المثقف - قراءات نقدية

قراءة في قصيدة: شمس رمضان للشاعرة سحر سامي الجنابي

الشاعرة العراقية (سحر سامي الجنابي)، شاعرة متميزة في شعرها الوجداني الذي ينبض بالمشاعر الانسانية، قصيدتها (شمس رمضان) هي احدى قصائد ديوانها (ضفاف ملونة)، وبمناسبة حلول شهر رمضان المبارك ننقل القارئ الى أجواء هذه القصيدة الجميلة:

رمضان  شمس  للحقيقة     تلمعُ             كم  بدعة  عن  ديننا  هو   يدفع

شيخ  الشهور  يلمّها تحت   اللوا             للمسلمين  كذا  لواؤه        يجمع           

شنّ الوغى من دون سيف  اوقنا             ولبيرق المختار كفه         ترفع

هو بيعة للدين  في ظمأ     وفي             جوع  وتقوى والجوارح      تتبع

في داره ظلّ    السكينة    وارف             والشرّ   عنها  راحل    متصدع

ومحطة للعام   فيها        راحة             من  جري عمر في قطار  يسرع

رمضان شمس لا تعيّرُ    أنجما              لمّا  تراءت  من ضيائه     تلمع

وصفت الشاعرة شهر رمضان المبارك بالشمس، والشمس فيها نور ودفئ وحياة وهذا وصف جميل، (رمضان شمس) تكشف الحقائق الاسلامية الناصعة، بعيدا عن التزوير والبدع والخرافات، التي تنسب الى الدين باطلا، كذلك وصفت الشاعرة رمضان وصفا جميلا اخر، عندما قالت (شيخ الشهور)، اذ استعارت لفظ (شيخ) ونسبتها الى رمضان وفيها دلالة على جمع الكلمة وتوحيد الصفوف، لأن مهمة شيخ العشيرة هو ان يجمع كلمة ابناء عشيرته ويوحدهم بعيدا عن الخلافات، كذا رمضان يوحد المسلمين جميعا بمختلف مذاهبهم، ومن الاوصاف الجميلة الاخرى التي وصفت فيها الشاعرة رمضان، بالمحارب الذي يدخل ساحة الوغى من غير سيف او رمح، يدخل ساحة الوغى لا ليقتل، بل ليهدي ويساعد ويقوّم، وهذه رسالة المختار محمد رسول الانسانية (ص)، الدعوة الى الله من غير عنف او اكراه رمضان المبارك يهذب النفوس ويربيها، ويدفع بها لتتخلص من الدرن من خلال مخاطبة العقل والقلب، وهذا هو الاسلام  الحقيقي الذي يريد تزييفه ادعياء الدين السلفي التكفيري، عندما يطرحون الاسلام دمويا ارهابيا تلبية لرغبات اسيادهم من امريكان وصهاينة، الشاعرة اجادت عندما قالت عن رمضان (هو بيعة للدين ...)  فالصائم لله يترك كل ما يتقاطع مع الدين، يبايع الله بعد ان يتخلص مما يمت الى الدنيا بصلة، من أكل او شرب ضمن مسافة زمنية محددة، وترك السلبيات التي نقع فيها استجابة لرغبات الجوارح اوالعواطف والشهوات، حينئذ يكون الصائم في حالة تقوى فعلية، وهل يوجد افضل من ان يبايع المسلم الله ونبي الرحمة والمحبة والسلام وهو صائم متقي؟

جميع الاوصاف التي نسبتها الشاعرة المبدعة (سحر الجنابي) جميلة وتعبر عن مكرمات وفضائل الشهر المبارك، تخيلت الشاعرة رمضان كائنا حيا يهب الخير لجميع المسلمين، ففي داره يشعر الصائم بالهدوء والاطمئنان والسكينة، والشر منهزم، اذ لا مكان له بوجود رمضان، هناك تشبيه رائع عندما وصفت الانسان كأنه راكب في قطار سريع يريد الوصول الى نهاية الطريق، ونهايته طبعا ان يودع الانسان الدنيا ويرحل، لكن رمضان محطة للاستراحة، ومراجعة للنفس من اجل الاستعداد لنهاية الرحلة الحتمية، تعود الشاعرة لتصف رمضان وصفا يغطي جميع الاوصاف السابقة، أنه شمس تمنح الضياء الى الانجم، ضياء من غير منّة، وهل يوجد عطاء فوق هذا العطاء، انه شهر الخير والفضائل من يستثمر وجود هذا الشهر المبارك فهو الفائز، جعلنا الله تعالى من الفائزين بفضائل الشهر الكريم .

قبل الانتقال الى المقطع الآخرمن القصيدة، احب التنبيه الى بعض الملاحظات  منها املائية واظنها مطبعية او جاءت سهوا، كلمة (كذا لوائه والصحيح كذا لواؤه) في البيت الثاني، وكلمة (من ضياءه والصحيح من ضيائه) في البيت السابع،تستمر الشاعرة المبدعة (سحر) في الحديث عن رمضان في ابيات رائعة وجميلة وتقول استكمالا للقصيدة :

للفضل والاحسان نرشف  والهدى           عند   الفطور  ودادنا    بها   ينقع

ومعلّم    للصبر   ليس     كدرسه            درس كما  في العطف ايضا يبرع

والقدرُ  خال  في  محيّا       أبلج            كل الملائك   من  بهائه      تخشع

وبحدّه    يجتث    كل       خبيثة            من جذرها  والحدّ   ماض     يقلع

ويقول  للنفس التي  قد      لوثت            لا تيأسي ... أحكي   فأني    أسمع

فالأنفس الحيرى   تلوذ     بقبتي            كم لاذ فيها  تائه    ..        متوجع

وتيممت في روضتي من  طيب            في حجرتي باتت   تصوم  وتركع

كي تهتدي تأوي الأنام   لواحتي            ماء  التقى  يروي   وزاد      ينفع

تستمر الشاعرة في عدّ نفائس رمضان، نتعلم منه الفضل والاحسان، والحب منه نأخذ، نتعلم منه دورسا في الصبر والعطف، وليلة القدر التي هي خير من الف شهر، منها نغرف الخير والرحمة والعفو، تشبيه رائع تصف فيه الشاعرة ليلة القدر ما اجمل الوجه الابيض ، الناصع البياض وفيه خال جاذبة جميلة تشد العيون اليها هذا الوجه الساطع ذو الخال الجميل تخشع الملائكة لبهائه، أنه وجه رمضان، فكيف بنا نحن البشر، فرصتنا للاستفادة والاستمتاع بهذا الوجه الابيض المشع بالنور والخال فيه (ليلة القدر) قوة جذب للنور والايمان، تلك الليلة التي تشع بانوارها الى عنان السماء .

احسنت شاعرتنا بهذه الاوصاف الجميلة، لشهر رمضان وليلة القدر، هذا الشهر المبارك الذي تُقلع وتُقطع فيه كل الخبائث من جذورها، ليعود الانسان صفحة بيضاء امام ربه وخالقه .

 بعد هذه الاجواء الجميلة التي تتحدث فيها الشاعرة (سحر) عن رمضان، تنقلنا الى اجواء اخرى، فيها تشويق ودفع للمترددين الذين يتهيبون دخول فضاءات رمضان الخير، بدأ رمضان هو من يتكلم ويدعو الناس الى رحمته، دعى النفوس الملوثة بعدم اليأس، بسط بساطه ليسمع حكايات هذه النفوس بكل رأفة ورحمة يطمئن النفوس المضطربة الحيرانة بأن تلوذ الى قبته، ففيها الرحمة والعفو والمغفرة  وبعد ان تتشبع بعطر رمضان تتجه لخالقها (تصوم وتركع)، هذه النفوس تطلب الهداية من رمضان لذا نراها تلتجئ وتأوي الى واحته (تأوي الأنام لواحتي) طلبا للتقوى وللتزود بزاد الاخرة، التفاتة جميلة ورائعة من الشاعرة أذ جعلت رمضان هو من يتكلم بحنان وعطف ورحمة في الابيات الاربعة الأخيرة، نتمنى لشاعرة بابل المزيد من التألق وندعو لها بالموفقية، واهالي السدة يفتخرون بشاعرتهم المبدعة .

علي جابر الفتلاوي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2507 المصادف: 2013-07-17 01:11:12