المثقف - قراءات نقدية

الرواية الزرقاء .. بنات يعقوب لمحمود سعيد (1-2)

faroq ohanتوطئة: كثير ما يتحاور النقاد العرب .. حول ماهية النقد .. وأصوله .. وما الطرق الناجعة في تناول الأعمال الإبداعية .. بعضهم يتخذ أسلوبه في الترفع والتقوقع على مسطرة نقدية، سادة في الغرب لفترة .. وجاءت غيرها لتحتل مكانها حسب الحتمية التاريخية، فأصبحت من الطرق البائدة لأن الجديد احتل مكانها بالتقادم .. بينما بقي من تبعها من النقاد العرب يمارسها، وكأنها ميثاق عهد أزلي .. بعض هؤلاء النقاد ما أن يتعرفون على مسطرة يلتصقون بها مثل البُزاق .. ويتبنونها وكأنهم ورثوها لوحدهم؛ وهم مثل الكثير ممن انساقوا قبلهم بنقل؛ تجارب لغير بيئتهم، وصاروا ينفرون من كل ما له علاقة بما حمله أسلافهم، وطوروه في نظريات .. لو نظر هؤلاء إلى تلك التجارب العربية الباهرة بعين ثاقبة لوجودها معاصرة من جهة، وأن ما نقله الناقد عن الغرب لا يعدو عن نسخ مشوهة من تراثنا العتيد، ومع هذا فليس كلامنا إنقاصاً من أصحاب النظريات الغربية المعروفة في النقد .. ولكن لمن أتخذوها كمسطرة جامدة .. وتحنطوا حولها .. فهذا يحكي التفكيكية، وذلك عن البناء والتركيب؛ وغيره هذه وتلك .. وكأنه مبتدعها .. ونحن هنا لا ندعي التجرد .. أو عدم التأثر؛ أو العمل على إحداها ومعها؛ ولكن لفترة وجيزة .. بل إننا في كل مرة نطرق أبواباً جديدة، من خلال إيماننا بالتجريب؛ وأن لا شيء مستقر وثابت في هذا الكون .. وعلينا أن نبحث أسوة بما يقوم به المبدع في عمله .. ولقد حاولنا في مرات عديدة أن نتمرد على الموجود .. وندع العمل الفني هو الذي يجذبنا بطريقة ما إليه .. فقد كانت لدينا محالات مع أعمال سعد الله ونوس المسرحية .. أثمرت إلى دراسات نقدية عن مسرحياته .. فقد انطلقنا وقتها من مبدأ النقد المتكرر .. أي صياغة نقدية في أكثر من رؤية، وقراءة للعمل الإبداعي ذاته ..

أما الآن ومع رواية بنات يعقوب فقد اكتشفنا مبدأ قد يبدو جديداً لدينا؛ ولربما لغيرنا، ولا نجزم بأنها التجربة الرائدة، ولربما مارسها غيرنا من قبل .. ولكننا نود هنا أن نضعها في صياغة عملية .. وكتسمية نطلق عليها (طريقة فوهان في استرداد النص) .. أو الطريقة الاستردادية في النقد .. بمعنى آخر استرجاعات مع ذاكرة المؤلف؛ ومن خلالها .. ولكن بافتراضات يضعها الناقد، بل ويبتكرها .. وقد يحصل هذا الاسترجاع منذ القراءة الأولى، أو فيما بعدها .. وبفعل الاندهاش الأولي .. أي فعل التعرف على ثنايا النص بدهشة .. وكأن المؤلف قد جاس أعماقنا كقراء قبل أن نكون نقاداً .. على أن فعل الاندهاش هذا يبدأ منذ القراءة الأولى .. أو الأولية للعمل الإبداعي، تماماً مثلما يحصل لدى الممثل عند قراءته الدور لأول مرة .. وهذه القراءة الأولى بما تتركه من اندهاش هي القراءة الإبداعية الهامة لكل من الناقد والقارئ العادي على حد سواء .. وبمستويات مختلفة بالطبع؛ وعيناها أم لم ندرك أبعادها .. ولكنها تبقى هي اللفتة المؤثرة في الذاكرة.

بعدها يبدأ لدى الناقد فعل افتراض خلفية للعالم الذي بناه المؤلف في روايته، وعلى مختلف الأصعدة .. مثلما يفعل الممثل في بناء خلفية للشخصية التي سيمثلها كدور .. فيسير من خلالها إلى المخفي من الأحداث فيحللها .. وإلى سير الشخصيات المرافقة فتعرف عليها .. ويملأ ماصيها بأحداث افتراضية ربما يهى المؤلف عنها .. أو ضمنها متن النص، وفي ثناياه .. ومن ثم يتعلق الناقد بفعل الماضي فيسير معه، ويبني عليه تحليلاتها .. منطلقاً إلى بوابات الحاضر فيستجلي مستحثاتها .. وبهذا يرى الناقد إلى ترابط الأحداث بالشخصيات وعلاقتها بالشخصيات الأخرى .. ويقيس فاعليتها ضمن سياق الأحداث .. تلكم هي بعض من المستويات المتاحة لـ ( نظرية فوهان النقدية في استرداد العمل الفني)، نصاً وعرضاً (وليس هنا مجال التوسع).

الاندهاش

انطباعات أولية أثناء قراءة رواية بنات يعقوب:

في تغليف شاعري، ووصف جمالي .. تستتر المؤامرة التي يبنيها المؤلف بين يعقوب، وأبنيه جاد، وآشير اللذين لم يعلما بمكائد والدهم العصابي، ولا هوسه الجنوني وهو يتقمص شخصية الموفد، والمبشر بنوايا ربه، وتفاسيره للرسائل التي يبثها إليه كما تراه نفسيته السادية، فيصف المؤلف منظر يعقوب، وهو يرين إلى الأفق في بداوة الشمس قائلاً: استدار يعقوب ناحية الشّرق. وحدّق مع أولاده ونسائه وبناته جهة الطّريق المؤدي إلى القرية. كانت الشّمس  قد استوت فوق السّهول الجرداء إلا من بعض الأشواك والنّباتات الصّفر اليابسة. ثم لاح واضحاً عن بعد جاد وأشير كنملتين سوداوين في أقصى الشّرق. يقتربان بخفة ونشاط كبيرين. عندئذ انشرحت أسارير يعقوب. دمدم بصوت مسموع: صدق الرّب. صدق يهوه  لقد جاءا. ورغم جو المؤامرة فإن المؤلف ينسج ثنايا الحكاية بحيادية .. وكأنه يقف موقف المجتمع في تلك الحالة .. فينظر إلى الحكاية من زوايا متعددة، ويتخيل المشهد بكل محيطه .. وينطلق ليضع غلائله الشفافة حول المشاهد .. لكي لا تفوح رائحة المؤامرة إلا من فم العراف العصابي يعقوب: أجاب جاد: لم يكن للقرية منفذ إلا من الجنوب. في الشّمال صخور وعرة لا يمكن تجاوزها. وصدف أننا ما إن وصلنا حتى بدأ النّاس يقبلون من القرية نحو الجهة التّي كنا مختفين فيها. يبدو أن هناك احتفال ما هذا اليوم فقد خرج جميع الرّجال متجهين ناحية الغرب. بينما خرجت النّساء نحو الجنوب وبأيديهن الزّنابيل ليحوين الأعناب والتّين والمشمش. أصبحنا كالسّجناء في مخابئنا لم نستطيع أن نتحرك إلا بعد أن رجعت النّسوة. لكنا استطعنا إحصاء عدد البيوت. ولتمرير حكايات الشتات في حياة العبرانيين؛ وهي سيرة تأريخية من ثنايا التوراة حول العبرانيين الرحل .. الذين حينما يستقرون لفترة وحيثما يقرون لمكان ما، وقبل أي فعل عدائي يزاولونه، يدعون المسكنة، والضغف، وعليهم أن يطلبوا حماية من هو مستقر في المنطقة .. أو طلب الأذن منهم لاستضافتهم ومواشيهم لفترة حتى يرحلوا .. وما أن يطمأنوا للحالة، ينقلبون إلى الد، ويكشفون عن مؤامراتهم التي يسوغون لها أوامر ربهم الواردة على لسان عرافيهم، وهنا هو يعقوب لا غيره؛ ولكون المؤلف مهتم بتوصيفات لها علاقة بالحالة المظهرية، ولتبريز أهمية مظهر الغريب أمام من يستضيفه، فإنه يستجلب أمور تتعلق بما يتفق عليه الحال من تسويغات بين المستور والمعلن ..: حملت ليئة كلّ ما يملكون من ذهب وفضة وبخور في صرة حريرية وسارت إلى جانب يعقوب ووراءهما راوبين ونفتالي متوجهين إلى القرية. كانت تسير بثقة وابتسامة عريضة تجلل ملامحها الوضئية. فبالرغم من مقارعتها الخمسين، إلا أنها تبدو ريانة جميلة وبخاصة عندما تضع الكحل في عينيها، وتصبغ شفتيها بقشور الرمان المنقوعة، فتبدو شفتاها مزرقتين دكناوين مثيرتين. وترتدي الحرير الأحمر الخفيف المطعم بخيوط الفضة. وتعتمر عصابة من الحرير الأحمر أيضاً مورداً بورود صفر. ومطعماً بقطع فضة تتدلى على جبهتها. بينما تنزل ضفيرتان يختلط سوادهما بقليل من الشّعر الأبيض على صدرها المليء. رمقها يعقوب بنظرة من زاوية عينيه فيها ظل من رغبة محروقة، فأشاحت بوجهها عنه، ثم تسمرت نظراتها فيما بدا من أبنية القرية.  كان الوقت في بداية الصّيف. الشّمس شديدة الحرارة. فأبطأ الجميع في سيرهم كي لا يتعرقوا فينتهي مفعول العطر الذّي سكبوه على أجسادهم، ويؤثر على رائحتهم. وحينما صعدوا شبه الهضبة الصّغيرة. ولتبريز عادات الضيافة العشائرية .. وحقوق الضيف على مضيفه من جهة .. ومهارة الضيف في استمالة المستضيف لها أصول يبحر فيها المؤلف، فيلونها بطقوس حكايته؛ التي ورث الكثير منها من مجتمعات البداوة التي ما تزال باقية في قبائل، وعشائر العراق، وبخاصة في الموصل المحافظة، وبعض من سكنة المدينة ذاتها: عانق حـمّور يعقوباً وولديه ثم أفسح لهم مكاناً في المجلس. بينما سارت ليئة نحو بيت الحريم. بعدئذ قُدّم لهم عصير العنب. الجعة. الفاكهة. بدا حـمّور شديد التّهذيب. لم يسأل ضيفه أيّ سؤال محرج. أحسّ يعقوب أنه سيقع في فخّ إن لم يصارحه. كان عليه أن يطمئنه إلى حسن نيته. أن يختار كلّماته بعناية كي يبقى على ثقته كاملة. أي كلمة غير مدروسة يمكن أن تؤدي إلى كشف الخطة. وتقلبها إلى وبال. بادر إلى القول أنه في طريقه إلى فلسّطين. وأنه لن يبقى هنا سوى بضعة أيام فقط. من أسبوع إلى عشرة أيام لا أكثر. ولا يريد أن يحرج أياً كان. وهو مستعدّ لدفع أجرة الأرض التّي سيقيمون فيها قريباً منهم. أما إن لم يوافقوا على إقامته فليس عنده أيّ مانع أن يترك القرية، في الحال، ويستمر بالسّير إلى غايته. أو أن يبعد معسكره مسافة يرضونها في أيّ اتجاه. ولكي يبرز المؤلف الفوارق بين الطباع، والتقاليد الأصيلة، أو أعراف القبائل المتعايشة، والتي تؤمن بالصدق، وتحقق العراف للمستجير من غير نوايا مبطنة يكون في المقابل جواب حمّور بيعقوب بأكثر حنكة .. وأوسع معرفة وإدراك .. فهو لكون صادق لا بنوي الشر إلا جهاراً، وبما يمس التقاليد، على غير ما نرى إلى المخفي في بواطن حوارات يعقوب الملغمة التي استطاع المؤلف أن يحملها بعدها التاريخي لأمة لا ترتاح إلا بسفك الدماء، وشربها من أعناق الضحايا.

 

الدهشة ليست بعيدة عن الشخصيات

فمنذاللحظة الأولى لدخول دينة، وشمة، وبسمة قرية حمّور انشغل بالهن .. وتعلق بأهم أمر افتقدنه طوال عمرهن .. وهو الاستقرار .. من غير ترحال  وممارسة طقوس موسمية يمرح فيها الشباب .. ويخالط بعضهم البعض في حب وانسجام .. يستضيفون جيرانهم من القرى المجاورة .. قرى وادعة تعيش الأمان في حدودها .. ومحيطها .. ويعرف أهلها جغرافيته، يحسون بمكارم بعضهم للآخر ضمن معايير تعايشوا عليها، ومعها: رجعن وكأنهن يسرن على غيوم تحملهن بعيداً عن الأرض. وبالضّحكات المتبادلة بينهن أحسسن أنهن يحملن رغبات مماثلة لهؤلاء الشّباب المهذبين الوسيمين شديدي اللطف.

الخلوة تلك الدنيا الخيالية التي اقترحها المؤلف تنسجم، وروحية العشاق من رقابة التقاليد، وظلم النميمة من جهة .. خلوة كبساتين الشوق سحرية وليست بمسحورة .. غابات شكبيرية مثل تلك في حلم ليلة صيف حيث يهيم العشاق فيها، وكهوف خيالية ملجأ للهاربين من جور الطغيان .. وخبث الحكام، وانتقام الغواة؛ الخلوة ربما هي جنات العشاق، ومحبو السلم، ومن يريد العيش بأمان لا يكون هنا غير الحب فلا عدو، وعداوة .. حتى الطبيعة تراها غنية بعطائها، أشجارها مزهرة مثمرة دوماً، وطيورها تغرد أناشيد الحب دون ملل: تأسر الخلوة بجمالها وتداخل أغصانها لبّ كلّ من يراها. فمن يصلها يحسّ بتغير الجو. لن يصل ضوء الشّمس إليها إلا في الظهيرة بعض الوقت، وعلى شكل بقع صغيرة دائرية متناثرة تضرب الأرض بشعاع خفيف يتغير باستمرار. ثم يعم الهدوء والظل ما تبقى من اليوم. أحسّت دينة وأخواتها فجأة بجو معتدل الحرارة. ذهلن. زقزقة العصافير تملأ الفضاء بتغريدها المستمر لا ينافسها في ذلك سوى حفيف أوراق الأشجار. وأصوات الصّراصير الصّداحة. بينما يعبق المكان برائحة النّباتات المختلفة. وبين دقيقة وأخرى يحط عصفور أو طائر أو هدهد صغير يتهادى بحيوية على الأرض .. ويرجع إلى فننه. همست دينة: خلوة أم جنة؟ ابتسم شكيم: كلّاهما. قالت بسمة: أتمنى لو أعيش هنا مدى الدّهر.

ربما يكون استحضار شخصية الليمو نمو في تلك الأوقات لدى عشيرته، وأهله، تسويغ لرحلة تقوم بها النبات الثلاث إلى بابل، ونمو هو المهندس المقرب للملك نبوخذ نصر، ومتخصص في مشاريع عملاقة منها المشاريع الإروائية؛ فقد عاد لكي يوفر الاستقرار لعشيرته فابتكرها لها ما يوفر الهدوء والدعة، ليكون من مميزات الاستقرار، فبقدر ما تعطي الطبيعة للبشر، وبقدر ما يأخذ منها، فعليه أن يعطيها لتنقله لمرحلة جديدة من عطائها، لهذا أقام الليمو نمو مشروع البحيرة "بحيرة الغرام" لقرية حمّور، فظل هنا ثلاثة أشهر ليعمل على استحداث بحيرة اصطناعية "سنرى أخرى يحققها في بابل فيما بعد، ربما كانت هذه البحيرة محاولة تجريبية لمشاريع أكبر"، وهنا في هذه الفترة يتعرف نمو على دينة، وشمة وبسمة كزوجات لأولاد قريبه حمّور، وهم "شكيم، وأتيل، وإيشاكو" أما المشروع فهو مثالي، ويدخل المؤلف في تفاصيل تنفيذ مشروع البحيرة وكأنه هومهندس الري الماهر؛ بكل تفاصيل التقنية؛ وطريقة تنفيذ المخطط الهندسي على أرض الواقع .. ولما يحتاج العمل لأيدي عاملة .. يستعين المهندس بالعبيد الذي انحدرو لهذه الطبقة من جور القروض، وعلو الفائدة على الربا، باعتقادنا أن وحود نمو هنا في هذه الفترة بالذات هو تسويغ للانتقال البنات "اثنتان منهن .. دينة وشمة " إليها في ظروف صاغها المؤلف بنسيج واقعي، ومبررات يستوجبها لقرار الرحيل عبر مسافات طويلة، ومخاطر لا تحصى، ومغامرات لا يقوى على وصفها غير المتأني في صناعة الموقف، والدوران حوله من كل زاوية، والغور بأحداثه في أكثر من بعد .. لهذا نرى إلى الليمو نمو الذي يستبطن الأمور، ويتوجس من المستقبل أن يقوم بدعوة أقرباءه الشبان الثلاثة شكيم، وأتيل، وإيشاكو، وزوجاتهم دينة، وشمة وبسمة، وكل من يرغب من أهله إلى بابل، ربما لكي ينقلهم من بداوتهم إلى المجتمع المدني بكل أبعاده: قال الليمونمو: إنك تمزح. -لا أمزح. هذه زوجاتنا. دينة زوجتي. شمّة زوجة أتيل. بسمة زوجة إيشاكو. حدّق الليمونمو بهن: نعم الاختيار كلّهن حسناوات. إن أتيتم بهن فسترون في بابل كلّ ما تمنون في متناول أيديكم. السّكن. المتعة. كل شيء. قالت دينة: لكني سأكرس وقتي في دراسة الطّب. هزّ الليمونمو رأسه: لك ذلك. وقالت شمة: وأنا سأدرس النّحت.

أما على الجانب الثاني، فهناك نيران لا تنطفئ .. من الغل، والكراهية، وحب سفك الدماء .. الانتقام من البشر، وتشكيل عالم خاص من النموذج الأمثل المختار في نظر رب يعقوب السادي، بشر لم تلوث دمائهم، ولا جيناتهم بأي مخلوق آخر من غير سلالتهم، لهذا ومهما فعل أبناءه، وأحفاده في نسائه، فإنهم في الوقت الذي يستمتعون، ويمتعون يحافظون على النوع .. أما الزواج من الغريب والاختلاط به فخطيئة لا تغتفر .. فإذا ما جازف أولا حمور بالزوج من بناته .. فإنهم قد كتبوا على أنقسهم الموت المحقق، ورغم زغاريد وهلاهل نسوة يعقوب لزفاف النبات .. لكن مخطط عملية سفح دماء أهالي حمّور حتمية، وها قد جاءت هذه الزيجة لتخترق كل المخططات؛ قبل أوانها من جهة، ولتسرع في القرار، والبت في مصير قرية حمور بكاملها .. فما العمل ومن أين البداية: سأل شكيم: كم ولداً عندك يا يعقوب؟ أجاب يعقوب: اثنا عشر ولداً. - لقد وهبت لك ولكلّ ولد من أولادك فرساً. فضج الجميع بالتّصفيق. هتف جاد: هكذا يكون الكرم وإلا فلا. نهض حـمّور فأمسك به يعقوب: إلى أين. سنتعشى هنا. - هي معنا جميعاً، لقد أعددنا كلّ شيء قرب البحيرة. ذبحنا عشرة خراف. وهو يشوون الآن لحمها. وأعددنا شراباً يكفي للجميع. سنشرب ونرقص هذه اللّيلة. ونحتفل جميعاً حتى الصّباح. هيا. ثم أمسك بيد يعقوب. وسحبه. فتوسل به هذا: أرجوك أنا قادم بعد دقائق. دعني اقضي حاجة. - خذ وقتك. رجع حـمّور وأولاده ومن جاء معه. بينما سارت الفتيات الثّلاث وهن يعانقن أزواجهن ويتبادلن القبل معهن أمام الكلّ. ليهتموا به. شدها إلى صدره. قبلها في جبينها: أوافقك. عين الجنون. ومع هذا الجنون كان هناك جنون الحب .. وعبثية الجنس: همست دينة: أبي مجنون. ما قيمة تلك الجلدة الصّغيرة -أ منعتنا من الاتصال؟ -لا. - أ رأيت كيف كنت أداعبها في فمي. أجرها بأسناني كالمطاط ثم أتركها فتحدث صوتاً غريباً. وعلى المؤلف أن يصيغ للموقف جمله المسرودة، والمتوافقة مع ثقافة تلك الأجيال .. بمعنى أن يصوغ عبارات تتناسب والعقلية التي كانت أيام أحداث الرواية .. تتماشى وسياق الأحداث، وأجوائها التاريخية والبيئية .. لهذا فإن القارئ ينتقل بكل كيانه مع توريات المؤلف، وخفايا السطور، وكأنه ينتقل من عالم وجيل؛ إلى آخر، ومن جغرافية إلى أخرى .. ولا يكتفي المؤلف بتخصيب ذهن القارئ بالمواقف فحسب، وإنما يغمره بغزارة الصور العميقة حتى في الروى الغيبية للطبيعة والبيئة تأثيراتها، وجمالياتها في نسج الأطار العام للجو، ولسوف يبهرنا المؤلف في رؤية يعقوب، فتتداعى لدينا من خلالها الحكاية التحيتية .. والآجواء المأسورة بعصاب مزمن لمن يعتقده الناس نبياً، وما يزالون مبهورين بمجرم من سلالة تعتقد بالماوراء، وتوهم الناس بأن هناك أوامر عليا قد وردته، وهي لا تعدو عن هلوسات مأفون .. وتصورات مفصوم .. مغلفة بما يتصوره العامة بأنها أنواع من التقديس خصوصاً لو صاحبتها دعوة لتقديم الأضاحي: ابتسم يعقوب، أغمض عينيه. روابين طفل. يبقى طفلاً مهما كبر. كيف يغيّر الخطة؟ لا يعلم كلّ شيء. متى حدث ذلك الحلم؟ ربما كان في الخامسة عشرة عندما كاد قرص الشّمس أن يعميه. أغمض عينيه. لكنه سمع صوتاً قوياً: افتح عينيك. أنا الرّب. أنا يهوه  ستراني. تضرّع: لكن من أين لي أن أتحمل هذا النّور؟ ستتحمله. افتح عينيك. فتح عينيه. بدا كلّ شيء يذوب في الضّوء حتى ليصبح جزءاً منه: وما دام هناك هاجس لمريض متعطش للدم .. فإن خيالاته تصور له، أو هكذا سيدعي للآخرين، ومنهم أبنائه بأن كل ما يقدم على فعله ليس إلا لتنفيذ أوامر المعبود يهوا .. ولربما يكون هو الصحيح .. وإن كل ما نفعله ليس إلا لصالح البشرية .. وأبناء شعبنا: سر أينما أدلك؟ وحينما ستصل الخمسين سترى عشرات القرى أمامك فلا تبقِ منها شيئاً. وسيفعل مثل هذا خلفك كما فعل سلفك وعندما ترى قرية حـمّور اقضِ عليها كما فعل أبوك وجدك من قبل لأجل شعبك المشرد. سر في خطاك. وستكون علامة نبوتك أنه سيكون لك اثني عشر ولداً. وأنك ستنتصر دائماً. فاقضِ على أعدائي. ونظّف الأرض منهم لتبقى لكم وحدكم. 

في ذات الوقت لا يتورع يعقوب .. عن أن يغذي أولاده بالخيانة، وحتى جوس محارم العائلة .. وهو يسمع ويرى إلى أولاده يدنسون فراشه مع زوجاته الثلاث .. فرابين مع راحيل، وزلفة مع ولاوي ويهوذا .. وبلهة مع وشمعون .. وهو ينطلق من نظرية نقاء العرق، وعدم تلوثه، وليفعل الأبناء بالأمهات، والخوال ببنات أخواتهم، وأبناء الأب بزوجاته ما يشاؤون ماداموا ضمن الأمة: شعاع المصباح البعيد يكشف وجهها الأسمر الرائع الصافي وعينيها الشهلاوين الواسعتين الحوراوين الفاتنتين، كانت في أوج جمالها، في نحو الخامسة والثلاثين، وكان صدرها عامراً بكنزيه الممتلئين. كان يتكلّم معها وهو يقبلها ويده تعبث في صدرها. أحس بها تموع بين يديه، كادت تسقط على الأرض. تداركها. حملها بين يديه وهي مستسلمة من دون أن تتكلّم كلمة واحدة. لكنها انتفضت على حين غرّة، تخلصت منه. وقفت على رجليها، نبرت بغضب: لا. لا. سأصرخ أن لمستني. مد يده برجاء عميق ليلمس وجهها، دماؤه ساخنة، قلبه ينبض بسرعة، يهتز لفرط الإثارة، وإذ شد على كتفها ليسحبها نحوه فاجأته بضربة قوية سقطت على عينه اليسرى، أحسّ بعمى فظيع مصحوب بألم شديد، طفقت عينه تدمع بغزارة، هتفت: انسحب وإلا أصرخ. 

وراوبين هذا من تآمر على بيع أخوه يوسف للتجار .. والحكاية هنا متغيرة في رؤية المؤلف، لتنقلب بتصوره التفسيري، ولربما المرجعي الاجتهادي .. لقصة قلبها بتغير رحلة التجار من الغرب إلى الشرق .. فبدلاً عن زحف قافلة التجار إلى مصر .. يكون طريقها إلى بابل في الشرق .. ربما لكي يبرر المؤلف دوافع عامة لم يقلها .. ونحن هنا نود توضيحها .. فعلى الرغم من أن التوراة تذكر بأن إبراهيم كان عبرياً .. وهذا خطأ تاريخي وجغرافي، وعقائدي .. فإن الموحدين لم يكونوا فقط من العبرانيين بل من الكلدان .. وإبراهيم كان نفسه ابن كاهن كلداني قبل السبي البابلي بقرون .. وهكذا هاجر شمالاً إلى حران .. وهو يعتقد أنها تميل شرقاً لا شمالها، ومنها نزل إلى فلسطين .. وتشكلت أسرته .. ومنها ابنيه إسماعيل؛ واسحق بالرؤية التوراتية التي تأثرت بها الكتب الأخرى .. صار هناك شعب عبراني: هو قلب لكلمة عارب .. وكلاهما تعنيان العابر أي الذي لا يستقر في منطقة؛ فهو بدوي، وراعي يتبع الكلأ، ويسعى لمراعي خضراء .. وبهذا نسقط مع المؤلف أسطورة أن العبرانيين أحفاد الأنبياء .. لو كانوا فعلاً أنبياء .. لأنهم ليسوا أكثر من عرافين، ومفسري أحلام كما سنرى في شخصية دانيال في الرواية نفسها، لهذا فراوبين مجرم بعزمه لقتل اخيه، وسارق لأنه باع أخيه من غير أن يعلم أباه، بالمكيدة؛ ربما أن الابن شبيه أبيه، ويبزه في الجرم: فكّر راوبين فيما قالته له راحيل "الزّواج " نعم حان الوقت. بعد إنهاء المهمة لن يبقَ سوى الزّواج . لو قبلت أخت شكيم الكبرى غير المتزوجة، أن ترقص معه لطلبها للزواج. أو لجعل منها جارية له بعد التخلص من ذويها. لكنها كانت تصدّه كلّ مرّة يقترب منها وفي عينيها احتقار عميق. لماذا؟ أ لأنه قبيح؟ ربما. لا يوجد أقبح من هذا الأنف الكبير الذّي أورثه يعقوب لهم. إنه لعنة أبدية تشوه وجوههم. كيف يتخلصون منها؟ الزّواج وحده يخلصهم منها. تطيع المرأة زوجها مهما كان شكله، حتى لو كان تؤام القرد.

إن التحضير لصراع عبراني عُصابي غادر ضد البشرية، هو فعل من أفعال شيطانية سكنت يعقوب .. لم تغادره .. حتى ولو نال مبتغاه كله .. أليس هو من خدع والده باستحقاق التوريث بدلاً عن عيسو الابن البكر بالتآمر مع أمه .. فبذور الشر كامنة فيه كسوسة لا يني تنفيذ الواحدة تلو الآخرى: قرفص يعقوب قرب حشية روابين وهو غارق في سباته، هزّه بقوة، فتح روابين عينيه، فوجئ بأبيه، اختلط الأمر عليه، حدّق فيه، قال بهدوء، وبوضح: هيا، جاء أمر الرب. دعنا ننهي المهمة الآن. تساءل روابين والنعاس مازال يسيطر عليه: أيّ مهمة؟ - ختان عائلة حـمّور. قضى روابين بضع ثوانٍ مشوشاً، ثم عاد إليه صفاء تفكيره: هل أخبرتهم.

وفي ميعاد البيات، فإن الجريمة النكراء لا بد أن تنفذ، فبعد أن توارى القمر بأفوله ورقاد نسائه؛ أوعز يعقوب لنفتالي أحد أبناء الاثني عشر بأن يأخذ اللحم المسموم ليرميه لكلاب قرية حمور .. وبانجاز نفتالي المهمة أخبر والده .. فتصنع يعقوب ركعته الابتهاليةً لآن المهمة الابتدائية قد انجزت بسلام؟؟؟ ثم: التهبت عينا يعقوب، ثم تقدم من حيث لا يعلم أحد آشير، حاول يعقوب أن يسيطر على كلماته كي لا يوقظ النساء: أجننتما؟ لماذا؟ -إنهم طيبون. كرماء. لأول مرّة في حياتي يهديني شخص ما حصاناً. ليس هكذا نجازيهم. الغدر بهم خزيّ. والبيات بهم جريمة لا يرضاها عاقل، لا أشترك بهذا الخزي ولا بهذه الجريمة. ولم يبق غير تنفيذ المجزرة: همس يعقوب وهو يحدّث روابين: توقف، لا أريد هابيل وقابيل مرة أخرى. دعه. أنتم قادرون على إنجاز مهمة سهلة. بشرني يهوه بالنصر. ولما هجم ثمانية من الأخوة، لامتناع جاد، وآشير، وتغيب يوسف وبنيامين: انتهوا من المهمة كما توقع يعقوب في وقت معقول. لكن ما لم يتوقعه هو ظهور مفاجئات لم تكن بالحسبان أدت إلى سقوط ضحايا. بدت المهمة سهلة أول الأمر تخلصوا من معظم رجال القرية.  .. توقف راوبين ثم انسحب ليرسم خطة جديدة. (ثم) توجه راوبين بنفسه لقتل شكيم. ووجه له ضربة قوية على عنقه. فاستيقظت دينة على صوت السّيف يصل بعظم الرّقبة. ثم بالدّم ساخناً يتدفق على وجهها. مسحت وجهها مرعوبة من دون شعور ثم فتحت عينيها بصعوبة عندئذ تبينت خطورة الموقف في ضوء القمر الشّاحب. أحست وكأنها أصيبت بالشّلل. لم تستطع الصّراخ. لم تستطع أن تتبين وجه المهاجم.  .. دارت بها الأرض. وسقطت فوق شكيم. (ثم) لكن المهاجمين قضوا عليهما بسيوفهم. فلم يبقَ سوى أخواتهم الثّلاث. بنات يعقوب: دينة و شمّة وبسمة. فبادر روابين إلى شعر دينة وشد عليه وساقها أمامه بالقوة. وفعل مثل ذلك أخوان له. بينما كانت الفتيات يصرخن ويتفجعن. حزن يعقوب كثيراً لمقتل راوبين وزبولون. لكنه لم يترك لحزنه أن يوقفه عن العمل، أسرع وليئة في تحضير ما يستوجب لمداوة أولاده المجروحين، بالرغم من سخط ليئة على المجزرة، كانت تداوي جروح يهوذا ويساكر ودان وتسبّ يعقوب ويهوه والأنبياء والآلهة كلهم. لكنه لم يهتم، أقترب من يهوذا، نبر ساخطاً: كلّ هذا من فعل شخص واحد وفتاة؟ قال يهوذا. وهو ينظر إلى جثة راوبين: لقد عاقبته الآلهة لأنه أساء إلى الأنبياء. ولم يسع العرائس الثلاث غير التخطيط للهرب .. في غفلة من أهلهم المتهين بغنائمهم، وفرحهم في دحر من آووهم .. وفي إبادة من صاهروهم .. ولكن الهروب إلى أين .. لا بد من مرحلة للاختفاء، ومن بعد الرحيل إلى بابل بناء على دعوة الليمونمو .. إن الخلوة هي إذن المكان المنيع والمستتر لكل هارب .. وما عليهن إلا الوصول إليها: قبل الظهيرة لحظت بسمة من تحت الخيمة سحابة غبار هائلة من التّراب تغطي الأفق إثر رجوع الفتيان بخيول ومواشي القرية. حدّقت بدينة ثم هتفت: هذا هو الوقت الملائم للهرب. انظري الغبار، كم هو شديد! سيخفينا. لن يستطيع أحد أن يرانا ونحن فيه.  .. أسرعت شمّة لـمّت الذّهب والفضة. ثم انسحبت مع أختيها إلى الخلف. امتطين ثلاثة خيول وانسللن تحت الغبار الكثيف. والتّراب يكاد يخنقهن. فوجئن بعد قليل بوجود الوادي أمامهن فانحدرن فيه. فحجبهن عن أهلهن. ثم ابتعدن قدر الإمكان ليدرن بعدئذ في الطّريق الذّي يعرفنه متوجهات نحو الخلوة. ولم تتأثر الخلوة بما جرى .. بل كانت وادعة .. غارقة في بهائها .. وفيها الكائنات تنعم بالراحة والسلام: الخلوة كما هي غارقة بالهدوء. زقزقة العصافير. تغريد الطّيور. ظل وفير. دوالي العنب. أشجار الفاكهة. بالرّغم من ذلك فلا شيء يبدد الأحزان. .. ترجلن عن الجياد. .. ثم سمعن صوت الجرو ينبح. فاتجهن جهة الصّوت. تلا ذلك وقع أقدام تقترب. تحفزن للاختفاء. لكنهن تبين أنها موشن. كانت عيناها حمراوين من البكاء. جاءت وهي تمسح عينيها ..  أخذت تضحك وتبكي معاً: هتفت وهي تسجد للآلهة: أ أنتم أحياء؟ حمداً للآلهة. أخذت تقبلهن، من دون شعور، تقبل وجناتهن، جباههن، أياديهن. اختلطت الفرحة عندها وعندهن بالنّحيب والألم. ثم انفجرت بالبكاء.

وفي الصحراء حيث رحلة الجفاف .. تبدأ الرواية من جديد، ولكن بمساق مختلف في التفصيل، ومتوحد مع السياق العام .. نرى المؤلف يصف لنا توحد الطبيعة مع المشاعر الباطنة لدى الهاربات الثلاث .. فنقرأ مثل هذا الوصف ..: إن قرص الشمس العملاق محمراُ مصمماً على الانتحار في أقصى الغرب  .. بهذه العبارات النافذة في صميم التوهج الإبداعي نسمع في كلمات المؤلف رنين وقع الحوافر .. ونمتقع من ثقل تأثير الغبار الذي يزكم أنوفنا .. من تيارات الرياح المهولة حولنا وكأننا نجوس مع الفتيات الثلاث غياهب المجهول في تلك الصحراء .. ونتلفت بين الحين والآخر بهواجس من لحفته الشمس بحرقتها في منتصف النهار، وخوف من ضباع، وزواحف، وأشباح تتشكل من سرابات من يذعن السير في مجاهل الصحراء دون دليل غير ما وصف له .. ودون خبرة سابقة في شتى الأمور .. ذلك ما يبلغه المؤلف في ثنايا النص .. ويرسم حول القارئ أجواء عليه أن يوقن بأنها حقيقية وعليه أن يتقبلها من المؤلف ويتعايش معها، ومع أبطالها: قبل مغيب الشّمس لمع من بعيد شيء أشبه بالماء. لابد أن يكون سراباً، رأينه غير مرة في سفراتهن مع ذويهن. لم يتوقفن أو يتوجهن نحوه. لم يردن أن يفقدن الطّريق. كان الدّرب معوجاً. ولم يدرين لماذا؟ سرن معه. هكذا هي تعاليم موشن. لا سفر في اللّيل. ولا خروج عن الأثر في النهار.  .. توقفن. أنزلن أحمال الجياد. سقين الجياد وأطعمنها. ثم ربطنها إلى سروجها المكومة على الأرض كي لا تفرّ. كن جائعات. تعبات. حزينات. بدأت بسمة ببكاء خفيف، ثم اشتد بعدئذ، وشاركتها شمّة، لكن دينة أخذت تضحك وقلبها يدمي. أشارت إلى قرص الشّمس العملاق دامياً محمراً مصمماً على الانتحار في أقصى الغرب: انظروا لسّنا حزينين وحدنا إنه يشاركنا حزننا. إنه ينتحر.

ويأتي عبور الفرات بعد فرحة الاهتداء إلى ضفته، والسير بتهادى على طوله جنوباً، وكأن المؤلف يبين لنا طبيعة تهادي المياه في نهر الفرات كعادتها، وكأنها توحي للناظر بأنها مستقرة، لا تغدو، وتجيئ، فيحار في أمر اتجاهها، أهي صاعدة، أم نازلة، باختلاف كبير مع مياه دجلة العارمة النزول نحن الجنوب دوماً .. لهذا كان على الفتيات أن يتأنين في البحث عن منفذ موصوف للعبور، ولكن العبور له ثمنه الباهض مهما كان نوع هذا العبور .. فبينما تلتهي دينة وشمة في عبورهما .. منتظرتان عبور بسمة .. لم يعدن يسمعن لوقع حوافر فرسها صوتاً، ولا لخيالها البعيد من ظلال .. وبهذا يجعلنا المؤلف نفقتد الأخت بسمة .. من خلال انعدام وقع الحوافر، فينقل لنا صورة مصوتة للعدم السارق لأرواح الأحباب .. فيفجع القارئ بموت لم يتصوره، كما لم يتوقعه أبطال الرواية؛ ذلكم من الميتات التي تحدث خارج الزمن، وبعيداً عن مشاعر الناس، لو فقدوا أحداً بينهم .. أما هنا فإن الطبيعة قد اشتركت لتنقل الاحساس بالفجيعة من خلال اختفاء وقع الحوافر، وكأن ذلك الوقع كان أغنية تنشدها بسمة، وتتلقاها دينة وشمة عن بعد؛ فتطمئنان لوجود أختهما حتى بالمسافة المتوقع قياسها؛ بناء على عمق الصوت، أو تلاشيه؛ ورغم أن المؤلف جعلنا نتوقع أوبتها في أية لحظة حتى بعد الوصول إلى بابل .. وهو من قنيات الروائي النادرة، وهو الإبقاء على هاجس للقارئ معلق في بواطن النص، وخفايا السطور .. وكأنه قدر القارئ أن يتعلق بأمل ما .. وبينما يذهب المؤلف لتصوير أن لكل شيء ثمنه، وثمن عبور الفرات هو غياب بسمة ببسمتها .. لهذا نحس بالثمن الباهض للعبور .. وإن لكل مرحلة من فداء .. وتضحية؛ ولكل نجاح قدر من الجهد: سمعت دينة صوت شمّة التّي كانت وراءها تهتف بتفجع: بسمة. فالتفت إلى الوراء بحركة عنيفة كادت تسقطها عن ظهر الجواد لولا تشبث رجليها بالرّكاب وتمسك يديها الجنوني بالرّسن. فاستمر الجواد يقفز الصّخور وهي متعلقة به يكاد ظهرها يلامس بعض الصّخور. فأخذت تصرخ من دون أن تسيطر على نفسها. .. هتفت بصوت مبحوح وهي تدرك أن بسمة قد اختفت: دعينا نذهب إلى الحافة فلعنا ننقذها. .. ثم مسحت عينيها براحة كفها، تحاملت على نفسها. لم يبقَ في جسدها طاقة تمكنها من التّحرك. وأجهشت بالبكاء ثانية. اختفى كلّ من ملأ قلبها بالحب. اختفوا! ها هي تفقد بسمة أيضاً. أيوجد داعٍ للبقاء. أيوجد شيء يشدها للحياة؟ 

وينتقل المؤلف بنا بين أجواء متعددة تكمن في أسرار الصحارى، والطرق التي يكتنفها الغموض، وكأن ثمن كل مرحلة متجدد، ومتنوع بعين الوقت .. وعلى الرغم من تعدد المجالات في تسويغ مواقف، وحكايات مختلفة، وشخوص متنوعة في درب التشوف للمجهول .. فإن المؤلف يستبطن الرحلة كأنما هي حالة انتقال من عالم إلى آخر، ومن حياة إلى ثانية .. لهذا تضمنت كل مرحلة لأحداثها، وشخوصها التي تتناسب والمرحلة .. فعندما تلتقي الفتاتان بالراعي يرايان أن في داخله شاعر متوقد، وإنسان مظلوم داسته المحن، وأكلته السنين .. يروي حكايته المفجعة .. ويقدم الحكمة للراحلات المغامرات عبر الصحراء الغامضة: أشار إلى البئر: وجّه الغادر لي سهماً أخر وبسرعة فائقة. وقعت النّبلة في كتفي الأيمن هنا. "مدّ يده إلى كتفه" فدارت الأرض بي. كان الألم شديداً لا يحتمل لكني لحظت وأنا أسقط على الأرض أسماء تصيبه بالحجر الذّي كان بيدها في جبهته. أحسست بعد إصابتي بالسّهم وكأني فقدت حياتي. دارت بي الدّنيا. غبت عن الوعي. لم أعد أشعر بأي شيء. بعد قليل فوجئت بأني مازلت حيّ. فتحت عينيّ. تذكرت ما حدث نهضت. رأيت أسماء ميتة. أما زوجة الجندي فهي بيبي التي تصورت دينة شاباً، ولكنها لا تني عن معاشرة دينة الفتاة: -ماذا أ أنت مريض؟ -أقسمي أولاً أن تحفظي السّر. - أقسم بحق الآلهة. ابتسمت دينة. همست: أنا امرأة مثلك. -أ أنت جادة. -نعم، لسّت وحدي بل هذه أختي أيضاً. -مدي يدك هنا. أشارت إلى ما بين فخذيها. فابتعدت المرأة. وهي تضحك بصوت خافت: يا لي من حمقاء! أقول إنهما جميلتان كالنساء! أغمضت عينيها، ثم تنفست بعمق، التفتت مرة أخرى نحوها، مدّت ذراعها، همست: ثم ماذا؟  لربما لم يكن لا موصل، ولا موسلين .. لكن خيال المؤلف يسمح بأماكن، ومنتجات من خلال رواية معظم ما فيها من افتراضات، وخيال .. بما فيها قصة رحيل قافلة التجار الذين اشتروا يوسف بن يعقوب من أخوته، وعلى رأسهم راوبين نحو الشرق حيث أعظم عواصم الدنيا .. وليس إلى الشرق حيث مصر وبلاد الفراعنة: حتى إذ انتهتا دخلوا إلى إحدى الغرف المفروشة بالحصائر. جلبت لهما ثوبين من الموصلين الخفيف. قالت شمّة: وهي ترتديه إنه يكشف كلّ شيء! - لا يراك أحد هنا. هذا وحده يُرتدى في مثل هذا الجو السّاخن. سترون مثله في بابل. كانت شوجورا صديقتي تجلب هذا النّوع الجيد من الموصل.

ويصف المؤلف واقعة سقوط شمة عن حصانها، وكسر رجلها بكل دقة، وكأن المؤلف قد وضع نفسه على نفس الحصان، وحصلت له نفس السقطة، وتعلق الركاب بقدمه هو نفسه .. مما يجعل القارئ يقاييس ما حدث له من ألم لو تصادف وأن كسر له عظم، أو مجرد رضة .. وهذا ما يجعل المؤلف قريب من القارئ، ويجعله متعلق بصوره التي تملاء الصفحات، وما وراءها .. وهو يرى إلى الوصف المتناهي في الجزئيات .. وكأنه يرى فعلاً إلى فيلم تسجيلي للواقعة: فأحست شمة بنفسها تطير في الهواء بقوة لم يحدّ منها إلا تعلق قدمها الأيمن بالرّكاب. لكنها سقطت على ساقها الأيسر سقطة شديدة أحست بصوت العظم ينكسر. وبألم مفاجئ لا يحتمل. فصرخت صرخة ترددت في أرجاء الوادي الواسع الكبير. ثم استمر الجواد يطفر إلى الأعلى وينزل بضع مرات. ولولا أنها كانت تشد على رسنه من دون شعور لتحطم رأسها على الصّخور. لكنها وبشدها للرّسن كانت تصعد وتنزل مع الجواد ورجلها وحدها تضرب بالصّخور.

أما وصف المؤلف لأشكال الضب، وتكالبه على الدماء، فكأنه ينقلنا إلى موقعة حقيقية وليست متخيلة .. وبهذا يعيد المؤلف لنا جماليات الوصف .. بشكل مختلف كل مرة .. وبخيال خصب يجعل القارئ يتعايش مع الحدث بتفاعل آسر:  غير أنها رأت حيواناً مرعباً بطول نصف ذراع. ذو ذيل مليء بصدف بارز يقفز أمام الحصان. ويفتح فماً مليئاً بأسنان صغيرة بارزة والحصان يحاول عبثاً أن يضربه بحافريه الأماميين.

ويصف المؤلف كيفية معالجة دينة لساق شمة .. ابتداءً من كشف المكان، وحتى وضع الأخشاب، تعلمته وهي تشاهد إلى مجبر الكسور الفلسطيني زهير بن هاني الذي عالج ساعد أخيها بنيامين بربط أربع خشبات على طول الساعد، وها هي تضع أربع خشبات حول ساق شمة بعد إعادتها العظم المكسور إلى موقعه بعناية خبيرة .. ومن خلال وصف مناسب للمؤلف.

وبعد غابات النخيل الموصوفة بروعة جمالها .. ينقلنا المؤلف لموقعة غير متكافئة بين العبيد المردة، وكل من شمة الجريحة، ودينة الممارسة .. والحاذقة في المواربة، والتواري ثم مفاجئة الخصم، فلما داهم العصاة شمة، وهي لا تستطيع الوقوف على قدميها، رماها بالعصا فسقطت، وبهتت دينة، وذعرت، فتمالكت نفسها لكن شمة طلبت منها الهروب، فضحية واحدة تكفي .. وفي محاولة هربها لم تستطع دينة استعمال قوسها .. وبوصف متواتر للحالة، وبروحية الفزع من الموت، والرغبة في الحياة تتعلق دينة بأمل لكي تنقذ نفسها .. وشمة من براثن العدوان  يكون الوصف مؤثراً، ويجسد حالة الوقوع بمصيدة لم يكن قد حسب لها حساب، ولم يدر كيف يتخلص منها .. يصفها المؤلف بكل جوانبها .. ويحيطها باحتمالات لا تطرأ إلا على من يقع بنفس تلك الحالة؛ وعين الفخ .. جاء صوت شمّة مرة أخرى لكنه الآن مممزق بالرعب: اهربي. واحدة تموت أفضل من اثنتين. فجأة وجدت نفسها ومن دون وعي تنطلق بأقصى ما يستطيع الجواد الجري نحو الجنوب، أموت آخر؟ يا له من سوء حظ. الجواد يسبح في الجو لكن الخطر يلاحقها، أحداث الماضي كلها تتلاطم في الجو حول رأسها، أ سيقتلها؟ أي خوف! ثم لاح لها الشاعر شداد من بعيد، يهتف، يضحك، "وصلت لا تخافي" أ تسخر مني وهذا العملاق يريد أن يشرب من دمي! لا تخافي. وأثناء هروبها ترى دينة إلى أن الرجال الثلاثة سينفردون بشمة فما العمل، فيتصادف أن تجد في طريقها زعيم العصابة شوكل الذي يتبعها ليفتك بها، وينتهك سترها: كانت تهرب بجنون وأشجار الغابة تنفرج في طريقها وهي تاركة العنان لجوادها يطير بها. لا تجرؤ على النظر إلى الوراء فمن وراءها مارد هائل لم ترَ أضخم منه في حياتها. لم يكن هو عدوها الوحيد حسب بل خرج من أعماقها خوف أسطوري سيطر على كل ذرة فيها، فكأنها نائمة والكوابيس تحيطها ولا تتمكن من الإفلات منها. استعدت دينة في هروبها والابتعاد لتمسك بسلاحها؛ وترى كيف تلبد للوحش، فسنحت لها فرصة تسديد سهمها لشوكل العملاق فتصيبه في مقتله في العنق، تلك القوة استمدتها مع تعليمات شكيم وهو يدربها على السلاح ..: بعد لحظات فوجئت بفمه ينفتح ويقذف دفقة من الدّم سقطت على رأس حصانه ورقبته وسألت على لحيته القصيرة السّوداء وثيابه. ثم حدث بعدئذ ما لم تتوقعه قط. إذ سقط جسده الضّخم على عنق الجواد. وتدحرج بعدئذ إلى الجهة اليمنى فارتطم رأسه بالصّخور ورجلاه مثبتتان بالركاب والجواد يسحبه ثم توقف بعد قليل. زادها مقتل شوكل قوة، فصممت على العودة لانقاذ شمة، وبخطة بارعة تمكنت من الثلاثة الذين كادوا أن يفتكوا بشمة: على بعد مئة متر سمعتْ صخب اللصوص، وفرحتهم، ترتفع من بعيد. وإذ اقتربت من التّلّ بدأت الأصوات تتضح وتقوى. فتسلقت قمته في حذر حتى إذ تلصص بصرها من بين الصّخور رأت اللصين عاريين تماماً، أحدهما يقف قرب الآخرٍ! لكن لماذا هما عاريان ربي كما خلقتني؟ ثم أين الثّالث؟ أين شمّة؟ تقدم الثاني خطوة إلى الأمام: هتف وهو يضحك: دوري الآن. التفت الأول نحوه: لا بل دوري. وبمهارتها تمكنت من الثلاثة واحد تلو الآخر .. وصف المعركة المؤلف بتأن ودقة في التنفيذ؛ وكالعادة وكأنه يولجنا معه، ومع أبطال العملية في ذلك الصراع الرهيب الذي لا يبدو متكافئأً؛ لولا التصميم في الخلاص من عبثية الحياة؛ وقدرية التشرذم في اختلال القيم .. وغياب القوانين بين أدغال الغابة .. وكأن المؤلف يشير إلينا بأن هذا قد يحدث في أي مكان .. مع اختلاف الطرق، والأسلحة. 

ومرة أخرى تدخل دينة في معركة غير متكافئة في بيت الملح، عندما كانت تبحث عن بيت للمبيت فيه، فترى إلى بيت عليه رمز لغلغامش تطرقه، فيأتيها من يفتح لتلقتي رجلاً له وسمة عبيد يقود امرأة، فيؤكد لها أن البيت للإيجار .. ويطلب منها الدخول ريثما يعود، وهو يجرجر المرأة .. فيثير ذلك استغراب دينة .. وبما أنها قد دخلت لترى مأوى في بلدة جديدة على طريقها إلى بابل؛ لا بد لها من انتظار المالك .. أو ذلك الذي قابلها .. وتصادف أن ترى من السطح عودة الرجل مع ثلة ممن خمنت أنهم لصوص؛ مثل هؤلاء الذين قابلتهم في الغابة وانتهت منهم؛ وفي معركة غير متكافئة؛ تقتل دينة ثلاثة منهم، ولكنها في النهاية تقع في أيديهم .. وكانوا ما يزالوا يعتبرونها رجلاً لتنكرها هي وشمة .. أما شمة فقد كانت قد هربت لتستدعي دورية كانت مارة ليقبضوا على اللصوص: كان سيل الحجارة السّاقطة مستمراً. وهي تسمع أصوات ارتطامها غير بعيد منها. لكنها جريحة لا تستطيع أن تقاوم. ما تبقى من طاقتها أقل من القليل. يفقد القوس أهميته وهي في هذه الوضعية. لا تستطيع استعماله لقرب المسافة. نسيت الرّمح في الأسفل ولا تستطيع أن تأتي به الآن. إذن فلا يوجد غير السّيف القصير. حاولت أن تسحبه من غمده لكن هيهات. أصبحت يداها أضعف من أن تطيعها. ولما وصل الحرس وقائدهم اللابتو زمويا: قرفص الجميع. أخذ الرّنين يتضح. ثم سمعت أصوات حوافر الخيول بوضوح. ارتفع الغبار عالياً في الطريق، بحيث أنهم شمّـوا روائح فضلات الحيوانات المختلطة بالتّراب. ثم سمعوا صوت امرأة تصيح: اللابتو دادا أنقذنا. أحسّوا بأن القوة المسلحة توقفت أمام البيت. أطّل العبد القائد من فوق ستارة السطح إلى الشارع شاهد ثلة الفرسان المدججين بالسّلاح يتكلّمون مع الشّابة المريضة. اكتشفوا آنئذ أنها امرأة أيضاً وأثناء ذلك، وبعد السيطرة على اللصوص ظهرت المرأة التي كان العبد يقودها خارج بيتها، وقالت لهما أنها ببار التي قتلوا زوجها وطفليها .. ولا يترك المؤلف حاشية إلا ويملأها بما يثير اهتمام غريب؛ هارب .. ومهموم .. يفكر بالكون .. فيرى النجوم، ويحصيها، ويستدل على مداراتها، من بين الهموم والمصائب التي لاقتها دينة وشمة، وبخاصة فقدانهن لأختهن بسمة، مما يفسح مجالاً لمناجات دينة لبسمة من خلال حديثها مع النجوم: كن يزجين الوقت وهن يحدّقن بتلك اللوحة الرّائعة. يتبارين بمعرفة أسماء النّجوم. مبارايات لا تنتهي. تفوز بها بسمة وحدها. تعرف أسماء الكثير من النّجوم. أين أنت يا بسمة؟ تركت العنان لعينيها تدمعان. تضببت الرّؤيا. تلك هي بسمة فوقها تضحك: لقد أصبحت نجمة. تعالي معي. لماذا؟ تعالي أريك الدّنيا. لا. لا أترك شمّة وحدها! لا. لا تتركيها لتأتِ هيا أيضاً. وللنجوم لغاتها التي ينسجها المؤلف حول شخصياته فإن للأشياء  والأحياء كيانات قائمة في الرواية .. ولها امتدادات، وتأثيرات على الحياة العامة والشخصيات بصورة عامة .. ومنها ما يفعل الذباب بواقع الناس اليومي المعاش .. وتأثير وجوده على نمط الحياة، وسلوكيات الأفراد .. لهذا يمكن أن يكون الذباب في الرواية شخصية اعتبارية قائمة بحد ذاتها، تؤثر في البشر فيزيائياً وسايكولوجياً وعلى مستويات متعددة: أحست بالذباب يتجمع نهماً كالعادة في الفجر.لفّت وجهها وغفت. ثم أيقظها مرّة أخرى. وضعت غطاء الموصلين مرّة أخرى على وجهها وسرعان ما عادت للنوم. لكنها لم تستطع مقاومته في المرة الثالثة. تضافرت معه بالتّآمر ضدها أشعة الشّمس . غدت لا تستطيع تجنب المضايقة. سحبت الغطاء عن وجهها كلّه. أخذت تنش الذّباب.

ولا يتوانى المؤلف من كشف العوالم السرية في حياة النساء المحرومات من الرجال، أو ممن تستهويهن نساء شابات .. فيوغل المؤلف فيها لكي يسطو فعل السحاق على أغلب الإناث .. وتعلقهن ببعض حتى وإن لم يمارسنا الجنس الفعلي، بل الشفوي منه، من حالات العناق، والقبل، واللمس، والتحرش بالأيدي، وما إليها: التفت نحو اليسار رأت ببار مازالت تنظر إليها بحبّ. أيّ جمال؟ بيضاء. شعر أسود. عينان واسعتان حوراوان. تقاطيع تنـز عسلاً. بشرة طرية تبدو وكأنها قد انتهت من غسل وجهها قبل ثانية واحدة فقط. وجهها محاطاً بالشّعر الأسود هالة جمال جاذبة لا تقاوم. مدّت يدها. ربتت برقة على شعر ببار. عندئذ أمسكت ببار براحتها. ثم وضعتها على فمها. فتشربت دينة حرارة قلبها. قبلت أصابعها واحداً واحداً وعضّت برفق الشّاهدة. فكتمت دينة ضحكة لذيذة. ثم نهضت ببار قليلاً وقبلتها في رقبتها بحرارة. ومدت يسراها حول صدرها فشدّته إليها. أحست دينة بسعادة عميقة. تنفست بارتياح. أغمضت عينيها. زايلها الاشمئزاز الذّي كان يعتريها عندما كانت بيبي تقبلها. تركت ببار تفعل ما تريد، هذه الحالات نماذج سوف تكرر مع غير ببار، ودينة في أماكن، وحالة متفردة تحضى بأوصاف دقيقة لدى المؤلف؛ وبين شمة وغيرهن من أمثال أمل .. ومن جهة ثانية فإن لتكرار حضور الشمس في الرواية ومكانتها هام لتمرير دلالات خاصة يريدها المرلف للرواية وفيها، سواء بالدفء الذي تضفيه، أو بالحرارة القاسية .. أو بأنوارها البهية مرة، والمبهرة لمرات، وبوحدتها لذاتها وهي تزحف على الأسطح في صباحيات العراق، وغبشه بعد ليالي سرنة بالبرودة الناعمة: ومع حرارة الشمس، همست: لننزل.

 

عرض وتقييم: الدكتور فاروق أوهان 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2513 المصادف: 2013-07-23 01:09:47