المثقف - قراءات نقدية

قراءة في ديوان: همسات من جوف الروح للشاعرة المغربية احسان السباعي (1)

هذا ليس اللقاء الاول مع الشاعرة المغربية المبدعة (احسان السباعي)، التقيت معها سابقا في قراءة لقصيدتيها الرائعتين (المتسولة) و(سهم الهوى)، وهذا هو اللقاء الثالث في قراءة لديوانها (همسات من جوف الروح) .

العنوان اسم على مسمى، من يقرأ قصائد الديوان بأمعان يتحسس هذه الهمسات الخارجة من اعماق الروح، وبعض الهمسات تلذع بحرارتها، ولا يحس بهذه اللذعات الا من يستقبل بروحه هذه الهمسات، اطلقت الشاعرة اسم احدى قصائد الديوان كعنوان له -(همسات من جوف الروح)- فكان أختيارا ناجحا وموفقا، أرى أن أغلب قصائد الديوان هي همسات تخرج من أعماق روح الشاعرة الشفافة، ليس بالضرورة أنها تعبر عن تجارب ذاتية، بل لأنها شاعرة مرهفة الحس، تشعر بهمسات أرواح الاخرين فتعبرعنها بكلماتها الرائعة، فيشعر القارئ وكأن الشاعرة هي من يخوض هذه التجربة، هذا الشعورعند القارئ يفصح عن موهبة الشاعرة  التي لا تتوفرعند جميع الشعراء او الشاعرات، أستطيع ان أصف(احسان السباعي) انها شاعرة المجتمع، شاعرة العائلة، شاعرة المرأة، شاعرة الألم، شاعرة الاحاسيس والمشاعر الصادقة، لم أشعر بشئ يوحي بالفرح عندها، ربما قساوة الظروف الاجتماعية، وهذا المؤشر استوحي منه أن حياتها الشخصية صعبة، وقد تركت بصماتها عليها فجاء شعرها قليل الفرح، وربما الفرح معدوم .

أهدت الشاعرة ديوانها الى كل أحبابها، امها، والدها، اولادها الى (كل روح ساندتني وشجعتني من بعيد او قريب)، لفت نظري مخاطبتها لأمها بعبارة استشف منها، انها ورثت شعور الاحساس بآلام الاخرين عن امها، وفعلا ان الام هي من ترضع وليدها الغذاء والدواء وكثير من الصفات الايجابية التي تحرص كل ام ان تنقلها الى اولادها (الى امي الغالية التي علمتني كيف يسكن الاحساس في جوف الروح وكيف يترجمه القلم)، هذا عرفان بجميل الام الذي لا يعوض، ان صفاتها الايجابية قد اكتسبتها عن امها، وانا شعوري ان الشاعرة  (احسان) تتكلم بصدق  واحاسيسها فعلا تخرج من جوف الروح .

أولى قصائد الديوان أهدتها الى صديقتها (الغالية)، الشاعرة (رحيمة بلقاس) صاحبة ديوان (عناق سحر الحياة)، كلمات الشاعرة توحي بأهمية موقع ومكانة الاهل والاصدقاء والاحبة عند الشاعرة (احسان)، كذلك تظهر كلماتها الصادقة في ديوان (همسات من جوف الروح) تبنيها لقضايا المجتمع المغربي العامة والخاصة  تجسد الشاعرة مظلومية نماذج اجتماعية في جميع قصائدها تقريبا، خاصة مظلومية المرأة وهي مكبلة بقيود اجتماعية تفقدها كرامتها وانسانيتها وتصادرحريتها تحت مسميات كثيرة، احيانا تصادر حقوق المرأة باسم الدين زورا، وباسم التقاليد والعادات والاعراف الجائرة احيانا اخرى، المهم المرأة هي الضحية باي عنوان كان هذه المظلوميات تجسدها الشاعرة في قصائد جميلة، يتخيل القارئ الشاعرة وهو يقرأ قصائدها، كأنها تعيش في أعماق من تنقل معاناتهم .

قصيدتها المهداة الى رفيقة دربها الشاعرة (رحيمة بلقاس) رائعة، تظهرالشاعرة وهي تعبرعن حبها الكبيرلصديقتها الوفية، ومقدار الجميل الذي تشعر به (احسان) حيال صديقتها (رحيمة):

بلا انذار يا سليلة الحرف

ونزف اليراع

أيقظت فيّ

لهفة الشوق المقتفى

في بحر بلا شراع

رسمت في أناملي

لوحات القصيد

رحيق الحلم العتيد

نثرت في جوفي

أريج الكلمات

وعبق المعاني

منحت شعلة لضيائي

المنطفئ .. وامطرتني

كرما وعطفا في أيامي العجاف

الشاعرة (احسان) توحي بكلماتها أن للشاعرة (رحيمة) الفضل في تنمية موهبة الشعر عندها، فهي من شجعتها ودفعت بها الى ميدان الشعر، هذا وفاء وعرفان بالجميل وخلق رفيع من (احسان) عندما تتذكر مواقف صديقتها، وكيف ساندتها في ايام المحن والشدائد، أضافة لموقفها وهي تكتشف موهبتها الشعرية، ودفعت بها لتكون شاعرة متألقة، لا يمكن تجاهل موهبة (احسان) الشعرية، أذ لو لم تمتلك (احسان) هذه الموهبة لما استطاعت ان تكون شاعرة متألقة، لأن التشجيع لوحده لا يكفي، انما في رأيي أن الشاعرة رحيمة، صقلت هذه الموهبة واخرجتها الى ارض الواقع، قول الشاعرة :

منحت شعلة لضيائي

المنطفئ .. وامطرتني

كرما وعطفا في ايامي العجاف

توحي لي هذه الكلمات ان الحياة مع (احسان) قاسية، وأن للشاعرة (رحيمة) دور في التخفيف من هذه القساوة، لذا ليس من السهل ان تنسى او تتجاهل مواقفها، وهذا موقف كل انسان نبيل لا يتنكر لمواقف صاحبه وأن تغيرت الظروف، اعتبر الشاعرة (احسان) انها اهل للمعروف، كما اعتبر الشاعرة (رحيمة) كريمة النفس أصيلة، لأن الوفاء بين الاصدقاء في زماننا الصعب هذا نادر، لكن الاثنتين أهل للوفاء، اتمنى لهما التوفيق .

الشاعرة (احسان) آلمتني عندما  تقول: (ضيائي المنطفئ)، هذا يوحي ان الحياة معها قاسية وشرسة، لكنها صامدة وصابرة ومصممة على البقاء كي تعيش الحياة الاجمل والافضل رغم قساوة الظروف، هذا الصمود والصبر يوحي ان ايمانها بالله تعالى وقدره قوي لا يتزعزع، لذا اقول للشاعرة (احسان) بناء على حقيقة ان الله لا يضيع عبده المؤمن، أنّ ضياءك لن ينطفئ، وهو ضارب في الاطناب، انت متوقدة ومنورة وستبقين  بأذنه تعالى كذلك، ما دام الله معك والاخيار الطيبون .

استشف من كلمات قصيدتها (اهداء الى صديقتي الغالية رحيمة بلقاس) أن صديقتها التي تنعتها (الغالية)، قد رافقتها في أغلب محطات حياتها، وكانت لها خير معين  فهي معها في العمل، وفي الطريق، وعندما تتعرض لمشكلة ما، تقوي من عزيمتها وارادتها، تشجعها على تجاوز عثرات المسير في الحياة، وهي من فجّر طاقتها الشعرية، دعمتها كي تتجاوز ظروف حياتها الصعبة، لم تتخلَ عنها، بل تدفع بها للأستمرار في الحياة التي أراد الله تعالى لنا ان نستمتع بها بالطرق السليمة المشروعة، تصف الشاعرة (احسان) صديقتها المخلصة الوفية أجمل وصف:

مشرعة نوافذ قلبك نورا

في سماء عزمك المجيد

ما رأيت هذا الصفاء

ولا صدق هذا النقاء

هنا تصف صديقتها بكلمات صوفية (النور، الصفاء، النقاء)، هذه من صفات المؤمنين والمؤمنات، صديقتها اذن مؤمنة طاهرة نقية، عندنا مثل في العراق يقول (الطيور على اشكالها تقع) الطيب يختار الطيب مثله، (رحيمة) طيبة، لذا رست سفينة (احسان) الطيبة على شاطئ صديقتها الطيبة، لكما التوفيق، وجزاكما الله تعالى الف خير .

في نهاية القصيدة الرائعة تقول الشاعرة (احسان السباعي) :

كم من العزم نحتاج؟

كي نحفظ المحبة التي تجمعنا

قاس هو الوقت يا صاحبتي

تتخلله برودة الشتاء

يلوث وجه الماء

هل نتراجع؟

هل نمضي؟

هل نعلم يوما؟

أن الارض تزلزل طربا

حين يتعانق الاصدقاء

احسنت (احسان السباعي) فأنت متمسكة بصديقتك (رحيمة) ولن تفرطي بها رغم الظروف التي تدفع احيانا بعض الاصدقاء كي يتخلوا عن بعضهم، ان العزم الذي تتحدثين عنه يأتي نتيجة لقاء القلبين، العزم للاستمرار في الصداقة لا يتحقق من دون لقاء القلبين وصفائهما، لا عزم خارج ساحات القلوب .

كلماتك (تتخلله برودة الشتاء، يلوث وجه الماء) كنايات جميلة عن ملوثات الصداقة ومعوقاتها، تسألين صديقتك لو صادفتنا هذه المعوقات التي تهدم جدار الصداقة، هل نستسلم لها ونضحي بصداقتنا؟

هنا يأتي جوابك الرائع، أجبتي قبل ان تجيب (رحيمة)، واعلنتها أنك متمسكة بصداقتها مهما اختلفت الاحوال والظروف لأن (الارض تزلزل طربا، حين يتعانق الاصداقاء)، تحياتي لك ايتها الشاعرة المتألقة (احسان السباعي) واتمنى ان التقي مع ديوانك الجميل في حلقة ثانية انشاء الله تعالى .

 

علي جابر الفتلاوي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

لم يتسنى لي الاطلاع على الديون ولكن المقاطع التي اوردها الباحث لا تنم عن اننا امام تجربة شعرية او موهبة طريقها الى البزوغ.

د. محمد ثامر السعدون
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الدكتور محمد ثامر السعدون السلام عليكم
نشكر مروركم الكريم ، وربما الزاوية التي يطل منها الدكتور محمد هي غير الزاوية التي اطل منها انا على شعر الشاعرة احسان ، رأيك محترم ، وسبحان من يسلم من الخطأ فالسطر الذي كتبه الدكتور فيه خطأ نحوي ( لم يتسنى والصحيح لم يتسن ) ، واملائي اظنه ورد سهوا ( الديون والصحيح الديوان ) و ( وطريقها والصحيح في طريقها ) ، تقديري واحترامي للدكتور محمد .

علي جابر الفتلاوي
This comment was minimized by the moderator on the site

قرءات مميزة لناقد مميز وشاعرة مميزة ..انا قرأت الديوان وشعرت فعلا ً بما نقلته لنا بدقة استاذ علي جابر ..وانا اجزم ولست اظنّ إنّ قراءاتك ستكون السبيل الأقصر لشهرة الديوان والشاعرة ..تحياتي

سحر سامي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعرة المبدعة سحر سامي اتشرف بمرورك الكريم واسعدني ذلك ، الشهادة التي ادليت بها اعتز وافتخر بها كونها اتت من شاعرة متميزة ، تحياتي لك ، وتحياتي للشاعرة احسان السباعي .

علي جابر الفتلاوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2499 المصادف: 2013-07-09 00:27:43