المثقف - قراءات نقدية

جمالية السرد ورهافة اللغة في قصص: امرأة وكائنات أخرى للقاص عبد الهادي والي

ayad khodairطالعنا القاص عبد الهادي والي في مجموعته القصصية (امرأة وكائنات أخرى) التي تحتوي على تسع عشرة قصة 133 صفحة من الحجم المتوسط عن دار الضياء للتوزيع والنشر/ النجف بمجموعة من القصص الاجتماعية والإنسانية التي تحاكي الواقع وتضيف اليه ابعاداً رائعة مفعمة بالحزن والمرارة لاناسٍ بسطاء يعيشون في الحياة، منهم المهمش ومنهم المعذب والآخر جائع، حياة صعبة قاسية رغم كل ذلك هناك بوارق الأمل والتكيف للظروف .. في قصة (ثمره وحيدة) والتي تصدرت المجموعة، استذكار للأيام الصعبة وللطفولة، رسمت صورة ووصفاً للبيوت والشوارع وللوقت القاتل الذي يسرق بقايا العمر (ساعات شحيحة من وقت كالذهب النقي وساعات فائضة كالرماد هكذا كانت تمر بنا الأيام مخضلة بالحنين والدموع والأسى الخالص) ص4

أستطاع القاص ان يوصل الى المتلقي فكرة عن الوضع العام آنذاك المبتلى بالفقر والحرمان، لكن تبقى طيبة القلب والعلاقات الحميمية بين الجيران متجذره داخل النفوس، الكل متساوون في هذا الحي الذي عاشه الراوي في صباه (الزقاق كومة هائلة من الطين مرصوفة على هيئة اسيجة وغرف متداعية تتعكز على ألواح تنخرها الرطوبة وديدان العثة) ص 4 بالرغم من كل المعاناة والأوجاع تبقى الأم الحنون هي الغطاء والخيمة التي تستر العائلة التي تتغذى على الحب والحنين هذا هو حال كل الفقراء وهذه بيوتهم التي يسكنونها، لكن مع هذا (تمر الأيام متتابعة ويتبعثر الحزن كغمائم متمزقة في الفضاء البعيد) ص9 . استطاع القاص ان ينهي قصته بضربة رائعة ( لحظة تنوير) (في طياتٍ لا متناهية من طوفان أيام منحدرة لا تتوقف عن الجريان) ص10

قي قصته للسماء عيون تدمع أحياناً ..يجسد القاص المعاناة عبر وصف جميل ودقيق، الهروب من الطائرات،الناس يسيرون في العراء ويختبؤن في جحور تقيهم المهالك كأنهم قطيع يحاصرهم اليأس والاستسلام، أما الأطفال فحالتهم يرثى لها، فهم متمسكون بذويهم يركضون مع ريح لاهبة، أيام كلها خوف وقلق يلوذون بالصمت مرة وأخرى يصرخون، تخرج منهم زفرات حارة مؤلمة مكتومة في الصدور مع كل ذلك الأمل يلوح لهم من بعيد العشب والماء بانتظارهم ( لنتوقف عن الاندفاع الى الأمام ولنسلك طريقاً جانبياً يقودنا الى تلك التلال المنعزلة، ثمة عشب كثير هناك، وثمة بقع لالتماعات أظنها مياه متخلفة عن أمطار سابقة) ص42

بعض قصص المجموعة (أصوات أشبه بالعويل) (وجوه كالحة) (عبارة مكررة) وغيرها العنوان فضح المضمون، يقولون ان العنوان هو عتبة النص وأحيانا يكون العنوان الرامز يخفي المكنون مما يحث القارئ على ان يشارك الكاتب في تتبع الحدث ويكتشف سرديات الأحداث، وان كان العنوان يفضح سر القصة منذ البداية بعيداً عن الغموض، فقصص عبد الهادي والي اعتبرها قصص وصفية واقعية اجتماعية فيها جمالية، تضيف أليها أبعادا جديدة مثيرة وساحرة وفي نفس الوقت مؤلمة هذا الخليط يجعلها أكثر قوة ورصانة خصوصاً ان لغة السرد لديه متماسكة مما يدل على تمكنه واقتداره لغوياً، بالإضافة الى غنى اللغة، غنية كذلك بالأفكار والمعاني والموضوعات الذاتية النفسية والشعورية والعاطفية من حب وهيام وعشق وأمومة وتعلق بالأخر والتفاؤل بالمستقبل والانكسارات وسلب الحريات والخيبات والفشل والخيانة والنجاحات وغيرها، مما يدل على عدم ارتكان القاص الى وتيرة واحدة في السرد بل كان يعمد الى التنويع ليخلق أثرا جميلاً .. ان الهم الاجتماعي كان من أكثر الثيمات او الأفكار التي تتناولها المجموعة، كان اهتمامه منصباً على معاناة الناس البسطاء والكادحين الذين يعانون الفقر والجوع وهي استذكارية تحمل في طياتها أيام الطفولة، والعلاقات الحميمية التي ترتبط بها العوائل البسيطة وتبقى الحوادث راسخة في مخيلة القاص حتى الكبر في قصته: (عبارة متكررة) حكاية شيقة يرويها القاص مستذكراً يوم تسجيله في المدرسة لأول مرة بصحبة أبيه، وخوفه الشديد آنذاك من ان يتركه والده وحيداً في المدرسة، ترن في ذاكرته عبارة أبيه المؤثرة: (سوف تتعلم يا ولدي وسوف تكبر فلا تخف) ص31 .. يستعيدها الراوي وهو يخاطب بها حفيده حين يقوم بتسجيله في المدرسة لأول مرة !

الحبكة: في المجموعة رائعة والإحداث تم تنسيقها بطريقة سلسة ومحكمة تتلاحق وتتوالى في اتجاه معنى الحد.

النسيج: او البناء كان متماسكا في اغلب قصص المجموعة وان شخصياتها من طبقةٍ فقيرة مدمرة ومستغلة ومهمشة، أننا أمام أديب متمكن، كاشفا عن معان إنسانية جميلة منسوجة في وعي كبير بالحياة وتقلباتها، وألوان المجتمع وانحرافاته، فكان اهتمامه منصباً على كشف وتعرية الواقع وإدانة كل سلوك يخرج عن القيم والمبادئ الإنسانية.

في قصته (طقوس فريضة سرية) أدانه للواقع الفاسد الذي فرضته الأنظمة الشمولية الدكتاتورية التي ابتلت بها الشعوب والتي تساقطت الواحدة تلو الآخر، فلا احد يقوى على الاعتراض او المحاججة، الكل يجب ان ينصاع للأوامر (واستطرد بعد صمت قليل وهو يقلب أوراقا بين يديه: لا ينقصك سوى ذنب تخلفك وعصيانك الدائم عن الانتماء الى الحزب) ص101

لقد برز الوصف في القصص اذ قلما تخلو صفحة من وصف حسي او معنوي او صورة محفوفة بالالق الجميل .. في النهاية نحن أمام قاص مقتدر فجمالية السرد مع الدقة في اللغة استطاعت ان تحكم معاني وبنيان قصصه فضلاً عن الوصف والخيال، مما أضافَ للإبداع رافدا جديدا محتفظا بنكهة القصص الأصيل ناقشا اسمه في تيارات السرد وأشكاله الجديدة.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2492 المصادف: 2013-07-02 01:49:45