المثقف - قراءات نقدية

كربائيلو ... بدأُ الشاعر وختامهُ

بمناسبة صدورمجموعته (كربائيلو) احتفى اتحاد ادباء وكتاب محافظة كربلاء المقدسة في الأول من حزيران 2013 بالشاعر رضا الخفاجي ، وكربائيلو واحدة من بين قصائد المجموعة الشعرية التي ارتآى الشاعران تكون اسما لها ، وكربائيلو كما يقول الشاعر: "اسم مدينة كربلاء في العصرالبابلي ومعناها بيت الرب أوحرم الأله كما جاء في أغلب المصادرا لتأريخية، ومن هذا تتضح قداسة هذه المدينة العريقة منذ آلاف السنين. كذلك كان الآشوريون اليها في كل عام".

ومايلفت النظر في قراءتنا لكربائيلو الشاعر رضا الخفاجي هذا العشق الكبير المتسامي لهذه المدينة المباركة التي ملكت احاسيسه فحازت المساحة الأكبر من شعره فهي نشيجه النازف ووجعه الدائم وملاذه الأول والأخير, فهي كما يراها قلب الحكمة ولوعة الحلم ، هي مبتدى القداسة بأختيار الباري وهي ختامها وما بين البدء والختام تترآى وتتعالى طقوس قداسـتها وتتجلى رموزطهارتها فدماء محبيهاالتي سمقت الى عليين استحالت قناديل تنيروجه السماء.

وحين انحسر الماء وتفطر وجه الأرض استحالت كربائيلو الهة خصب مقدسة بدلالة ظفائرها وصبابتها وفتوتها الباهرة، فجادت مواسماً خضر فأثلجت قلب الفرات وهي تردد بتلذذ شجن نشيدها المقدس .

وإذ يتحدث الشاعر عن تراب كربلاء المقدسة وطهارته اذ يقول:

أيتها الفتية الباهرة

وديانك منحت الوجود جدوى المكابرة

كأس هواك حقق النشوة الأبدية للأرواح المانحة

فهو هنا انما يشير بالدلالة الرمزية الى دماء آل البيت التي سالت على ثرى كربلاء فمنحته الكبرياء والمكابرة . هذه الفتية الباهرة كما يراها الشاعر شغفت قلوب محبيها لقد أنســـــن الشاعر المدينة فجعل لها هوى وجعل للهوى كأساً لينهل محبوها من عشقها الســـــــرمدي الذي تتحقق فيه نشوتهم الأبدية، وهو يعد روحه واحدة من بين تلك الأرواح المتجذرة والهائمة في حب هذه المدينة السامقة فيحيل الزمن منافساً له حين يقول:

/ فتدافعت مع زمني بالمناكب /

فهو هنا قد جسد الزمن فخلع عليه الصفات البشرية ليتزاحم ويتدافع معه بالمناكب ..

وهنا يعترف الشاعر بسطوة الزمن وجبروته وقهره للأنسان قبل أن يحقق مطامحه وآماله، فهو مدرك هذا ولذا فقد دخل في صراع معه من اجل أن يحقق أمله قبل أن يسبقه الزمن .

إنً صراعه مع الزمن هنا انما هو سباق من اجل الفوز بنسمات هذه الفتية المقدســـــة التي أحال أنفاسها الشاعرملاذاً يلوذُبه ليتغلب على وحشة الطريق وندرة الزاد فمنها يبتدئ صراطه المستقيم وبها يختتم.

وحين تتسامى مشاعر الشاعر المحب يستعمل اسلوب الأستفهام لتأكيد ذلك ويقدم له بمخاطبتها بقوله:

أي كربائيلو .. يابيت الرب

من هذا الذي أيقظ الحب في وديانك وعمًدَ النخيل

بصهيل الفرات

ومن منح الدفئ للنوارس

حتى غدت الشعاب وأجماتها مرتعاً لعنفوان الوعول

وهنا لابد من القول ان الشاعرلايجهل، وإنما يستفهم لاجل التعجب والتعظيم فهو

يعرف من أحدث هذا و كثيراً غيره مما ذكر ومما لم يذكر، وهو وانما اراد التأكيد وكشف المُحدث العجيب الذي جاء على وفق الصورة التي رسمها له . لقد أحالت دماء الحسين وأصحابه تراب كربلاء تراباً مباركاً ، فاخضرت مفاوزها وشعابها حتى استحالت رمالها كنزاً سرمدياً لاينفد وتمائم تُدفع بها غوائل الأزمان .

وحين يؤرخ الشاعر جهاد المدينة ونضالها، يستذكر شخصية الثائر (ابراهيم الزعفراني) أحد أبطال حادثة نجيب باشا سنة ( 1258 هـ ) وهو يقود انتفاضة شعبية ضد الأتراك، فيقدم روحه قرباناً دفاعاً عن قدسية كربلاء والشاعرحين يعلن تأثره بهذه الشخصية يرى إن الموت انما يتلقف الضعيف من المخلوقات، أما ماهوقوي منها فيبقى خالداً عصياً على الموت، وهذا هو شأن الزعفراني الذي حاز الخلود حين تعمًدَ يتراتيل الأستشهاد .

لقد أعلن الشاعرعن تضافر الطبيعة مع الزعفراني في دفاعه عن كربلاء ضد الغزاة الأتراك، فوظف

العنصر النباتي منها في ذلك إذ يقول:

عندما حاصروا السور

قاتلتهم أشجار المدينة بثمارها

والشاعر هنا أنسن اأشجار المدينة ليجعلها تقاتل مع الزعفراني بثمارها التي استحالت حصى يهشم رؤوس الغزاة دفاعاً عن تربتها التي تجذرت فيها .

وحين يتحدث الشاعرعن المواسم الكربلائية المقدسة يرسم صورة المدينة وما يجري فيها من طقوس ومعتقدات ،فهي في وقت مواسم الزيارات المباركات تتزين بالحناء وتُضاء بالشموع ويحيلها الشاعرأماً رؤوماً تغسل بمائها المطهر عند المداخل أدران الزائرين، فتتطهر نفوسهم

وأجسادهم وهي تستقبل قرابينهم وهداياهم تبركاً وتأكيداً للولاء المقدس، ففي أيام المواسم تختلف حسابات الزمن وتستحيل أرواح الهائمين بعشقها فراشات مزهوة من كل بقاع الأرض يجذبها وهج قبابها الذهبية .

ولتأكيد انتمائه الكربلائي يعلن الشاعر توحده مع المدينة فيعلن عن تجذره في ارحامها عاشقاً متشبهاً بالباسلين من عشاقها ورموزها، وهو في مطافه الأخير يرى انها مثلما كانت البدء بمشيئة البارئ ستكون الختام بأذنه، فهوالذائد وهوالحامي،فهي بيته وإن للبيت رب يحميه .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2485 المصادف: 2013-06-25 12:53:56