاتّصال وتضاؤل التعاطي مع الورقي مقابل الإقبال على الرّقمي والافتراضي .. فالكاتب يواجه العديد من التحديات منها الوصول إلى القارئ وشدّ انتباهه وإقحامه في المتن السّردي من خلال مخاطبة عمقه واستحضار واقعه وكذلك منافسة الغول الرقمي والافتراضي وتحدّيه بإنشاء متن سردي له نفس تدفّقه وسحره .. ومن المجموعات القصصيّة التي ظهرت في هذه المرحلة الأخيرة "المشهد والظلّ" لهيام الفرشيشي و"صقيع الإسفلت" لإيمان بوكوم، وسأحلّل هواجس الشّكل والدّلالة في التّجربتين:

 

هواجس الشكل

ظلّت القصّة القصيرة التونسيّة تبحث عن أشكال سرديّة بعيدة عن أشكال الاجترار والتّقليد والنّسج على المنوال فكانت مهووسة بالتّجريب والتمرّد على مرّ الأجيال وقد تأتّى لها ذلك بفضل القدرات على استيعاب التجارب السّابقة وعمق تمثّل الواقع وطرح مبادرات خاصّة ..

 في "المشهد والظل" لهيام الفرشيشي فنتوقّف عند الصلة الوثيقة بين فنّ التّظليل في الرسم والفن التشكيلي، هذه الصّلة أكّدت على ثنائيّة مركزيّة اشتغلت عليها الكاتبة وهي الواقع والحلم: صوّرت الواقع بتفاصيله ومحنه وشخصيّاته التي تعاني الحصار والقلق داخل المجتمع التونسي .. واستدعت الحلم أو تقنية التّخييل الفنّي باعتماد الأسطورة واللغة الشعريّة بحثا عن متنفّس وخلاص لأغلب الشخصيّات التي تحضر كشخصيّات ثقافيّة بالأساس .. مثل الرسّام والمفكّر والكاتب والصّحفيّ والطالب ..

 و تحضر الأمكنة في كلّ القصص في شكلين : المكان الرّمزي والمكان الواقعي ..

 فالمكان حافل بقلق الشّخصيّات وحيرتها في ما يشبه الفنطازيا:

هو وعاء للفكرة أو الأحداث الغريبة والعجيبة مثلما يتجلّى خاصّة في قصّة "خطوات القطّ الأسود":"وجّهت هدى نظرها نحو الإطار البلّوري للباب لتلمح بعض الأشجار التي تعرّت من الأوراق .اتّضح شعورها بالانكسار، بأنّ الأشياء تنحرف عن ممرّ سيرها الطبيعي.بادلت ابنها الابتسامة فازداد وجهه بهجة .. ضمّته إليها بشدّة وكأنّها تتوجّس خيفة من إصابته بمكروه.تراءت لها اللّوحة تلاحقه وتركض وراءه، فراودتها رغبة في تحطيمها .. إنّها تكره الماضي وتحبّذ ابنها كصورة للحاضر رغم أنّها باتت تدرك أنّ الحاضر غريب بل مغرب في شذوذه .. تخيّلت تلك اللّوحة محطّمة منقسمة إلى أجزاء في حين رأت أمّها عاجزة على إعادة تشكيلها، إذ ذاك اختفت الصورة عن ذهنها إلى حيث ألقت الرّيح أوراق الشّجر".

 وهو موثّق للتّاريخ والخصائص المعماريّة من خلال اعتماد المدينة العتيقة بالعاصمة كفضاء لقصّتين .. صوّرت فيهما الكاتبة تصاميم البناءات والأزقّة وسوق الجزّارين وساحة باب سويقة في الماضي وما طرأ عليها أيضا من تحوّلات على مرّ العصور: "دخلت عربيّة الأزقّة فدهشت لمنظر الجدران التي تكاد تتهاوى، وقرفت من الرّوائح الكريهة المنبعثة من المنازل .. تفحّصت البنايات العالية، حيطان الدّيار العتيقة الوسخة، القطط المولودة حديثا والملقاة قرب كوم من الأتربة وهي لا تكفّ عن المواء .. و شعرت بالغبار يؤذي عينيها .. "

 فالكاتبة تصف المكان بشكل يتجاوز الوجه الخارجي السّطحي الذي يصلح عادة للنّزهة والسّياحة، هو مشارك في الحركة السّرديّة، مندمج مع الشّخصيّات في الأزمة ومعبّر عن تناقضاتها وخيباتها وانتظاراتها، وهوتشكيل نفسي اشتغلت عليه الكاتبة في أغلب قصصها ..

وللمكان أيضا بعد نقدي لفضح واقع الصّحافة مثلما حدث في قصة "المشهد والظل":

 "رفعت نظراتها نحو السّماء الكالحة المتجهّمة .. كانت السيّارة تشقّ المنحدر مخلّفة وراءها بقايا الحريق لتعرج نحو طريق لم تبلغه الفاجعة، إذ ذاك عمدت إلى إقناعه أنّ التّحقيق الميداني رحلة بحث عن الحياة وأنّ توهّج الكتابة نابع من مشاهداتها ومن نبضات شهادات المتضرّرين، لكنّه أخبرها أنّ التّحقيق قد نشر هذا اليوم .. لملمت أشلاء نفسها وصمّمت على مغادرة القرية في الحين""

وتنفتح المجموعة القصصية "المشهد والظل" على فنون عديدة مثل الشعر والفن التشكيلي مع شيوع الخطاب الذهني المعبّر عن قضايا فكرية تتعلّق أساسا بالأسئلة الفلسفيّة والوجوديّة .. هيّ قضايا الإنسان في بحثه عن القيم المفقودة ونضاله من أجل الحريّة ..

 و لعلّ من أهمّ الملامح الفنيّة التي تحسب لهذه المجموعة القصصيّة:

 تعدّد الرّواة ومشاركتهم في الأحداث والتّعليق عليها-

 التّركيز في كلّ قصّة على شخصيّة مركز يتكفّل السّرد بكشف ملامحها ومواقفها -

وتتخيّر الكاتبة شخصيّاتها انطلاقا من هواجس وجدانيّة واجتماعيّة وسياسيّة، فتكون ناطقة بقضايا ومجسّمة لممكنات انتظارات ..

 التدرّج في رسم معالم التأزّم الداخلي للشّخصيّات والتّأكيد على الأبعاد النفسيّة.-

فمقوّمات القصّ تجمع بين حرارة الواقع ولعبة التّخييل المندفعة أحيانا نحو العجيب والغريب .. ولم يخل القصّ من شعريّة لافتة ولغة ناقلة لصدق فعل الكتابة وجديّة الطّرح الفنّي والاجتماعي، والواضح أنّ هيام الفرشيشي كثيرة البحث والتساؤل .. تلتصق بالموصوفات لتنطق بحقيقتها .. و قد تعايش شخصيّاتها وترافقهم إذ هم فقط عالما من ورق.

 ويتميّز العالم القصصي للكاتبة إيمان بوكوم في "صقيع الاسفلت" بالبحث والحيرة وعدم التّسليم بشكل جاهز في الكتابة القصصيّة، شأنها في ذلك شأن الجيل الجديد من كتّاب القصّة القصيرة الذين يطوّعون كلّ الأجناس الأدبيّة وكلّ الفنون لتشكيل عالم قصصيّ مختلف .. فقد تعدّدت الأصوات الرّاوية رغم الحضور المكثّف لضمير الأنا المتكلّم، وتنوّعت البنية .. من بنية ثلاثيّة منغلقة إلى بنية منفتحة، قد تسمح للقارئ بالمساهمة في توليد أحداث إضافيّة أو كتابة نهايات بديلة ..

 واعتمدت الكاتبة الهذيان كتقنية قصصيّة في تشكيل الفضاء وبناء الشّخصيّات وهو ما يعني استفادة إيمان بوكوم من علم التّحليل النّفسي لاستقراء الذّات في حيرتها وقلقها الوجوديّ، في ارتباكها إزاء واقع من الفقر واليتم والعقم والغربة والأوهام ..

 تقول الكاتبة في قصّة الجريمة في عينيّ: "وأوقعت المرآة على الأرض .. حطّمتها بقدميّ .. نبشت فيها أصابعي ورميتها- كالمجنونة - بكلّ ما وجدته على الطّاولة .. وحاولت أن أمحو هذه الصّورة .. أو أن ألج إلى أعماق وجهي فأعرّي نفسي ولايهمّ إن جرحت يداي أو تناثر الزّجاج ليشوّه وجهي .. لأنّني اليوم لا أملك شيئا غير هذا الجسد وغير هذه الرّوح الجامحة، فالرّحمة يا إلهي الرّحمة ..

ومزّقت صوتي عباءة اللّيل المظلمة فضغطتّ في حقد على مخارج الحروف لأجدني أصرخ من جديد""

 وتتميّز القصص أيضا بالمراوحة بين التّكثيف والاختزال من جهة وبين العناية بالتفاصيل من جهة أخرى وهو منحى في الكتابة القصصيّة يخرج أساليب الحكي من الرّتابة إلى الحركة فتحضر في العالم القصصي المتخيّل حرارة الحياة بتفاصيلها اليوميّة وقضاياها العنيدة في حياة الإنسان المعاصر ..

نهضت مهارات الأخيلة على مونولوج داخلي متدفّق، حامل لأحاسيس مرهفة ووعي بغربة الذات والمجتمع .. و اللّافت أنّ الكاتبة في لغتها المكثّفة تنتقي اللحظات الغارقة في الألم، تسحبه من أعماقها فينتشر في الفضاء زمانا ومكانا وتتبنّاه الشّخصيّات .. غير أنّ الوعي بالألم هو بالأساس وعي بالفرح الآتي لذلك تتكثّف الانزياحات في المعجم والتّشكيل القصصي من العتمة والغربة إلى النّور والتعايش مع الواقع كما يحضر في قصّة "صقيع الاسفلت":

 "أعرف أنّك تعيش معي .. و تأكل معي .. و ترقد معي .. وتشتعل في أعماقي نارا من وهج .. سأتناهض من صقيع الموت، ستنجاب عنّي هذه العتمة وأنا أقف على قدميّ .. سأسحقك .. فتنساح غبارا .. أيّها الوجع الكابي .. تلك السنوات .. سنوات الألم والدّموع والعزلة والأحلام .. وهبتني قدرة على التحدّي .. ورغبة في الحياة .. وفي النّهوض من على الفراش .. سأنهض,,"

 وترفد الكاتبة قصصها بأجناس أخرى هيّ الشّعر والرواية، وفنون بدا حضورها واضحا في مقوّمات القصّ ومن أهمّها الموسيقى والفنّ التّشكيلي .. وهو ما يعني أنّ القصّة الحديثة نصّ منفتح على الأجناس والفنون، يأخذ من مناخاتها التّعبيريّة كما يمنحها هوّ من خصائص تشكيله الفنّي، فليست القصّة القصيرة منتهية الشّكل ومنغلقة الحدود، تظلّ تبحث عن تشكّلها المتغاير في كلّ نصّ جديد ..

 إنّ هواجس الشّكل لدى هيام الفرشيشي وإيمان بوكوم تكشف بشكل واضح الوعي بثوابت الكتابة القصصيّة والرّغبة في تجاوز الشكل القصصي الواحد والثّابت .. هيّ كتابة متحرّرة، تتعمّق في قراءة الذّات ومعالجة قضايا المجتمع .. تنوّع الأشكال القصصيّة وتعمّق الثقل التّخييلي لكلّ مقوّمات القصّ.

 

 هواجس الدلالة

من الهامّ أوّلا الإشارة إلى أنّ الكاتبتين هيام الفرشيشي وإيمان بوكوم من نفس الجيل، الجيل الذي عايش العشريّتين الأخيرتين بكلّ الهموم والمشاغل وبكلّ الرؤى وأشكال الرّفض والتمرّد ..

 إنّ هذا الجيل بالإضافة إلى سعة اطّلاعه المعرفي والأدبي استطاع أن يوظّف التقنيات الحديثة لوسائل الاتّصال في توسيع انفتاح الكتابة على المحلّي والعالمي وتجذير القيم الكونيّة في محاور الاهتمام الكبرى مثل الحرية والكرامة والعدل.

فقد خرجت هيام الفرشيشي عمّا يسمّى بالكتابة النّسوية التونسية والعربية .. واشتغلت على كسر حاجز الذاتيّة أو قضايا المرأة الكلاسيكية،ومنها العزلة، والخوف من المجتمع الذكوريّ.

 استدعت الكاتبة شخصيات جديدة تعبّر عن مشاغل الحياة بأسلوب خاصّ ينطلق أوّلا من دراسة الشّخصيّات كما هيّ في اليوميّ .. ومعايشة الفضاء بحميميّة في الريف والمدينة ..

 فالعناوين تكشف عن راهن آهل بالحصار والأزمة والخيبة والقتامة من جهة ونتبيّن ذلك من خلال الاستعمالات التالية: "القطّ الأسود، الصخرة، حيرة، ظلال داكنة، غياهب الوهم، موكب صامت" مقابل رحلة بحث عن الذات وكسر قيود الواقع بكلّ صوره المهيمنة على الروح والجسد من جهة ثانية "الإلهام، ركض، الخروج من الدّائرة، رحلة البحث عن الهوية".

 استدعت هيام الفرشيشي مشاغل المجتمع التّونسي بعمق ثقافتها ووعيها وتجربتها فحضرت صور الاستغلال والقهر والاستغلال والإغراء.

في قصة "المشهد والظل "تنتقل الكاتبة أو الصحفيّة إلى قرية جبلية في يوم ماطر، في طريق زلقة، ويكون الحريق هو الحدث لفضح ممارسات رجل الأعمال في إخفاء الحقائق أو تزويرها واستغلال الضعفاء في قرية منسيّة:

 "كانت تتمتع بإجازة قصيرة حين هاتفها رئيس التحرير طالبا منها إجراء تحقيق ميداني في إحدى القرى الجبلية التي تعرّضت إلى حريق كاد يفتك بها. تساءلت: "هل سأتّصل بالمزارعين المتضررين؟ ". وصلها صوته آمرا: " بل بالسيد سامي الرّشيد، إنّه سيتبرّع بمبلغ ماليّ كبير كتعويض عن خسائر الفلاحين".

 لكنّ الكاتبة تعبّر عن رفضها الانخراط في لعبة الخيانة والمشاركة في وليمة بشعة تغيّب الواقع وتسيء إلى رسالتها الإعلاميّة .. ويعكس هذا الموقف تمرّدا على منظومة سياسيّة كاملة تراهن على تغييب الإنسان وقتل أحلامه وطاقاته مقابل انتشار مظاهر الرّشوة والفساد:

"وشعرت بالخيانة التي بيّتها رئيس التّحرير بالتواطئ مع سامي الرشيد .استمعت إلى قطرات المطر تنقر الشباك بإلحاح .. تحوّلت النقرات إلى همسات تجد فيها مواساة لها، ولكن ذلك لم يثنها عن قرار الرّحيل .استعدّت لتوديع المكان وكأنّها تعبّر عن اختناقها وعن حاجتها للهرب":

 وفي قصّة"ظلال داكنة" عبّرت الرّاوية عن اليتم النّفسي والاجتماعي والحضاري، فالإنسان إلاّ ذلك الرقم الذي لا يفيد إن زاد أو نقص، يحيا بلا فائدة ويموت ولا أحد يتذكّره:

""اعتراها خوف من نفسها، من بشاعة الصّورة، وأدركت أنّ الإنسان قد يفقد في لحظة ذلك الانتماء إلى الذّات

أمّا قصّة "موكب صامت" فتطرح القضيّة المركزيّة التي اشتغلت عليها المجموعة القصصيّة ككلّ وهي حريّة الفكر والتّعبير في وطن سجن كلّ شيء، سجن الأرض والعباد ولكنّ الكاتب موجزا ومكثّفا يفضح كلّ شيء:

في تلك اللّحظة عادت إليها صورة جسدها وهو يطعن، وينزف، ويفقد الوعي .. لم تكن تتمنّى وقتها أن يكون موكب عزائها صامتا .. فمأساة الفكر الحرّ اكتست أبعادا تراجيديّة لا تقلّ عنفا عن واقعة موت الحسين والتّمثيل به".".

فقصص هيام الفرشيشي كانت محمّلة بهموم الأنا وهموم المجتمع ومستبطنة لمخيال ثوري شائع في كامل التّشكيل القصصي، وتلك هيّ الصّفة التي تميّز الكاتب عن المؤرخ والصّحفي .. أن يقتنص الأحداث والوقائع والمواقف ويعرضها وفق رؤية جامعة بين نقل الواقع وإعلان الموقف المبشّر بتغيير ما سيأتي في مرحلة ما .. و كذلك هو الفرق بين رجل السياسة الذي ينشغل باليوميّ السّريع وبين الكاتب الذي يحوّل اليوميّ إلى مواقف محتجّة وصور للاعتبار وتغذية روح النّضال ..

 أمّا في "صقيع الاسفلت" لإيمان بوكوم فتستوقفنا العناوين التي تكشف عن المنحى الدّلالي المنتشر في كافّة القصص .. هوّ القلق والاختناق والصّراع .. و هو أيضا المواجهة والتحدّي والاستشراف .. يلتقي الواقعي مع التخييلي لكشف وجوه الصّراع داخل الذّات الواعية بمحنها وغربتها .. تلتقط الكاتبة صورا من المجتمع، من شوارعه المنسيّة وهو ما يكشف عنه العنوان فعلا: "صقيع الاسفلت" .. "

فالشّخصيّات تعيش هشاشة نفسيّة وخيبة وإحباطا تعكس في الحقيقة الأزمة النفسيّة والاجتماعيّة للمجتمع التونسي في العشريّة الأخيرة وخاصّة في ما يتعلّق بالشّباب .. هذا الشّباب الذي بدا منهكا، متوتّرا، قلقا بين حلم الهروب والرحيل وبين العودة المقترنة بالعزلة والغربة ..

 في قصّة "الجريمة في عينيّ" تسرد الرّاوية سيرة شابّة تعود إلى الوطن في حالة من الفشل والخيبة .. هو الإحباط الذي يرافق الآلاف من الشّباب في رحلات البحث عن الهويّة، عن الشّغل، عن السّعادة بكلّ صورها:

 لمّا فتحت باب منزلنا الموصد .. وجدت الفراغ شديدا وأحسست برغبة جامحة في البكاء وفي الارتماء على الأريكة حتى أعانقها وأقبّل الجدران والسجّادة والسقف .. سقف الغرفة أيضا رغبت في تقبيلــه".

 وفي قصّة "الصّداع" تطرح الكاتبة قضيّة العقم، وأرى أنّ المعنى يتجاوز المفهوم الواقعي الاجتماعي لينهض بعقم رمزي حامل لخيبة جيل وأزمة مجتمع:

" زوجتي الجميلة المفعمة بالدّفء أصبحت عاقرا؟

أودى المرض بحلمها ورحمها فلن تنجب أطفالا .. ولن يكبروا .. ولن يحملوا لقبي .. ولن يشبهوا أمّهم .. أيّ صدمة ستصيبهم وأيّ ألم سيلحق زوجتي .. ؟

إنّها مفعمة بالطفولة .. معتزّة بجمالها وحتما ستسخر منها كلّ هذه المباهج وسيقهقه العجز في وجهها الجميل:

وانتشر مفهوم الموت في كافّة الفضاءات القصصيّة التي انتقتها الكاتبة .. حتى أصبح، هذا الموت ظاهرة طاغية ومستبدّة، تلوّن الحكي بالحزن والكآبة أحوالا وأفعالا وأقوالا

ففي قصّة الصّداع تتماهى صورة الموت مع الخراب والعدم:"فانسابت من عينيّ دمعة عرفت طريقها على وجنتيّ .. و أنا أنظر إليك وأنظر إلى الخراب .. فتذكّر قتلاك .. أيّها الموت .. تذكّر قتلاك .. كنت أتحدّث إليه .. إلى الموت .. و أنا أنظر إليك .. إلى عينيك اللّتين تشبهان حجر الصوّان .. و أنسى .. أنسى دوما أنّني لا أملك غير ما أشعر به الآن من حقد وخوف .. وغير ما أتخيّله من خراب على البصر""

ويتشكّل الموت أيضا عدوّا لامرئيّا، ينتشر هاجسا في الأحاسيس والاحلام، يعطّل كلّ فرص الانطلاق، ويستبدّ بالفضاء أزمنة وأمكنة: "أيّها الموت لقد غدوت صلصالا وحمأ مسنونا .. وانطوت روحي على وحشة قاتلة .. بتّ أتوجّسها وأتلمّسها .. كلّما تناهضت ووقع منّي هذا الجسد .. أصبحت ترابا وطينا .. ولم تعد تلك الأحلام تهوّم في ذاكرتي.وصقيع الإسفلت تشقّق عن حفرة عميقة .. وعن وحشة آسنة"، ولكنّ الموت الذي تتعدّد صوره في قصص إيمان بوكوم يغلب عليه التّشكيل الرّمزي والأسطوري فإذا به مثل طائر الفينيق، منه تولد حياة أخرى، حياة انعتاق وخلاص من واقع حزين ومحاصر .. وهو شكل آخر من أشكال التمرّد والرّفض،تقول الكاتبة في قصّة السّيل:

 "- "الغد سوف يأتي .. سوف يتوالد غضّا نديّا فيتجلّى كإضمامة الورد .. وتتيقّظ في ذاتك القديمة الرّغبة في معانقة الحياة .. فيرتدّ عنك العجز ويندلق في لجّة الفناء"

وتقول أيضا:" تصرخ .. لا لن يسرق الموت حقيقتي .. لن يجرفني السيل مرة أخرى .. لن يحطمني الحزن ولن أهلك .. سأناضل .. سنناضل؟"

 وترتبط صورة الألم بالحلم وهي شكل رمزيّ لتون، ترسم نوافذ أخرى لهذا الشّباب، هيّ نوافذ الأصالة والتحدّي والانتظار .. الأمّ تلك، هيّ الوطن تنير الدروب بطاقات بديلة، تنحت في الشّرايين صمودا ومقاومة .. و تلغي الانبتات والضّياع:

 "فأحضنك وأقهقه ملء عشرين عاما من العزلة .. ملء سنوات من الانتظار وأهمس في أذنيك: أمّي يا حبّة السكّر، غدا عندما ترجعين إلى حضني وإلى حضن غرفتك المطلّة على شجر السّرو سأملأ البيت بالزّغاريد .. و أملأ لك الحيّ والشّوارع بالبخور .. سأزغرد يا أمّي وسأرقص".

 فقد تعمّقت الكاتبة إيمان بوكوم في دراسة تناقضات الرّاهن الاجتماعي والسياسي والحضاري للشّباب التّونسي، انطلقت في محاورة الأزمة من داخلها، من أحاسيسها ووعيها وهمومها .. و نفهم ذلك من خلال تصديرها لمجموعتها بقولة للروائي السّوري حنّا مينة:

 ""يكفي أن أحلم بالنّجم وأتوجّه إليه بكلّ ذاتي" .. وأن يحلم الكاتب ليس كما يحلم الإنسان العادي، هوّ حلم الوعي والموقف، وهو حلم التّجاوز والتّأسيس.

 

خـاتمـة

 لئن سعت بعض الدراسات النّقديّة إلى تكريس توصيفات خاصّة بالإبداع بتصنيفه إلى أدب أنثوي وأدب ذكوري فإنّ إبداعات المرأة أكّدت خروجها عن هموم الأنثى لتلامس العمق الإنساني في جميع تشكّلاته النّفسيّة والماديّة .. فالنصّ هوّ نبض وحياة بالمعنى الرّمزي، هوّ حياة الكاتب في علاقته بذاته، بالوجود، بالطبيعة، بالمجتمع، بكلّ مكوّنات الوجود الإنساني .. وهو بوح بمعناه الكوني الشّمولي يلتصق بالهموم ويهجس بكلّ ما يعيق الإنسان ويرسم تطلّعاته ..

 تأكّدت قدرة الكاتبتين على الخروج من الشّرفة التّقليديّة التي تتّهم بها المرأة المبدعة عادة والغوص في عمق الشوارع والزوايا المنسيّة واستنفار كل الممكنات الفنيّة لتشخيص الواقع كما هوّ، خارج الصّالونات والتّابوهات، فلا امتيازات للشّخصيّات ولا رشوة لغويّة معلنة أو خفيّة .. وفي تراجيديا الحياة تتوضّح مواقف معلنة للرّفض والتمرّد ..

فالقصّة القصيرة رغم طابع الإيجاز والاختزال فيها استطاعت أن تتعمّق في كشف قضايا المجتمع التونسي كما تجلّى ذلك من خلال النّموذجين المقدّمين .. فليس الإيجاز مدعاة للتّعطيل والإلغاء بقدر ما هوّ عمق واع بفعل الكتابة ودروب المغامرة والتّجريب فيها ..

 

 .. ......

المصادر

 المشهد والظلّ: هيام الفرشيشي - البراق للطّباعة والنّشر والتّوزيع- 2010

صقيع الاسفلت: إيمان بوكوم - المغربيّة لطباعة وإشهار الكتاب2010 -

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

دراسة نقديّة جادة كفيلة برسم الخطوط الكبرى للمجموعتين القصصيّتين , بناء ودلالة وهي في حدّ ذاتها تشويق للاطّلاع على المجموعتين ... في انتظار ذلك , لنا عودة ومتابعة ... شكرا للمؤلذفتين وللنّاقد .

صفيّة قم , ابن عبد الجليل
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2485 المصادف: 2013-06-25 07:09:25