المثقف - قراءات نقدية

هيفاء بيطار في "ايقونة بلا وجه": سفر الوفاء العظيم (3)

husan sarmakعامل التوقيت: "ولأن الرواية علم والقصة القصيرة فن"، إذا جاز التعبير، كما قلت آنفاً، فإن على الكاتب أن يهتم بعامل "التوقيت" . في أي موضعٍ يطرح الموضوع الفلاني أو يعيد تناوله أو يهمله؟ الإبكار قد يفسد مسار الرواية مثلما قد يفسده التأخير والتواني . يجب أن يكون التوقيت دقيقا ومدروسا ليغني الوقائع ويكشف أو يلغز مجرياتها . والآن، حسب، تطرح الروائية مراجعة لحال بدر، طبيعة عمله، وأعباء ظروفه المعيشية، وطموحاته المعطلة . لماذا هذا "التأخير"؟

لأن الروائية تدرك أن من الطبيعي أن القاريء يريد معرفة الفاجعة وقت نزولها، وما تسببه في نفس هذه الإنسانة المثكولة التي يتعاطف مع محنتها . ليس من المعقول أن يأتي شقيق نبوغ ويبلغها باعتقال زوجها، فتنطلق الكاتبة في شرح سمات شخصية بدر وطبيعة عمله ومشكلاته وهمومه قبل الإعتقال . هذا بذخ سردي . حيث نترك نيران محنة الإعتقال المشتعلة، ونقفز فوق تمزّقات روح نبوغ لنتحدّث عن حياة المعتقل المظلوم قبل المكيدة . الآن "هدأت" انفعالات نبوغ الضاجّة نسبيا فأصبح بإمكانها أن تخبرنا اشياء مهمة عن زوجها . كان مهندساً طاقته تُستنزف في عمل صباحي في شركة قطاع عام، وعمل مسائي في مكتب هندسي خاص بعد الظهر . كان راتبه يدعو للسخرية حيث كان كلّه يمثل بدل إيجار البيت المتواضع . وباعتقاله لم يبق لنبوغ المدرّسة سوى راتبها الذي يدعو بدوره لسخرية أكبر (ص 35)، ولم يعد أمامها مفر من أن تجمع أغراضها وتنتقل إلى بيت أهلها (ذلّتها الحاجة المادية وأجبرتها أن تبيع الغرفة التي ساكنته [= زوجها] تحت سقفها أربعة أعوام – ص 36) .

وما ضاعف من ضائقتها المادية، هو ان أهلها فقراء اصلا، وبالكاد يعيلون أنفسهم، فاضطرت لبيع غرفة نومهما التي شاركتهما حميمية حياتهما . وفي عقد الحصار الجائر الذي فرضه الأمريكان القتلة على الشعب العراقي كان العراقيون يبيعون حتى شبابيك الغرف . وقد زارني رجل شديد الإكتئاب باع باب غرفة نومه . كان يقول: انكشفت ! لكن بالنسبة للمرأة المتزوجة خصوصا فإن هذه المواد الجامدة تصبح جزءا أساسيا من مكوّنات "مجال ذاتها الحيوي" الذي يعزّز النرجسية ويطمئنها ويزيدها ألقاً . نحن – الذكور – "نستخدم" الملابس والأثاث والبدلات وغيرها، وهنّ "يعالجنها" . نحن ننام في غرفة النوم مثلا، لكنهنّ "يعشن" فيها . ولهذا لم تستطع نبوغ التعامل مع بيع غرفة النوم على اساس "الصفقة" المادية الضرورية للعيش . أبداً . أحسّت أنها "تفقدها" مثلما فقدت زوجها . شيء ما يُخلع من مجال ذاتها .. بل من ذاتها نفسها، إتخلاع جزء حيوي لا خشبي، فالأنثى لا تستخدم الشيء مثلنا، بل "ترعاه" وتنمّيه وتدبّره كما قلت . وفي كل لمسة هناك اشتداد في آصرة نفسية تربط بين "الذاتين"، ذات الأنثى وذات الشيء . ألهذا لا نجد متصوّفات كثيرات من النساء عبر التاريخ مقارنة بالرجال؟ بل لنندفع اكثر: ألهذا لا تحتاج المرأة للفلسفة وتركت التفلسف، مبتسمة، للرجال الأذكياء؟

 

بيع غرفة الذات:

نبوغ تعلم أن بيع غرفة النوم يعني أنها تغدر بذاتها وبـ "غرفتها"، وأن هذا التسليم القسري بالإنخلاع والفقد يدفعها وبقوة نحو المزيد من الإنذلال والشعور العميق بالعجز واللاجدوى . لكن الذات المهزومة لا تستقبل لطمات الخسران من دون رجفة دفاع وإعادة اعتبار . ولهذا:

(وقبل يومين من موعد فكّ غرفة النوم، وقفت أمام خزانة ملابسه بخشوع، أحسّت أن وجهها يتحوّل حتى يصير أيقونة . غزت أنفها رائحته، للحظة تجسّد حضوره قويّا حتى أنها لو التفتت خلفها ستراه، بل آمنت أنها ستراه – ص 36 و37) .

إنها الشهيدة التي تُصلب كل لحظة .. وتقطّع آمالها وتُجهض .. وتُحاصر من كل جانب . إنها أيقونة العذاب والصبر الفائق والتحمّل المذهل . وإذا كان بعض القديسين قد انتزعوا حقّهم "الأيقوني" في الماضي، بمعاناتهم وزهدهم وتضحياتهم، فإن نبوغ، وكل البشر الذين تطحنهم عجلة الطغيان التي لا ترحم، هي قدّيسة الحاضر، حاضرنا المتخم بالفساد والجور والمهادنات الذي يتطلب من الإنسان صبر وأخلاق وجسارة قدّيس، ليخرج ظافرا بنظافة روحه وصلابته المبدئية من مواجهة الطغيان .

 

حكاية ايقونة في عصر العولمة:

وفي ظلّ انحطاط شامل يستشري على كل المستويات، وفي العالم كلّه، مشفوعا بطاقة طوفان العولمة الكاسحة، يكون لزاماً على المبدعين خلق "ايقونات" تكون أنموذجا للإقتداء والتماهي، والتمسّك بالقيم الإنسانية، ومواجهة بطش الجلادين وغدرهم . صارت مفردات القيم والمجتمع والجلاد والسياسة مفردات مكروهة تثير غثيان الحداثويين الغربين ومريديهم من الكتاب العرب . إنهم لا يريدون نماذج وايقونات سردية مثل نبوغ المقهورة المذلة المهانة، ولا رواية مثل أيقونة بلا وجه تنتصر للإنسان برغم هزيمته وخرابه . يريدون من الناس أن يقفوا طوابير لا ليشتروا روايات تتحدّث عن قهرهم ومهانتهم وسحق الجلادين لهم ولأحبابهم وآمالهم، ولكن روايات تشبع عقولنا بتزويرات الثقافة التوراتية (شفرة دافنشي)، وبالسخافات الطفلية الخرافية التي صارت غذاء للراشدين (هاري بوتر)، وبالإنحرافات الجنسية بكافة أنواعها حتى النادرة (عطر) .. وغيرها من سفاهات الكتابة الغربية التي تبرّرها سطوة الفلسفة المادية التي حوّلت الإنسان من ثغرة في نظام الطبيعة إلى حجر لا يختلف عن أي مكون حيواني أو نباتي من مكوّناتها . وراجعوا على سبيل المثال لا الحصر النشرة الإلكترونية الأسبوعية لموقع الـ GoodReads لتروا أي فارق شاسع بل وتناقض مخيف بين انشغالات الروائيين الغربيين بصورة عامة (وهو ما يريدون أن ينشغل به الكاتب العربي)، وما يُفترض أن ينهمّ به كاتب في عالم مليء بالطغيان والجلادين والإستغلال والجوع والجهل وسحق كرامة الإنسان . المطلوب من كتّاب العالم الثالث هو الإهتمام بالجنس لذاته وبانحرافاته وبالفنطازيا والعوالم الماورائية والمخلوقات الفضائية والرجل الحديدي .. أمّا الناس المسحوقين .. أمّا الجياع .. أمّا نبوغ التي يسحق الطغيان أحلامها ويدمّر حياتها وحياة زوجها وييتم طفلها .. فهذه سبّة من سباب مدرسة "الفن للمجتمع" المذموم المدحور في عرف الحداثة . يمكن لألن روب غرييه أن يتحدث عن الأحذية والمرايا والقناني والأسرّة وبلاطات الأرصفة وصفوف أشجار الموز .. وأمّا الإنسان فلا . وقد طبّل اشبال الحداثة العرب له، وهم لم يقرأوا له أي رواية، وقبل أن يُترجم اي عمل من أعماله آنذاك سوى كتابه النقدي "الرواية الجديدة" !! يتحدث الروائي العراقي "مهدي عيسى الصقر" عن موجة ألن روب غرييه" بالقول:

(فلو أخذنا الروائي الفرنسي (ألن روب غرييه) الذي يعده الكثيرون من أعمدة الرواية الحديثة المركزية، فسنجده لا يهتم بالإنسان إلا قليلا في أعماله . القصة يجب أن تقف على قدميها بعيدا عن هذه الأمور حتى لو كانت بالطريقة التقليدية أو أي شكل آخر، إذ يجب أن تشد القاريء، وأن يكون فيها حس إنساني وإقناع بصرف النظر عمّا إذا كانت واقعية أو خيالية أو أسطورية . وبالنسبة لي أعتبر الحس الإنساني أهم من كلّ شيء على عكس جماعة "الرواية الحديثة" الذين لا يعنون فيه. إذ أن العملية قائمة عندهم على اللعب بالكلمات، والبناء كله كلمات . والمؤسف أن بعض الشباب بدأوا يكتبون بهذه الطريقة بعد أن سوّغها لهم بعض النقاد . فمثلا رواية " الغيرة " لألن روب غرييه، يتحدث الكاتب فيها عن أشجار الموز وعددها وعدد صفوفها وحجمها وغيرها من الأمور، بينما يمر على الأفارقة الجالسين مرور الكرام . وينطبق هذا الأمر على القصة أيضا ) (10).

وفي لقاء الروائيين العرب والفرنسيين الذي عقده معهد العالم العربي في باريس في عام 1994 كان المحاضرون الفرنسيون يقدّمون النصائح لشكل الكتابة المطلوب من الكتاب العرب اتباعه، وكان ألن روب غرييه يسخر من بعض الطروحات التي تتحدث عن بذور لجنس الرواية في التراث العربي !! وقد استُفز الروائي الراحل "الطاهر وطّار" بقوّة من هذه الطروحات فقال منفعلا:

(تعليق آخر حول كلام بيير برنار، وقبل أن أعلّق أريد أن أروي حكاية وقعت لي مع أبّولي، كاتب "الحمار الذهبي"، وهو من قريتي، من دروش . عندما قرأته وجدت مقطعاً عنده يتعلق بأن أحد الشخوص لما اكتشف أن شاباً نام مع زوجته راح البطل فنام مع الشاب . فقلت: والله العظيم، لن يحدث هذا إلا من جزائري ! فمع الأسف الأستاذ برنار والأخت تريد أن تنزع منا خصوصيتنا . تريد أن تقول لإيتماتوف: "أقتل جمهوريتك الصغيرة ذات الخمسين ألف نسمة، وكن روسيا، ثم كن فرنسيا" . هذا عيب . لو قيل هذا الكلام في منزلي لقلت له: أخرج من بيتي . نعم . بطريقة أبّولي أقول هذا الكلام . ونحن ضيوف عندكم . تريدون أن ننسى أنني أتعطّل عن الشغل يوم يموت واحد في حيي لأمشي في جنازته، وأن العامل المصري وهو يعمل في الفرن الحديد والعرق يتصبب منه يتوقف عن العمل ليداعب أخاه أو ليبتسم لنكتة . فاكتب ذاتياً . تعلمني الكتابة؟ أرجوكما أن تسحبا هذا الكلام، فأنا مشرقي، مغربي، أفريقي مع ألياس خوري أيضا، ولن أكتب لمجتمع فرنسي أصلا – ص 300) (11).

وكان الروائي إلياس خوري قد ردّ في هذه الجلسة أيضا على دعوات الكتابة بالطريقة الغرائبية وغيرها من التقنيات التي تفضلها دور النشر الأوربية فقال:

  (نحن من العبث أن نفكر بأنه يجب أن نعدّل في طريقتنا في الكتابة (...) كي نُقرأ في الغرب. فمهما فعلنا – لا أعتقد أن كاتبا عربياً على استعداد أن يجعل النساء تطير كما عند ماركيز. إذا كان هذا الغرائبي هو المطلوب من العالم الثالث، فلا تؤاخذوني، من الصعب أن نستجيب لمقاييس لا علاقة لها بتجربتنا) (12) .

وقد يعتقد السادة القرّاء أن هذه مداخلة طويلة يمكن أن توضع في هامش اسفل الصفحة، لكنني أؤكد على أنها تمس صلب هذه الرواية خصوصا والفن الروائي العربي عموما . لقد آلمني أن هذه المعاناة الرهيبة لنبوغ وزوجها كضحيتين للطغيان والفساد والقهر تُستقبل بهذا العدد القليل والإنطباعي من الدراسات . وحين اقول: دراسات، أقصد الدراسات الموسّعة الدقيقة والتفصيلية التي تعبيء القاريء، وتنير له مغاليق النص، وتفضح أمام عينيه المسكوت عنه فيها، وتدفعه إلى أقصى حدود التعاطف مع بطلتها نبوغ .. دراسات لا تضيّعنا باللغة الشعرية المتعالية – metalanguage التي تجعله يقف حائرا أمام النص النقدي الذي سيصبح بحاجة إلى نص نقدي آخر يفسّره . دراسات تجعل نبوغ شهيدة .. أيقونة يعلّقها القاريء في محراب ذاكرته، يشهق ويسجد لآلامها ويسمع أنين روحها بروحه، وينتصر لها، حتى ولو بقلبه، ضد السفلة الأوغاد الذين اضاعوا حلمها الصغير، وأحرقوا عشّ عائلتها ومزّقوا روحها . أمّا سفاح المحارم والسلوكيات الجنسية الشاذة والكتابة عن اليهود وأورشليم (لا القدس) والألعاب الفنطازية وفذلكات لعبة الوثائق والمخطوطات، والتي عرف بعض الروائيين العرب من أين تؤكل كتفها، وكيف يغازلون دور النشر الغربية، وبعض الدور العربية المسمومة، فهي من وجهة نظري خيانة للقاريء العربي وتسفيه لآلامه ومساهمة في تسطيح وعيه . ومن هذا المنطلق ينبغي على النقاد الشرفاء أن يحيوا الروائية "هيفاء بيطار" على انتصارها للإنسان العربي المسحوق، وتسخيرها فنّها الروائي لخلق "أيقونات"، حتى لو كانت بلا وجوه، فنّية تستقر بثبات في وجدان ووعي القاريء العربي، وتحفزه نحو رؤية الحياة، وقيمته الذاتية، من منظور جمالي جديد .

 

أيقونات تصويرية تعلق بالذاكرة:

ومن بين الواجبات الأخرى للروائي الحقيقي والمحب لفنه وللإنسان، هو أن يصنع "ايقونات" تصويرية تجرح روح القاريء، وتنبهه إلى قداسة أشيائه التي ارتبطت بذاته مهما بدت بسيطة . وأن عليه أن يحتج على الخسارات والفقدان ولو بصورة "شعرية"، وقد يكون الشكل الشعري للإحتجاج أعظم وأكثر ديمومة وأثرا من الشكل المادي المباشر . قلْ لي كيف ستنسى هذا المشهد:

(كانت ساعة فكّ غرفة نومها قطعة قطعة، ساعة لا تُنسى، مشحونة بألم لا يُطاق، كانت المطرقة التي يطرق بها النجّار الزوايا تؤلم قلبها كأنها تطرق جدرانه مباشرة . ثلاثة صبيان يحملون قطع الخشب، ويضعونها في سيارة مكشوفة . فرغت الغرفة . بدت كعنبر فسيح . تجمّع الغبار بكثافة تحت الخزانة، لأن المكنسة لم تكن تدخل تحت أرضها الواطئة، وجدت أنها تكنس الغبار بحنان وتضعه في كيس، تربط فوهته وتخبئه في حقيبتها – ص 41) .

كم امرأة مثكولة وقفت مقطّعة النفس والأمل وهي تنظر كيف يفكك النجار اللامبالي غرفة نومها، "غرفتها"؟ مئات .. آلاف .. لكن لا واحدة اختلجت روحها لتستجيب بهذه الكيفية "الإيقونية" الجارحة والعظيمة، فهذا من مسؤولية الفن .. وهي من أعظم واجبات الفنّان: أن يقدّم الصور "الأيقونية" للإستجابة الفائقة والخلاصة للنفس البشرية تجاه إحباطاتها وضربات واقعها الجائر القاصمة . كم امرأة ممتحنة فكرت برد فعل على هذه الطريقة: أن تجعل لتراب المهانة روحا وقداسة . لا واحدة بالتأكيد لأن القهر يسلب أولا من الإنسان روحه الشاعرية، وإحساسه بالجمال، ويحوّله إلى كائن يومي مجترّ ينشغل بتقسيم ثمن غرفة النوم على ما تبقى من أيامه، استعدادا لجولة مذلة وخسارات جديدة . ومن تستجيب مثل نبوغ فهي شاعرة عظيمة، هي التي تُصنع الحياة على يديها وتُحفظ لها كرامتها، وهي خميرة الوجود التي تحافظ على الجوهر الإنساني في مواجهة الطغيان والفساد والإنحطاط . ليس هذا حسب، بل أن "تعريفات" نبوغ الجديدة الصادمة والمتخمة بالشعرية الجارحة للظواهر والمفهومات والحوادث، التي نواجهها يومياً في حياتنا، وفقدنا اصالة وتجدد فهم لاشعورنا لها، بسبب تراكم أتربة الصدأ والتعوّد بفعل زمن القهر اللزج وأتربة العادة . كم مرّة حوصرنا بالصمت المدوّي .. بالحزن العذب .. بالحب  .. بتكثّف الذكريات المهيضة .. عشرات الحوادث والحالات والافعال والمفهومات تمرّ بنا عابرة ننظر إليها بلا مبالاة ومن دون اكتراث، وكأنها لا تعنينا، والمصيبة أنها من صلب وجودنا ورحمه .. ولا يعلق منها شيء بأرواحنا .. أمور في غاية الجمال أو الأسى تمرق، وكأننا مسافرون لا تهمنا سوى حقائب ملابسنا التي ستسرق بعد قليل . إن أخطر ما يفعله القهر والطغيان بالإنسان هو ان ينسى أنه إنسان . أن يصبح أنبوبا يصل بين المطبخ والمرحاض ويمر كضرورة بصالة الجلوس أمام التلفاز . لقد أنسانا القهرُ، الحبَ، وفورة الجسد، ونداءات الصمت الداخلي في الأرواح المعذّبة، وجعل كل دورنا هو أن "نبقى" اسفل السلّم حيث الماء والهواء والغذاء والتناسل الحيواني .. وأن نتّقي البطش بكل وسيلة . الفن وحده هو الذي يذكّرنا بالإنسان اللائذ المفزوع .. بكرامته .. بشفافية روحه .. بعذابه .. وبعلوّه على الحيوان من خلال الامل .. الإنسان حيوان ذو أمل .. الإنسان حيوان رومانسي .. الإنسان حيوان يقبّل .. ويحزن .. ويختفظ بتراب الخسارات المقدّس. الفن يحوّل المفاهيم والوقائع المهملة في حياتنا إلى "ايقونات" تعلق في محراب أرواحنا وتُتأمل ويسستحضر منها بلسم الجراحات:

- الحزن العميق أبكم دوما (ص 39)

- ما الخوف سوى استمرار الوعي (ص 39)

- الحب كمال داخلي وهو وحده يعطي الإحساس العميق بالفرح (ص 40)

- لعل سبب تلك الرعشة تكثّف الذكريات أكثر مما تحتمل (ص 41)

- تذكّرت كيس التراب في حقيبتها، تخيّلت أنها ستزرع فيه وردة، وستنمو هذه الوردة مقاومة الذبول  (ص 42)

- إنّها راكعة من الذلّ والقهر، وكثيرا ما كانت تتخيّل أنها تمارس الحياة راكعة، تمشي راكعة، وتعتني بصغيرها راكعة، وتنام راكعة (ص 45)

- لم يعد يبطّنني، بيني وبينه شرخ يقارب عمره سنتين، عيناي مترعتان بحبّ تغيّر لونه من الوردي إلى الرمادي . حين يصير الحبّ رماديّاً يصير اسمه الإكتئاب (ص 107) .  

  - لحظات الإنخطاف هذه كانت تدوم لأيام، تجعلها إنسانة مفرطة الحيوية لحدّ الهياج .. تسمع صرير انفعالاتها الداخلية (ص 110) .

- أحسّت أنها تفرد مساحة روحها أمامها، وتنقّيها من الوجع، كما تنقّي حبّات الزؤان من البرغل (ص 112 و113) .               

وفي كلّ خطوة همّ وعذاب، كانت نبوغ "تؤرّخ" تلك الوقائع المهلكة، وحيدة، مسنوحشة، زائدة في بيت أهلها هي وطفلها "اليتيم" . كانت تسجّل بعض جوانب معاناتها على أوراق وكان أهمها:

(وجدت أنها تكتب له رسالة، أو ربما تكتب لنفسها، لا فرق: بدر لقد حوّلني السجن إلى روح، ومحا جسدي، لا يهمّ يا بدر فأنا الآن احبّك بعمق أكبر، وحرّية أعظم . لم تستطع أن تكتب سوى هذا السطر . همّت أن تمزّق الورقة، تراجعت في اللحظة الأخيرة، شاعرة أنه سيأتي زمن ما، وربما في غير هذا العالم، تكون فيه هذه الورقة أشبه بالوثيقة التي تشهد على سنوات ستعيشها متعبدة في محراب المثل العليا – ص 35) .

 

-أحلام:

يتناول القسم الثاني: "أحلام" (ص 51- 94)، سيرة تلك العلاقة التي ربطت بين نبوغ وأحلام منذ الصف الأول الإبتدائي حتى لحظتهما الحاضرة . لقد بدأت علاقتهما في الصف الأول الإبتدائي يوم سقطت أحلام الناحلة مغشيا عليها وتتقيّأ، وفزّ جميع الطلاب وانرعبوا، عدا طالبة صغيرة مقدامة هي "نبوغ" أمسكت زمام المبادرة وحشدت زملاءها لتقديم العون لأحلام . ومنذ تلك اللحظة نشأت علاقة إنسانية بين نقيضين يوحّدهما زخم العواطف القوية في أعماقهما . كانت نبوغ هادئة أميل إلى الصمت، تنصت أكثر مما تتكلم بكثير، خجولة، متأملة، تقلل من علاقاتها الإجتماعية بسبب الفقر . مات أبوها وهي طفلة لا يتجاوز عمرها خمس سنوات تاركا أربعة اطفال أصغرهم نبوغ . كانت تقدّس أمها التي تحمّلت آلاما هائلة، وعملت في بيت امرأة عجوز مشلولة نبذها أولادها، وتحملت الكثير من سلوك ابنها البكر المنفلت واللامسؤول . كانت أمّها مثلها الأعلى في الإخلاص والتفاني .. ويبدو أنها اكتسبت روح الأمومة في سلوكها منها، تلك الروح التي طبعت علاقاتها حتى مع زوجها .

أما أحلام فكانت الطفلة المدللة الوحيدة لأسرة ثرية . نكبت أمّها بوفاة أطفالها الأربعة بمرض غامض، وكانت كل حالة وفاة تسبب لها انهيارا عصبيّا . لكن أحلام جعلتها تنسى مصائبها مع الزمن لأنها كانت طفلة متفجّرة بالحياة . وكطفلة وحيدة لعائلة ثرية، ثُكلت مرارا، صارت صاحبة الجلالة نفسيا لدى أبويها . صارت عماد الأسرة، كل رغباتها أوامر . وبالرغم من أن أحلام كانت تتمنى لو تتمكن نبوغ من الإنفتاح مثلها على الناس، إلا أن نبوغ كانت – بالمقابل - تتمنى أن تحدّ أحلام من هيجان رغباتها وعلاقاتها الإجتماعية العشوائية التي تورّطها غالبا في مشاكل وإزعاجات، لكن ولا واحدة كانت تخدش خصوصية صديقتها .

ما يهمنا في سلوك أحلام هو أنها لم تستطع (أن تفهم الحب أبدا رغم عيشها حياة جامعية غنية في كلية الحقوق . ما معنى الحب؟ ما هي ماهيّته؟ كيف يولد ويستمر؟ وكيف يختصر الرجل كل النساء في شخص امرأة؟ وكيف تختصر المرأة كل الرجال في رجل؟ أسئلة تبدو بديهية لكن أحلام تقف عاجزة عن الفهم، ففي داخلها هيجان مستمر من المشاعر التوّاقة للرجل، لمطلق الرجل، هي معجبة دوما بجمهرة من الرجال، لا تستطيع تفضيل أحدهم على الآخر – ص 61) .

وتقدّم الكاتبة خلاصة نفسية لسلوك أحلام وموقفها من الحب واللذة والإرتباطات العاطفية بالرجال، بالقول:

(كان تنوّع أحاسيسها من رجل لآخر يفتن لبّها ويشعرها بسعادة عظيمة كونها في صميم المحظور . إنها تتذوّق الثمار المحرّمة التي هي ألذّ الثمار، ليس هناك نشوة أعظم من تذوّق كل المحبين .. شخصيتها الجامحة لم تكن تعرف الحدّ الوسط أبداً .. إنها تعيش على الحدود القصوى دوماً، فهي حين تحزن تتمنى الموت، وحين تفرح تحسّ بالخلود – ص 65) .

ولا نعلم من المتحدّث الآن . من هذا المحلل النفسي الذي يشخّص التركيبة النفسية لأحلام بهذا العمق الرؤيوي والإلمام الدقيق؟ 

 

مخاطر الإحساس بالقدرة الكلّية:

وقد حذّرتُ، في الكثير من الدراسات، من مخاطر إحساس الروائي بالقدرة الكلية – omnipotence، حيث يحمّل الكاتب، الذي يتحمس لعمله، شخوصه ما لا طاقة لهم عليه أحيانا من الناحية الفكرية والسلوكية . وهي من المخاطر التي ينبغي على الكاتب أن يتنبه لها دائماً . الفعل الإبداعي، وخصوصا في مجال الرواية، حيث يتحقق مجال أوسع لفعل "الخلق" والمشاعر المصاحبة له، قد ينفخ في روح الكاتب إحساساً كبيراً بالقدرة الكلية التي هي طابع تفكيرنا الطفلي السحري، والتي قد تجعله يوسّع ظلال إمكاناته المعرفية والفنّية لتجعل بعض الشخصيات تتحدث بمعرفية وثقافة الكاتب العالية وتساؤلاته الحرجة، كالحديث عن إحساس أحلام بالخلود حين تفرح، ناهيك عن التحليل التفصيلي الذي وصلت ذروته حين دخلت الروائية بنفسها منيبة ذاتها بشهادة عن التحليل النفسي، لتقول:

(.. وربّما لو خضعت [= أحلام] لتحليل نفسي دقيق، لتبيّن أن حبّها لعدّة رجال في آن، هو شكل من اشكال كرمها، فهي تريد أن توزّع عواطفها عليهم جميعا، إذ لم تكن قادرة على الإقتناع ابداً أن رجلا واحدا سيستاثر بكل ذلك الزخم العاطفي الفوّار في أعماقها، والذي يكفي قبيلة من الرجال – ص 66 و67) .

كارثة حين يتحوّل الروائي إلى "محلّل" بصورة مباشرة . هذا ليس من واجبه أبداً . من واجبه أن يتناول هذه الأمور، فهو العارف بصراعات النفس البشرية، لكن عبر سلوك الشخصية في شبكة علاقاتها وتداعياتها ومفارقات أفعالها وتحوّلات افكارها، وليس بالوصفات الطبية التشخيصية . التصوير، وليس شرح الفروض والنظريات، هو مهمة المبدع الأولى والأخيرة . حتى اليوم والنقاد المشتغلون على المنهج النفسي منهمّون بدوافع تعطّل حماسة "هملت" الثأريّة، وشلل إرادته في القصاص من عمّه قاتل أبيه . لم يذكر شكسبير اسم التحليل النفسي ولا عقدة أوديب ولا العقدة النفسية . هذا ليس شغله . شغله معضلات النفس البشرية وصراعاتها كما تصوّرها حكاية عدوان وحقد الإنسان التي لا تنتهي، والتي صور شكسبير عشرات "اللقطات" منها في مسرحياته المختلفة . وفوق ذلك، ومن الناحية العملية، فإن استنتاج الكاتبة الذي طرحته نيابة عن التحليل النفسي، كان خاطئا، حيث لا توجد في عقد التحليل النفسي "عقدة كرم" تقف وراء ارتباك سلوك أحلام، بل عقدة أب . لكن هذا الحديث طويل ولا علاقة له بالمحنة العظيمة لنبوغ، والتي تواطأ لا شعور الكاتبة على إهمالها وقتيا في هذا الفصل . أنا نفسي بردت اندفاعتي في ملاحقة نحيب نبوغ الصامت، والتهدّم المفزع لعالمها/عالمنا، قطعة فقطعة . لكن التحليل النفسي – حين يتدخل بجرأة وبلا مجاملات - قد يكون جارحاً ومُربكا ومفسدا وصادما لكل التأويلات الشخصية السطحية الجمالية أو "النفسية"، التي توصل الكاتب إليها، أحاسيسه بالقدرة الكلية وكلّية العلم . ولعل واحدا من الأسباب الكبرى لعدم انتعاش التحليل النفسي في بلادنا، بالإضافة إلى أن الكثير من المواطنين لا يمتلكون "شخصية" حقيقية يقوم المحلل بتحليلها، هو عامل "المقاومة – resistance"، المقاومة التي تتحرك في أعماقنا ضد التحليل خشية الإنكشاف والإنفضاح . لكن علينا أن نتدخل في هذا الموضع الشائك والمرتبك الذي سنكشف ابعاده خلال لحظات لإزالة أي لبس يتعلق بموقفنا تجاه الكاتبة التي تورّطت – والأدق ورّطتها مكبوتات لاشعورها ومصائده الماكرة – في تصميم هذا الفصل وتوقيته وتشكيل مضمونه وإعلان حضورها فيه .

 

المؤلف هو الحيّ الذي لا يموت:

وقبل أن ندخل ساحة التحليل الشائكة والصادمة، أودّ القول أنني أؤمن بأن المؤلف لا يموت . المؤلف هو الحي الذي لا يموت في النص . وحكاية موته هي أخدوعة بنيوية نبتت في تربة غربية سقتها فلسفة مادية ذات مرجعية كامنة في العالم (الطبيعة أو الإنسان)، العالم الذي يحوي في داخله ما يكفي لتفسيره دون الحاجة إلى اللجوء إلى أي شيء خارج النظام الطبيعي . ولهذا لابد أن تسيطر الواحدية المادية حصرا ولا مجال لأي ثنائيات مثل الله والإنسان، أو الروح والمادة، أوالجسم والنفس، أو والخير والشر (أو المؤلف والنصّ) .. إلخ . وفي هذه الواحدية المادية يتوحد الإنسان بالطبيعة بحيث يُرد كله إلى مبدأ واحد كامن في الكون، ومن ثم فإن عالمنا المادي لا يشير إلى أي شيء خارجه (مثلما لا يشير النص إلى أي شيء خارجه مؤلفا إنسانا أو ظروفا اجتماعية أو تاريخية ) . فهو عالم لا ثغرات فيه ولا مساحات ولا انقطاع ولا غائيات، تمّ إلغاء كل الثنائيات داخله .. وتم تطهيره تماما من المطلقات والقيم، وتم اختزاله إلى مستوى واحد يتساوى فيه الإنسان بالطبيعة هو مستوى القانون الطبيعي / المادي، أو الطبيعة / المادة (المطلق العلماني النهائي) . وفي مثل هذا العالم الواحدي الأملس لا يوجد مجال للوهم القائل بأن الإنسان يحوي من الأسرار ما لا يمكن الوصول إليه وأن ثمة جوانب فيه غير خاضعة لقوانين الحركة المادية .  وفي هذا الإطار تصبح المعرفة مسألة تستند إلى الحواس وحسب، ويصبح العالم الطبيعي هو المصدر الوحيد أو الأساسي للمنظومات المعرفية والأخلاقية، بل ويمكن تطبيق الصيغ الكمّية والإجراءات العقلانية الأداتية على الإنسان، كما يمكن إدارة العالم بأسره حسب هذه الصيغ . ويتحول العالم إلى واقع حسي مادي نسبي خاضع للقوانين العامة للحركة (ومن ثم قابل للقياس والتحكم الهندسي والتنميط) وإلى مادة استعمالية يمكن توظيفها وحوسلتها ) (13) .

المؤلف هو الحي الذي لا يموت، أكرّر، وأنا أقرأ ما كتبته هيفاء بيطار عن سلوك أحلام الأناني في مجال العلاقات الإجتماعية عموما، والعلاقات العاطفية بينها وبين الرجال خصوصا . ها هي [= هيفاء] تضرب مثلا مهما عن سلوك أحلام العصابي هذا والمتمثل بسمة "التعدّي"، أي التعدّي على الملكية العاطفية لشخص آخر . وهناك اشخاص نواجههم في حياتنا اليومية لا يرتاحون في واقعهم النفسي الإنفعالي إلا إذا "تعدّوا" على "الملكية" العاطفية لآخر، والآخر يكون عادة شديد القرب منهم أو ممن تربطهم به علاقة وثيقة ينبغي أن تُحترم اصولها ولا تُخترق حدودها . لكن الفرد المعصوب لا يستكمل فرحة فوزه بموضوع حبّ إلى إذا كان في دائرة علاقة مثلثة الأطراف بحيث يكون هو الطرف الأول، وموضوع الحب الذي سيصير مشتركا ودافعا للتنافس هو الطرف الثاني، في حين يكون الشريك، الصديق المغدور، هو الطرف الثالث . وفي الغالب تكون دوافع هذا السلوك مركّبة، في مقدّمتها تحليليا، والمستتر إجرائيا في ظلمات اللاشعور، هو البحث عن الأب (ما يسمّى يصورة فجّة "عقدة إلكترا"، والموضوع أوسع وأعقد ) .. والسعي المغيّب لمنافسة "قابيلية" أنثوية من أجل – وهذه طبقة عميقة من الدوافع اللاشعورية – "إنقاذ" موضوع الحب الذكوري، وهذا مقابل لم يطرحه معلم فيينا الذي اكتفى بسبب صراعات علاقاته الأوديبية ضد أبيه وتعلّقه بأمه – وفرويد أيضا مؤلف لا يموت – بعقدة الإنقاذ الأمومية .

فما الذي اقترفته أحلام؟

تقول الروائية:

(في ذلك الصيف تعرّفت أحلام إلى خطيب إبنة عمّها، صعقها ذلك الإنجذاب المذهل الذي حصل بيتها وبينه، كان يكفي أن تغادر إبنة عمّها الصالون لتحضر غرضا ما، حنى يتكهربا – هو وهي – بكهرباء لا يمكن تجاهلها فتشتبك عيونهما بنظرات تفضحهما، وتتعرّق راحتاهما، ويزيد اللعاب في جوف فميهما، فيضطران لابتلاعه، ليفضحهما صوت البلع العسير الذي يشهد على اشتهاء كل منهما للآخر، وجين ترجع الخطيبة يحدث اللحم لتلك المشاعر المحرّمة .

كانت تلك الفضائح الشعورية كما تسمّيها تذهلها، تجعلها تشك في كل القيم الأخلاقية والإجتماعية التي زرعوها في نفسها . لماذا تحدث هذه المشاعر إذاً لو لم تكن اصيلة وموجودة حقّاً في العمق؟ أيّ سرّ كبير هو النفس البشرية؟ إن المشاعر العفويّة لا يمكن أن تُقمع، إنها لا تُدجّن، ولا تقنع بقوانين أخلاقية ميّتة . ما معنى تلك الشرارات الكهربائية بينها وبين خطيب ابنة عمها إذاً؟ - ص 67 و68) .

 

كلّ محرّم مرغوب:

وأعتقد ان التعبير الدقيق هو الفضائح "اللاشعورية" وليس "الشعورية" كما ورد في النص المطبوع . فأحلام "ضحية" للاشعور بشكل ما برغم دوافعها المتعدّية . وقد جاءت تساؤلاتها – ومن ورائها الكاتبة طبعا – عن كون كلّ محرّم مرغوب،  تلقائية ومسوّغة، في حين لاحظ نفس التساؤلات والتفسير عن الموضوع نفسه، لكن بلغة العلم من "جيمس فريزر" صاحب "الغصن الذهبي"، وهو يصدمنا بتفسيره لاصالة وتلقائية دوافع السفاح بالمحارم:

(إننا لا نرى جيدا ما الذي يحيج غريزة متأصلة إلى أن تعزز بقانون. إذ ليس هناك من قانون يأمر الإنسان بالطعام والشراب أو ينهاه عن وضع يديه في النار . والناس يأكلون ويشربون ويبعدون أيديهم عن النار بصورة غريزية خوفا من العقوبات الطبيعية. وهذا الذي تحرّمه الطبيعة، وتعاقب عليه ليس بحاجة إلى ان يُعاقب بقانون. ولهذا فنحن نستطيع أن نقبل بلا تردد أن الجرائم الممنوعة بقانون هي حقا جرائم  يرتكبها بسهولة كثير من الناس بحكم الميل الطبيعي. ولولا وجود الميول السيئة لما وجدت الجرائم، ولولا وجود الجرائم لما كانت هناك جدوى في منعها.

وهكذا فأننا بدلا من أن نخلص من التحريم الشرعي لإتيان المحارم إلى وجود كراهية طبيعية يجب علينا بالعكس، أن نخلص إلى الاعتراف بوجود غريزة طبيعية تدفع إلى إتيان المحارم . ولئن كان القانون يحرّم هذه الغريزة ككثير من الغرائز الطبيعية الأخرى، فذلك لأن الناس المتمدنين شعروا بأن إرواء  هذه الغرائز الطبيعية أمر موذٍ من وجهة النظر الاجتماعية) .    

ولكن الآن سوف تتقدّم المبدعة خطوة واسعة نسبيا، مرافقة لخطو أحلام على أرضية الحكاية، حين تجعل الأخيرة تحاول تأويل مشاعرها المتاججة برغم تعدّيها، فتقول:

(يجب أن نسمّي المشاعر، بالطاقات الإبداعية، فالمبدع وحده يحافظ على طزاجة مشاعره ولا يتركها تُسحق تحت صرامة القوانين الإجتماعية، التي تمسخ كل شيء حتى الحب فتؤطره ضمن أطر خانقة، الحبّ حالة إبداعية لا يحدّها عائق، يا للسخرية ! ذهبت لتبارك لابنة عمّها بالخِطبة فعادت مبلبلة بحبّ الخطيب . هو أيضا اضطرب، أحسّت كيف يتبلبل كلما نظر إليها، كيف غدت أذناه بلون الدم . وكم مرّة ابتلع ريقه منفعلاً – ص 68) .

وحين نقول أن الخطوة التي خطتها الروائية واسعة، بل واسعة جدا بصورة صارت تبرز جانبا من حضورها الفكري والإنفعالي مع حضور شخصية أحلام، فليس لأن هذا الإفراط الكمّي – سيلان اللعاب في القم وبلع الريق الفاضح – مبتذل وذو طابع مراهق وحتى طفلي، بل لأن التأويل، أيضا، الذي تطرحه الكاتبة لنظرة أحلام إلى الحب والمشاعر الغرامية هو أبعد ما يكون عن طبيعة سلوك أحلام النزوي "الإستهلاكي" الأناني . لكن بالرغم من ذلك، فإن فيه مشتركات لا يمكن الإمساك بها إلّا بعد أن يكمل اللاشعور نصب مصائده، ويدفع بالمبدع إلى أن يدخل بنفسه ساحة الحدث، مزيحاً حضور أحلام، ولو وقتيا، ليفرّج عن مكبوتاته . وليس من دليل أخطر من الوصف الذي تقدّمه الروائية لتصرّف أحلام عندما عادت من بيت ابنة عمّها إلى بيتها، بعد أن نسجت خيوط شباك مؤامرتها حول خطيب الأخيرة المسكينة المخدوعة:

(في ذلك المساء وحال اختلائها، وجدت نفسها تبحث بإلحاح عن ديوان لـ "إلياس أبو شبكة"، تفتّش عن قصيدة معيّنة، تفتنها، وقفت تحبس أنفاسها تقرأ بهيجان وبأنفاس متسارعة الأبيات الخالدة:

مغناكِ ملتهبٌ وكأسكِ مترعه

فاسقي اباكِ الخمر واضطجعي معه

قومي ادخلي يا بنت لوط على الخنى

وازني فإن أباك مهّد مضجعه

إن ترجعي دمك الشهي لنبعه

كم جدول في الأرض راجع منبعه – ص 68) .

لم تعد أحلام إلى نصّ شعري يحافظ على طزاجة مشاعر الحب الإبداعية، بل عادت – و يا للغرابة الصادمة ظاهريّاً – إلى نصّ شهير عن سفاح المحارم لإلياس أبي شبكة، هو قصيدة "سدوم" من ديوانه "أفاعي الفردوس" . وقد قفزت أحلام البيت الثاني من القصيدة، وأهملته، لتختار الأبيات الثلاثة: الأول والثالث والرابع . البيت الثاني يقول:

لم تبقِ في شفتيكِ لذّات الدما

ما تذكرين به حليب المُرضعه

وهو بيت يذكّر بقرينة قد تمثّل ردعا للسلوك الآثم من خلال التذكير بأن الإمرأة المخاطبة هي إبنة امرأة أرضعتها هي أمّها، وهي زوجة الموضوع الجنسي المقصود الذي هو أبوها . لقصيدة مؤسسة على واحدة من ترّهات العهد القديم التي لعبت بها وصممتها رغبات اللاشعور ومرّرتها أمام أعيننا تحت اشدّ أغطية النصوص الدينية تزمّتا .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2505 المصادف: 2013-07-15 11:23:42