المثقف - قراءات نقدية

الرواية الزرقاء .. بنات يعقوب لمحمود سعيد (2-2)

faroq ohanالباب إلى بابل:كان الجسر أول المداخل إلى بابل، وصولاً إلى بين الليمو نمو، ومن خلال تلك المسيرة والجولات المتوالية لدينة، وشمة في بابل المدينة فيما بعد له مبرراته لكي يضفي المؤلف على أجواء الرواية مصداقية تعجب الآخرين، وعجبهم لعجائب بابل .. ومنها الجنائن المعلقة .. وما سيأتي بعدها من معمار يبتكره المنهدس الفذ الليمونمو في عهد نبوخذ نصر الثاني .. إضافة لأعمال الفنانيين البابليين في النحت المجسم، والمنحوتات البارزة على جوانب الجدران، والبوابات .. توقفوا بعد قليل أمام باب عريض في شارع فرعي يؤدي إلى السّوق الكبير. كان الباب مصبوغاً باللون الكستنائي. وفي أعلى وسطه عروة حديد على شكلّ رأس أسد يطرق بها الباب. ظهرت امرأة سمراء باسمة التقاطيع في نحو الخمسين ترتدي ثوباً من القطن النّيلي. وتشد على وسطها زناراً حريرياً أبيض. وقد تركت لشعرها الذّي تنتهك سواده خصل بيض تنزل على كتفيها، قالت: نعم. سألها الجندي الأسمر ذو الأنف الكبير: هل مهندس جلالة الإمبراطور السّيد المبجل الليمونمو موجود؟ حرّكت المرأة رأسها نحو الأسفل. ثم رفعت عينيها الواسعتين: نعم. -قولي له هناك ضيوف من قرية حـمّور قدموا إليه. ومن جديد يكون للأمكنة هيمنتها على الأشخاص، والأبطال .. كيف لا والمؤلف هنا يقوم بوصف مدينة عظيمة .. أناخ لها كل العبارات لكي تكون سيدة الوصف في رواية كرست لها، وللتعبير عن أمجادها وعظمتها وعلو شأن أهليها .. فبعد وصف الحمام البيتي، وطريقة الاستحمام، ومن ثم كيفية تدفئته في الشتاء .. ينتقل المؤلف لتوصيفات الأسواق على مختلف المهن التي فيها، والبضائع التي يتجار بها بزازو بابل .. وعطاروها، وتجار لشتى البضائع علاوة على دكاكين العرافين، ومبصري الطوالع .. عدا عن توصيف لمجتمع الزحام الذي يبرر التحرش بالنساء، وكأن الناس في الزحمة لا يختلف حالهم عن هؤلاء الذين يستغلون الظلمة حيث لا رقيب اجتماعي، ولا رقابة سلطوية .. مثلما يحصل في غياب القانون، وتسيد انفلاتات التي تحضى بها شرائع الغاب ونواميسه. كان المرور مزعجاً إلى حدٍ كبير. لم تدرِ دينة من تجرأ على قرصها في إليتها. وعندما التفت إلى الخلف لم ترَ أحداً. لكنها ما إن عاودت السّير حتى أحست بيد تتحسها من الخلف. ثم لم ترَ الفاعل أيضاً. سمعت شمّة تتأوه بخفوت. علمت أن هناك من تحرش بها أيضاً. فاستدارت نحوها فإذ بيد ما تتحسس ما بين فخذيها تحت الزّنار. حركات خفيفة تلمس كلّ شيء. تترى من دون انقطاع. تبدو لمهارة أصحابها وكأنها من فعل أشباح لا يمكن أن ترى.

وينتقل المؤلف من خلال تعريف القارئ بالليمو نمو الذي جاءت الفتاتان للعيش معه، لكي يرنا إلى مكانة الليمونمو المهندس من أهالي قرية حمور، وهو يسترجع ذكرياته مع الملك نبوخذ نصر، وبخاصة الحادثة التي قربته من الملك .. أي عندما سأله عن تكاليف بناء الجنائن المعلقة .. فاكتشف الملك من خلال نزاهة الليمونمو جشع غيره؛ ممن يكثرون من حوله في البلاط، فيقوم بمنحه الثقة التامة .. وهذه المكانة التي توسمها .. فصار من المقربين .. وما يزال يرعى المشاريع التي لا تنتهي لجعل بابل أجمل عواصم العالم .. وأهمها تنظيف بابل من القاذورات التي هي مصدر تكاثر الذباب .. وبخاصة فضلات الإنسان نفسه .. بابتكار نظام لتصريف القاذورات، ابتدأها بالقصر، وأكملها في حواري بابل كلها .. وبانهماكه بهذه المهمة، والمهام التالية كان مكان ملاحظة ليس الملك .. وإنما الملكة نفسها التي كانت تراقب انجازه في القصر، وتعجب لمهارته .. وتأتي وحولها وصيفاتها الحسان، لتستمع إلى مشاريعه المقبلة: فتقدم منها الليمونمو باسماً. انحنى لها باحترام. رفع قامته. كان الليمونمو يتكلّم مع الإمبراطورة باعتيادية تتسم باعتداد نفس كبير. ومن دون اضطراب كغيره من الذّين يقابلونها. كان صوته خافتاً لكنه عميق. وأعين الوصيفات الجميلات المحيطات بالإمبراطورة مركزة عليه باحترام. فسمعته كرجل نزيه ومهندس بارع لا تجارى في بابل، ابتسم ما إن رآها قربه، سألها: أ تريدينه يا صاحبة الجلالة المبجلة أن ينتهي اليوم؟ حدقت فيه الإمبراطورة، استطاع أن يفرض نفسه على القصر بجده وإخلاصه، أصبح فرداً من أفراد الأسرة الحاكمة. يسرها دائماً أن ترفع الكلّفة معه. ضحكت: نعم لكنك قلت أربعة أيام. -انتهينا منه. ولم ننتهِ ومن طرف بعيد نشم حكمة المؤلف  ليبين أن الظلم يسود في كل مكان من الحاكم، والطبقة التي تحيط به، إلى أبعد، وحسبما تدور الأحداث .. ففي إحدى أماسي القصر .. تتم محاورات عن العمل والحياة .. العطل والموت، وحال العبريين، والضرائب التي تقع على العمال .. والأجراء .. والعبيد وما أل إليه حالهم فانتفضوا؛ ولكن بشكل غير مؤهل لأخذ حقوقهم من الجلادين؛ بل صاروا هم يجلدون الناس مثلما كان أسايدهم يفعلون بهم .. ولا يدرون ممن ينتقموا .. بينما وصف حال العبريين بأنهم يعروفون كيف ينتقمون من أعداء يهوا ربهم .. لتحقيق طمحواتهم البعيدة المدى في التسييد على العالم، ومحق كل الأقوام .. أو جعلهم خدم وعبيد لهم .. ولشهوات يهوا نفسه: أعلمكم أن العبريين واصلوا قطع الطّريق. قتلوا صديق جلالة الإمبراطور السيد حمّور الحاصل على وسام تقدير لما كان يقدمه للدولة من ضرائب وهدايا ثمينة. قتلوه هو وأهله، نساءً، وأطفالاً، وشيوخاً، وقتلوا سكان قريته كلهم. ونهبوا ما في القرية من ماشية. قتلوا وأبادوا وأحرقوا خلال السّبعة أشهر الماضية أربعمئة وإحدى وعشرين قرية. هذا يعني أنهم قضوا على أكثر من خمسة عشر ألف مواطن بريء. ونهبوا مئات آلاف من قطع الماشية. لم تعد طرق القوافل بآمنة بعد اليوم. وبين مقترحات الانتقام من الأسرى، بقتل الرجال .. أو سمل عيون الرجال ليتيهوا في الصحراء، ويموتوا كما تفعل بعض الأقوام المحيطة بهم بأسراها .. أو بإبادة الجميع .. كانت المفاجأة أن الليمونمو قدم مقترحاً هو أن يتم التعامل مع الأسرى بأن يعاملوا معاملة حسنة؛ على مستوى ما لبابل من سمعة وحضارة؛ وذلك بان تقام لهم مستوطنة زراعية قرب أسوار بابل .. ورغم عدم اقتناع البقية من الحكماء، وذوي الخبرة فإن نبوخذ نصر يقتنع برأي الليمونمو السديد .. ويجري العمل به فوراً؛ رغم ما لاقاه الليمونمو منهم كطفل حين قتلوا أهله، والآن حين محقوا عشيرته في قرية حمّور .. وعلى الرغم من مقترحه العملي .. والحكيم لكن هذا ما سيجلب الويل على بابل في النهاية: أكان يتوقع حتى في الأحلام أن ينتهي ابن عمه حـمّور وأولاده الرائعون تلك النّهاية البشعة؟ ومتى؟ بعد أيام من مفارقته لهم! وعلى يد من؟ ضيوف آواهم. أكرمهم. ناسبهم. وكان بإمكانه التّخلص منهم بثوانٍ معدودة وبمثل لمح البصر لو كان شريراً، أو جشعاً، أو عدائياً. ذنبه الوحيد أنه كان إنساناً سوياً يحب الخير. لم يدرِ هو الليمونمو نفسه لماذا قُتل أهله! على أيدي مجهولين لا يعرف عنهم أي شيء. لكنه يدري أن الرعب الذي تملكه وهو يرى والديه وإخوته يقتلون لا ينسى، كيف ركض ورمى نفسه في التنور. ولم يدرِ وهو ابن الخامسة أو السادسة كم قضى في التنور. ربما نام. ربما أغمي عليه من الخوف. ما يتذكره بوضوح أنه وقت أفاق من نومه تسلق فتحة التنور وهو جائع، وعندما نزل تسلخت يداه، تألم، أخذ يبكي. نسي كأي طفل لا يعي، طفل جائع أن أهله قتلوا أمامه. ما يتذكره أنه رأى أمه عارية مذبوحة، أباه جثة هامدة غارقاً بالدم، إخوته، أخواته كلهم مذبوحون، الإناث عاريات، والذكور بملابسهم. إن انتصار نبوخذ نصر على العبرانيين .. يعد إحدى ردات الفعل ضد الأقوام الهمجية السائبة في البرية .. فهو نوع من الصراع بين المدنية والبداوة، وصراع بين نظامين اقتصاديين أحدهما يعيش على انتهاك الحرمات، وأعتبار كل ما على الأرض ملكه .. بتخويل من ربه المريض عقلياً .. وأنظمة متمدنة نشأت حول أحواض الأنهار .. فاستقرت .. وتشكلت لها شرائعها التي بها يهتدي الحاكم والرعية؛ هذه الحضارات كانت ليس فقط في وادي الرافدين، وعلى الفرات بالذات .. وإنا في وادي النيل على حد سواء .. لهذا لم يقم نبوخذ نصر بغزوته بتلقاء نفسه، ولا بإيعاز من رب مجنون .. وإنما بالتشاور مع مجالس الحكماء في الداخل .. وأقرانه في مصر .. وأسيا الصغرى .. ولم يحدث ذلك إلا لتكالب العبرانيين في الاعتداء ليس على الشعوب المتمركزة في مستوطنات زراعية .. وإنما على قوافل التجار .. ولا بد من فعل كبير لاجتثاث أمراض السطو والقتل الساديين .. وما جلب الأسرى بما يربو على 40 ألف أسيراً بينهم العراف دانيال؛ سوى لمعالجة الأمر بروية، وإلا لكان جيش نبوخذ نصر قد أباد الكل كما يفعل العبرانيون .. وهذا هو الاختلاف بين حكم العقل والحياد، وحكم التعصب والانجرار وراءها عاطفياً .. لعل وصف المؤلف الدقيق لحالة الأسرى كما عودنا في توصيفاته التي ننخرط معه في كل تداعياته الجميلة: حمل الأسرى كلّ شيء يستطيعون حمله. ..  ثم :  يمر الأسرى من أمام منصة النّصر. ينظرون نحو الإمبراطور. يقفون أمامه. يسجدون حتى تلامس جباههم الأرض. وسط هتافات هائلة تشق عنان السّماء. ثم ينهضون. يسيرون بضع مئات الياردات بعد المنصة ثم ينحرفون إلى اليمني لأن منظمي الاستعراض لم يتركوهم يدخلوا المدينة، ساروا بالقرب من بوابة السور الأولى ثم توجهوا إلى المكان الذّي حُدد لهم ليبنوا بيوتهم هناك.  ثم: ثم أخبرهم الإمبراطور أنه أرسل بعد النّصر وهو في القدس رسائل لجميع الملوك وزعماء القبائل ورؤساء البلديات والمدن الذّين التّمسوا منه أن يقضي على العبريين يبشرهم بالنّصر والتخلص من قطاع الطّرق. ويعلمهم بأن طرق التجارة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، وبين المدن كلها باتت أمينة تنعم بالسلام والأمن. وطلب منهم إرسال وفود لتمييز ما نهب من قوافلهم لاسترجاعه. أو تحديد مبلغ خآستر كل منهم لدفع التعويض.  وبعد مقترحات عدة جاء دور الليمونمو الذي اقترح توطين الأسرى، ورعايتهم بشكل إنساني .. التي بادرها في البداية .. إضافة لاقتراحات محلية تتعلق بالضرائب، والفوائد: صمت الليمونمو. جلس. ساد الهدوء برهة ثم علا التصفيق بشكل لم يتوقعه الليمونمو قط. كان يظن أن الأكثرية ستعارضه، لكن التصفيق الطّويل جعله يطمئن إلى أن كلامه لاقى الاستحسان، وغيّر من أراء المعارضين، لكن ذلك كله غير مهم ما لم يفصح الإمبراطور عن رأيه. ثم علا الهمس بين المجتمعين.

ولكي يبين المؤلف حال العبرانيين من الداخل بعد السبي كما سبق وأن قدمها أيام يعقوب؛ فمن اللازم أن يسقط الضوء على شخصيات المجتمع العبراني المعتدل منها، والمنحرف، وقد نجح في تبريز شخصيتين هامتين هما يوسف ابن يعقوب، و دانيال العراف الذي كان بين الأسرى منذ البداية، وشيوخ عبرانيون .. فبعد أن استقروا في مستوطنتهم لاحظوا صمت دانيال .. كان صمتاً مصطنعاً .. كما يفعل الدجالون في أيامنا؛ ولربما هو البديل ليعقوب .. وحامل رايته .. وبعد شهر اجتمع بشيوخ العبرانيين لينبئهم بقراره .. وهو الانتقام من البابليين .. ولتكن البداية مع اغتيال الليمونمو .. ومن ثم تأتي الخطوات التالية حتى تدمر بابل وشعبها، ولكن كيف .. ذلك سؤال يبقينا المؤلف معه ليتدرج في الأحداث ولا يستبقها .. ليس من باب التشويق .. وإنما لكي يذكي مشاعرنا بالغل اليهودي الذي لا ينتهي بانتقام واحد: إنهم يعلمون أن دانيال نبي. ولا يتصرف من تلقاء نفسه بل بما يطلب منه يهوه لكنهم يريدون استيضاحا مقنعاً. وعندما وصلت أخبار سخطهم إلى دانيال لم يستدعِ أياً منهم. بل أخبرهم بأنه سيصوم عن الكلّام شهراً كاملاً. وعليهم أن يلتقوه في العيد القادم في نهاية الشّهر. وعليهم أن لا يخرقوا حرمة صيامه. فلعل الآلهة تأمره بما فيه خير الجميع.  ولا تفوت المؤلف سانحة إلا ويستغلها لكي يجعل الأجواء تسطو على القارئ بأجوائها، ومناخاتها: على أضواء غير شمعة قوية في بيت دانيال. جلسوا صدراً لظهر لضيق حيز الغرفة التّي اتسعت لهم بالكاد. بدا على دانيال الانفعال والغضب قال ما إن اكتمل عددهم: أنتم أغبياء. كلّ من انتقد تعاوني مع السّلطات وتسليمي يوسف غبي. ويا ليتكم أغبياء فقط أنتم أنانيون. إن تركتُ الأمور لكم فستنتهون. سينقرض الشّعب العبري. ثم: صمت. ونظر إلى الوجوه واحداً واحداً. وعندما لم ينبس أيّ منهم بنبت شفة استمر في حديثه: الأولى تقربي من السّلطة. من ناظر القصر الذّي في يده مقاليد الأمور بعد الإمبراطور. والثّانية من إلهنا يهوه لقد أراني ما سأفعل. لقد ألقيت المهمة على عاتقكم أنتم. عليكم قبل كلّ شيء أن تتعلموا القراءة والكتابة. حاولوا أن تتمارضوا. تتغيبوا. تدرسوا بعد العمل. سيساعدكم الآخرون إن عرفوا أن مهمتكم مقدسة. وإنكم أخذتم على عاتقكم إنقاذ الجميع. وسأبدأ أنا أيضاً بتعلم قراءة البابلية وكتابتها. هناك معلمون كثيرون مستعدون لتعليمكم وتعليم أولادكم. ثم: ثم نظر في أعين الجميع واحداً. واحداً: هذا ما قاله لي يهوه. ما وعدني به. لكن علينا جميعاً أن نعمل. أن نضحي. الآلهة لا تعمل. إنها ترسم الخطط فقط. نحن من يطبقها. الآلهة ترينا الطّريق لكن علينا نحن أن نسير. 

أما حكاية يوسف نفسه؛ فإن دينة وشمة؛ وبعد وصول الأسرى من أهاليهم .. بدأتا تعدان .. وتتحسبان لمن يمكن أن يكون بين الأسرى .. فقد لاح لهم دانيال العراف، ولربما تكون نساء أبيهما، وأختهم الصغيرة بين الأسرى، ولربما يكون جاد .. وآشير هم الآخرين ضمن الأسرى .. ولكن ماذا عن يوسف المفقود قبل هربهن .. ربما تتصادف الأقدار أن يكون هو الآخرى في بابل العظيمة: قرفص يوسف أمامهما وما زال يأكل. ثم نقل عينيه بينهما. توقّف عن المضغ. فتح فمه ليقول شيئاً ما. لكن دينة وضعت سبابتها على فمها فعلم أن عليه أن لا ينطق باسمها أو اسم شمّة ثم عاود المضغ. ابتلع لقمته بصعوبة. لكن الفرحة كان طاغية على ملامحه. همس بصوت خافت: ما جاء بكما إلى بابل؟ كيف سُمح لكما بمقابلتي. ثم لماذا فعلتما ذلك بشعركما الجميل. أريد أن أعانقكما أقبلّكما. كيف تركتما أهلي؟ كيف حال أبي. أمي إخوتي. كيف. ثم: باعني أخوتي لتجار جاؤوا بي إلى بابل. قال رئيس القافلة أنت وسيم وسيشتريك غني بالتّأكيد. صدق. اشتراني رجل ثريّ. صائغ. قال لي سأعتبرك ابناً لي. بدأت أخدمه أفضل خدمة. كنت أرقد في الفناء وهو في السّطح. وفي الصّباح اكتشفنا أن اللصوص قتلوه وزوجته وسرقوا كلّ شيء. وكان في الفناء حماران يستعملانهما هو وزوجته. كانا ينهقان طيلة اللّيل فلم أسمع بحركة اللصوص. فاتهموني بالقتل. قالوا لي كيف يقتل ويسرق وأنت لا تفيق! هذا كلّ ما في الأمر. مظلوم وحق يهوه مظلوم. ولكن يوسف بتصور المؤلف له أكثر من وجه، فيوسف لديه هو من ينتهز الفرص لاستغلال الآخرين لمصلحته؛ ولكنه ينصاع للأوامر، من أجل تمرير حالة معينة .. وكأن يوسف يأتمر مرة للملائكة، ومرة للشياطين؛ فقد اتهم بقتل صائغ لكنه أنكر ذلك .. أما عند قتله صاحب المزرعة فإنه يضطر لذكرها، وكأن المؤلف يود هنا أن يذكرنا بحادثة زليخة زوجة الفرعون التي تولهت بيوسف، ولكنه سجن، ولم يقتل أحد في السيرة التوراتية: فحدّق به مدير السّجن بغضب. سأله: من هاتان المرأتان. -من معارفي. -لماذا قلت أنهما أختاك؟ -لم أقل. لأي واحد؟ - نعم. أقسم أني لم أقل. ابتسم المدير. قال للحارس هات أيّ سجين تراه. فجاء بعد بضع دقائق يمسك سجيناً رث الثّياب في الأربعين. فبادر يوسف قائلاً: أنا.فزجره المدير بصوت قوي: اخرس، أنت لا تتكلّم. سكت يوسف محرجاً محمّر الوجه. عندئذ التفت المدير إلى السّجين الثّاني: ماذا قال لكم يوسف عن المبجلتين؟ حدّق السّجين بالمدير. بيوسف. بدينة و شمّة ثم التفت إلى المدير. قال بهدوء: قال: إنهما أختاه. لم يخجل يوسف. أشار المدير إلى السّجين أن يرجع. ثم نظر إلى الأختين: أ رأيتما كم هو وضيع؟ نزعت شمّة حذاءها وأخذت تضربه على رأسه بحنق: أيها الكلّب. يا ابن الكلّب. فتقدم المدير منها. أمسك يدها. ابتسم وهو ينظر إليها: لا تلوثي نعالك. لا يستأهل حتى الضّرب بالحذاء. لا تتعبي نفسك.ثم نظر إلى دينة وهو منفعل: أ أنت مصرّة على كفالتّه؟وتكفل دينة يوسف .. ولكنها لا تجده .. فقد التجأ لبيتا الغانية الحسناء .. ولم ينفذ عهده بأن يقوم بالعمل .. فهو يربح من مهنة العرافة، وتفسير الأحلام أكثر من أن يعمل في مزرعة؛ ولكن تهديد دينة بإعادته للسجن جعلته يرضخ لترك بيته، وعرافته؛ ولكنه لم يستمر كثيراً قبل أن يغتال صاحب المزرعة ويدعي أن امرأة المزارع هي التي أغرته فنام معها .. واضطر لقتل الرجل بعد انكشاف أمرهما: لم تتمالك شمّة نفسها، بصقت في وجهه. فمسح البصاق بكف يده، وأخذ يقهقه: أنت التي كنت أحب أكثر من نفسي. هجمت عليه من دون شعور، صفعته على خده بقوة، فأمسكت بها دينة، أبعدتها: نحن في الشارع. صرخت شمّة: قلت لك لا يستأهل. .. تبادل معها يوسف نظرات ذات معنى. فبادرت دينة وهي تكاد تنفجر من الغيظ: نحن قريبتان له. قالت المرأة بسخرية: ولماذا لم نركما من قبل إن كنتما  قاطع يوسف وهو ينظر للحسناء: دعكِ منهما. لماذا جئت؟ اتفقنا أن أراك مساءً ليس هنا.وبعد الجريمة، يهرب يوسف وقد قتل المزارع، ولكن العسس يصطادوه عندما يتوصلوا إلى بيتا الغانية التي تدلهم على مكانه .. ويحاكم، ويصدر القرار بإعدامه على خازوق، ويتم تنفيذ العملية في ساحة عامة .. لعلها من مبتكرات المؤلف خارج نطاق التاريخ التوراتي؛ لربما لكي يبين أن التاريخ له وجوهه المختلفة .. وقد يتم تلفيق حادثة، ويتم تصديقها لو حدثت في السابق .. أما هنا في الرواية فمن حق المؤلف أن يتحكم بمصير أبطاله .. طالما أحياهم في نصه، وتصرفوا تبعاً لما رسمه في الرواية .. وهندس له الممكن، وجعل له مبرراته المقنعة للقارئ: عاد يوسف يتضرع إليها: أرجوك وافقي. وهي تصرّ: لن أغير موقفي. يجب أن تذهب. ثم وهو يقرفص أمامها. يعانق ساقيها. ي .. اللعنة عليك يا يوسف. ورثت كلّ سيئات أبيك وأجدادك المخزية. لم لا تعيش حياة طبيعية تتمتع بالحياة كالآخرين. ثم ..: كانت المرة الأولى التّي يتم فيها تنفيذ حكم الإعدام بالطّريقة الآثورية ليكون عبرة لمن اعتبر. وحسبما نقل عن عائلة المغدور أنها طالبت السّلطات أن يتم التّنفيذ بتلك الطّريقة. فكلِّف ضابط آثوري بتنفيذها. فجراً جيء بيوسف عارياً لا يرتدي أيّ شيء. وبدا حينذاك زائغ النّظرات شبه جامد. مكتوف الأيدي من الخلف وكأنه قد فقد حواسه وعندما رأى ما سيحل به نطح أحد الجنود في صدره على حين غرة فأوقعه على الأرض. فعاجله جندي آخر بضربة على رأسه جعلته يترنح ويسقط فتلقفه آخرون. ثم رفعه أربعة جنود أشداء وأجلسوه على خازوق بطول ذراع فتعالتّ صرخة قوية ترددت أصداؤها في ساحة الاحتفالات خارج السور. ثم انتهت بحشرجة طويلة. لكنه لم يمت حالاً بل ظل يتحرك، ثم انتهى في الزوال، أبقوه على حاله حتى غيب الجثة ظلام اللّيل الدّامس. لتبقى في مكانها تحت حراسة الجنود حتى فجر اليوم التّالي. ثم رفعت بعدئذ.

وتتعدد الحكايات؛ حول مصائب المحرومين .. برؤية وتحليلات المؤلف لشتى الأمور التي تتعلق بمجتمعات قديمة تسودها الطبقية؛ وتعدد المراتب بين الناس .. وسوادهم من الفقراء والمحرومين؛ ولعل من الأمور التي يسقط المؤلف الضوء عليها هي تجارة الرقيق، وتأتي من خلال محاورات جانبية .. فقد سأل أليمونمو جاريته الجديدة .. والتي كانت وصيفة الملكة عن اسمها .. وكيف وصلت إلى بابل فقالت:  أسماء: وأضافت:  كلّ تجار العالم مرابون يتعاملون بالرّبا الفاحش. إنها أسهل طريقة لجمع المال. تذكّر ما يروى عن النّخاسين وكيف يذلون المخطوفات والفتيات اللواتي يشترونهن. ترى ماذا عانت لتصل إلى هنا وكيف قطعت الصّحراء مع هؤلاء الأوباش؟ وكم وحشاً اعتدى عليها في ذلك الطّريق الموحش الطّويل؟ لم يحاول أن يسأل. ذلك مبدأ من مبادئه. فلكلّ جارية قصة طويلة. مؤلمة. مأساة.  سألها: أهي جميلة؟ - من؟ - مكّة. -ليست مثل بابل. صغيرة تحيطها الجبال. شديدة الحر. ويبقى لدينة أن تحقق أمنيتها، وأمنية زوجها شكيم في دراستها للطب .. فتلتحق بمستشفى بابل المركزي .. وتلتقي بأعظم جراح فيها .. فتنظم لمجموعة طلبة جاؤا من مختلف الدول لكي يتعلموا الطب هنا في بابل: ستجدين ستة من أولئك التلاميذ قادمين من بلاد اليونان وبلاد النيل وكريت وقبرص وأسيا الصغرى وبلاد الأرز. إننا نستفيد من كل حكماء العالم. ورد إلينا قبل سنتين حكيم جراح  عميق التفكير من بلاد النيل، وآخران من الصين وثلاثة من الهند علّمونا الكثير وتعلموا منا الكثير. ثم رحلوا إلى بلادهم. سترون طالبي الحكمة يأتون إلى هذا المشفى بشكل مستمر، فعلينا أن نكون جادّين وملتزمين. أما شمة فلها رغبة أخرى وهي تعلمها فن النحت؛ لهذا تهرع لمحترف بابل للنحت، وتبهر هناك بما تراه من منحوتات للألهة: الباحة كبيرة جداً فيها صخور بيض. وأخرى تضرب إلى الحمرة. وثالثة مصفرة. ورابعة مسودة. وخامسة منمنمة نقط برتقالية في بحر متلاطم من موجات صفر وبيض ورمادية. صخور في كلّ مكان في الباحة. مئات التّماثيل لصبية وفتيات. ونساء. وملوك وملكات وآلهة وحيوانات مألوفة وخرافية. وفيما بعد أن تعلمت شمة صنعت لها تمثالاً،،، وذلك بتأثير النحات الأشهر أتيل صاحب مدرسة النحت في بابل .. ولا أدري لما جعله المؤلف مخموراً طوال الوقت .. كانت شمة تفهمه من نظراته .. فقد أومأ لها إلى صخرة أحست شمة أن أتيل يحثها على إطلاق التمثال من أسره بأزميلها ..: فبدأت من القدمين ثم أخذت أصعد. لكني أحسست بشيء غريب فما إن ظهر أول إصبع من القدم حتى بات الإصبع حياً يدعوني لتقبيله. فتموجت دمائي بنشوة تشدني إليه حتى أنني لا أستطيع الانفكاك عنه. وكما لو كان حياً والرّغبة تشلنا. تفقدنا صوابنا. وتبدأ بتسييرنا. حدث ذلك أيضاً طيلة الشّهور التّي أعمل به. وعندما نحتُّ عضوه واقفاً لم أكن أدري ما أفعل كانت نشوة قاهرة مشبعة بلذة لا وصف لها تسيرني. كنت أحسّه في جسدي حياً فيغرقني وأغرقه بسعادة قصوى. 

وعودة للمساق في مجريات التفاعل داخل المجتمع العبراني في بابل؛ فإن كان على دانيال العراف .. بحيله، وكذبه حتى على الملوك أن يبتكر طريقة لتسجيل تاريخ مزور لقومه العبرانيين .. فتعمق في التعرف على الرواة البابليين، ومسجلي الأخبار .. واطلع على ما يرويه الخطباء عن الأساطير السومرية، والأكدية والبابلية المتناقلة، ومنها قصة سرجون الأكدي "أي سرغون الموحد" على اعتبار أن كلمة أكد تعني الاتحاد .. وقصة ولادته في قفة من سعف النخيل مطلية بقار عراقي .. أوعزت هذه الحكايات الأسطورية لدانيال بابتكار قصة لولادة موسى: لم لا تكون أماً عبرية لطفل عبري. لبطل عبري. لنبي عبري! لماذا كل الأبطال من الأغراب؟ وحينما قرأ دانيال شريعة حمورابي وبنودها نسخ عنها ما يتلاءم والعقلية العبرية .. ومزاجها .. وبعض مما أوحى له بأن تكون من ضمن الألواح التي استلمها موسى من يهوا على جبل الطور في سيناء .. وفيها الوصايا العشرة .. وهكذا ابتدأت كتابة التوراة: من الغد سنبدأ بكتابة التّوراة. حدّقوا فيه باستغراب. ثم تبادلوا النّظرات فيما بينهم بينما كانت عيناه تنتقل في وجوههم الحائرة. سأل أحدهم: ما التّوراة. - كتابنا. كتاب يهوه دليلنا الواضح المبين حتى نهاية الوجود. -أهذا ما طلبه منك يهوه؟ -نعم. سأملي الآن عليكم شيئاً منها وسأكمل إملاءها هنا يوماً بعد يوم إلى أن ننتهي. عندئذ سيصبح عندنا مبدأ يجمعنا ويوحدنا ويخلق لنا قادة يقضون على أعدائنا البابليين والآثوريين والآموريين والكنعانيين والحثيين والفرزيين والحويين واليبوسيين والفلسطينيين والفينيقيين وكلّ من استوطن الأرض من هنا إلى فلسّطين. ثم :  إن أعظم أنبيائنا موسى و .. قاطع أحدهم: لم نسمع بموسى. وموسى اسم مصري وليس عبرياً.لم يلتفت إليه دانيال. استمر: وُلِدَ موسى في مصر على النّيل. عندما كان العبريون هناك و. قاطع آخر: العبريون لم يصلوا إلى مصر قط. أكمل دانيال: وكان فرعون مصر  .. إلخ. هكذا يفعل الأمريكيون والمغول .. كل ما هو مكتوب يُحرق أو يرمى في النهر، ولا يبقى أثر مكتوب غير الزائف للمستقبل .. لهذا بقيت التوراة محفوظة بدلاً عن ثقافة الطين في الرقيمات: بعد أن يحل الخراب ببابل لن يجد مثقفو المستقبل أيّ كتاب غير التّوراة يستقون منه معلوماتهم. البابليون يكتبون كلّ معارفهم على ألواح من الطّين، والقماش، والبردي. إن رميت في النّهر، فستمحى كتاباتها. أما نحن فسنكتب كتابنا المقدس على جلود الحيوانات، أو البردي، أو قماش مشمّـع، وسنحفظه ما استطعنا في قوارير مختومة لايصيبها البلى والتلف مدى الدّهر. سنقوم بكتابة مئات النّسخ منها كلّ سنة. وسننشرها في كل مكان، ونقرؤها كلّ يوم. وسنحفظها في صدورنا. فلمن ستكون العاقبة؟ للموجود أم للفاني. للمكتوب أو الممحي. للمقروء أو المهشم؟ فمن هو إليعازر محمود سعيد يا ترى أهو إليعازر الذي أقامه المسيح وهو في كفنه؛ أم إنه مجرد اسم بلا تورية، فلماذا كان على إليعازر في الرواية أن يضحي بنفسه لاغتيال الليمونمو؛ إن خطة قتل الليمونمو تبدأ من يوم وضع دانيال نصب عينيه أن يدمر دولة بابل .. بعيداً عن رضى ورفض العبرانيين المسالمين، وحتى هؤلاء الذين يركضون وراء غلوائه، ولا يفهمون ما يرمي إليه، هو صورة أخرى من يعقوب بن إسحق، وغيره من المتنبيئن، والعرافين .. فمنذ ظهور دانيال في القافلة أثار المؤلف استغرابنا من وضعه، وتقدير العبرانيين له، رضى أو رفضاً: قال لي: من رأيتهم عندي اليوم هم جزء من نقباء بني إسرائيل السبعة عشر نقيباً. سأعينك نقيباً آخر، لتكون الثامن عشر. قلت له: إنني مرتبط بعمل، أعمل في قافلة، يجب أن أودي الأمانة إلى أهلها. قال: لا يهم أن تكون قريباً أو بعيداً، المهم أنت معتمد، وأنت نقيب موثوق، أبوك نبي من أنبياء بني إسرائيل. نحن نثق بك. زرني متى ما جئت بابل. ثم قال لي: إن بقيت شهراً واحداً فسترانا نقوم بأشياء عظيمة هنا. لم يذكر لي ما هي هذه الأشياء. لكني عندما رجعت إلى التاجر العبري، حذرني منه، قال لي، لا تصدق هذا الشيطان اللئيم، ولا تثق به. إنه نبي خرف. نحن هنا في بابل نعيش في نعيم. هذا وأمثاله من نكبنا. الليمونمو على حق. بابل علمتنا الحكمة، علمتنا كيف نعيش بسلام.(ثم) قال لي إنه يظن أنهم سيقتلون الليمونمو. - خطر في بالي ذلك، قلت للتاجر: لو لم يؤيد الشعب دانيال لما فكر في ذلك. قال لي لا يؤيد دانيال من العبريين إلا القليل، الأكثرية تكرهه، أتعتقدين أنهم سيسيئون إلى الليمونمو؟

ولا تفوت المؤلف في أية سانحة أن يصف الأشياء المحيطة، وكأنها شخصيات عليه أن يجعلها تتكلم من خلال جمالياته، وتشكيلاتها المعمارية التي تنطق من غير لسان، والأمثلة كثيرة ومنها وصف مشروع بابل المستقبل .. ربما ليضفي ظلال الأشياء على المواقف .. لكي يبين جبرؤت الإنسان لو تمكن من إعادة تشكيل الطبيعة لو عرف كيف يستغلها، وفهم أبعادها .. أما فهم المؤلف للتاريخ فهو على الرغم من استقاء معلوماته من التوراة وظلالها في الكتب الدينية الأخرى، لكن مطالعاته، وثقافته التاريخية، وتحليلاته لها جعلته ينأى عن الانسياق للخدع، والأضاليل التي ما تزال تكمم أفواه العالم، وتعمي أبصاره بفريات كتبها العرافون من بني صهيون .. على أن العبرانيين هم بناة بحيرات بابل، وأهرامات مصر،

لهذا يتحسب المؤلف للكثير من الطوارئ، ويرسم منها ومن حولها افتراضاته التي تحتكم للموقف، وحتمياتها فهذا الحرس الخاص وقت الجريمة .. مع يقظته لا يمكنه أن يوقف فعل ما نوى عليه شرير، وأخفى وراء قناع الزيف وجهه المغل، أو الواجب المكلف به في اغتيال اللميونمو، فكيف يصف المؤلف الليمو نمو قبل ضربة السيف وبعدها: وضع الليمونمو يده على كتف النّوباندا شمّاش. ثم قال بنبرة توسل: أرجوك لا تفعل. سأحاول أن أحمي نفسي بنفسي. ثم فجأة أحس بحركة من الخلف. وحينما التفت فوجئ بضربة سيف قوية تنزل عليه فزاغ عنها فوقعت الضربة على ساقه فوق قدمه الأيمن. صوت العظم يصلّ بقوة. ربما أصابت الحصان فقفز قفزة هائلة كادت تطيح بالليمونمو من فوق سرجه. ثم أحسّ بألم فظيع يحرق ساقه أشبه بالنّيران. صرخ بكلّ ما أوتي من قوة. ثم سقط على الأرض من ظهر الجواد بلا وعي. مرت لحظة فقد فيها الإحساس كلّية. أغمض عينيه. ثم صفا رأسه بعد برهة. لكن الألم كان كبيراً جداً. أصوات ترتفع وصياح وفوضى وضجيج. ثم خارت قواه ثانية. ولم يعد يشعر بشيء. وكيف يجسد المؤلف مهارة أطباء بابل؛ ويعود من جديد لقراءة واقع التفاعل لدى بطلته المحورية دينة .. هل يريد المؤلف أن يبين أهمية بابل، وقوتها حتى في العلوم، أم أنه يريد أن يبين معرفته التاريخية حتى في هذا المجال، ومن خلالها معارفه الطبية؛ وبخاصة تجبير العظام، وكسورها: عندما فتح عينيه ثانية وجد دينة فوق وجهه تمسح دموعها وهي تربت على شعر رأسه. حاول أن يبتسم لكن موجة أخرى من الآلام وأدت ابتسامته ثم عاد ليطفو في الجحيم. (ثم)  قبل قليل قال لها الحكيم أداداي أن تستعد لفتح رحم المرأة المتعسرة. أخذت تعقم يديها، لكنها هرعت إلى العربة حين رأت الليمونمو. اختلطت الأمور عليها. ولم يتمالك نفسه في تلك الجلبة من الصراخ سوى الطبيب أداداي. ويوظف المؤلف الكثير من المعلومات التي يعرفها الكثير منا، لكنه يضعها في مكانها المناسب في الرواية .. متجاوزاً حتميات التاريخ، ومتفاعلاً مع حقيقة زاولها الإنسان منذ تعرف على الطيور، ولعل حكاية نوح "التوراتي" والحمامة بعد الطوفان هي موضوعة تمازجت وحكاية الحمام الزاجل: قال: سيدي المهندس العظيم. رأيت أن أساهم بما أستطيع لخدمة مشروع بابل العظمى. أنا جميل صاحب أكبر محل لبيع الطّيور في بابل. ماذا تستطيع أن تعمل يا جميل؟ - سيدي. سأرسل أخي إلى قرية كراكا يراقب الفيضان من هناك فإذا رآه أعلمنا. ابتسم الليمونمو: لكن كراكا بعيدة نحو سبعين ميلاً. الفيضان أسرع من أي حصان. كيف سيقطع هذه المسافة وينبئنا به؟ ستصلنا الأخبار في ساعة واحدة يا الليمونمو بوساطة الحمام الزّاجل. نحن نربيها ونبيعها هنا في السّوق. عندئذ سيكون الاستعداد كاملاً لملء البحيرة. ولن نفاجأ في الفيضان. ليأتِ متى يريد! أشرقت ملامح الليمونمو: وكيف تعرفون الأخبار بالحمام؟ هل تكتبون عليها.

ونعود من جديد إلى توصيفات المؤلف غير المسبوقة في التفنن في إحياء صور الأشياء بموتيفاته كوصفه للماء المتدفق من السدود:، الماء كحصان أسطوري (أسماء البحيرات على أسماء الأشجار) فيقول: ظن الجميع أن عنفوان المياه سيقتلع الجسور الصغيرة لكنها قاومت المياه لبنائها المحكم وبقيت بعد ذلك منقوعة به وأرضيتها تلامس الماء من الأسفل. كانت المياه تندفع في القناة وتدور حول البحيرة باندفاعها المجنون يصحبها صوت زمجرة حادة كأنها تشارك الموسيقى بعزفها المميز. حتى إذ وصلت البحيرة بدت وكأنها تقفز فيها. ثم خفّ عنفوانها فطفقت تهدأ، لكنها استمرت تتجمع في أسفل البحيرة، تدور حول نفسها يعلوها الزّبد. لكنها وبالرّغم من تدفقها الشّديد لم تبدُ سوى نقطة صغيرة في محيط البحيرة الواسع والكبير. بينما استمرّ النّاس يهللون ويرقصون والطّبول تقرع.

السيناريو الدانيالي:

مع تشييع نبوخذ نصر، ومجيء نبوئيد: جاءت اللحظة الحاسمة، والمناسبة، ومن حينها ابتدأت مؤامرات دانيال الحقيقية، وبشكل مباشر، ومن غير مواربة، فقد بدأ يرسل الوفود من جهة للتآمر مع الفرس، وتقديم تفاسير، ونبوءات كاذبة لكي يصدقها، غيره سواء من شعبه، أو من البابليين، ومنهم نبوئبلاصر الذي قربه منه، وبخاصة لما رأى هذا حلماً ليد تكتب على الحائط "من منا" فسرها دانيال بانتهاء عرش بابل، وكان دانيال وقتها يعلم بساعة الصفر .. نبوءة العراف عن اليد التي كتبت على الحائط .. هي الأخرى فرية تاريخية من فريات بني صهيون منذئذ: وصل الوفد إلى العاصمة، كانت صغيرة، مهملة، شوارع غير مبلطة، محلات صغيرة مقبضة للقلب،  (ثم) نصحهم أردشير أن يبقوا رؤوسهم محنية حتى يأمرهم الملك برفعها، وأن لا ينظروا إلى عيني الملك قط، ولا إلى أي فرد من أفراد الحاشية، وبخاصة إلى زوجته. وأن لا تفارق الإبتسامة وجوههم. إن ضحك فشاركوه قليلاً. ومهما تسمعون فلا تضحكوا حتى يبدأ هو. وكعادة المخربين لا بد من استغلال كلا الطرفين لكي ينعموا بالرفاه، ففي تأليب دانيال للفرس على البابليين منفعتين اثنتين؛ دحر البابليين، والسيطرة على الرعيل، وعقليتهم من خلال احتوائهم، وتمرير المخططات الكبرى منهم، وإليهم، وعليهم، ولهذا كان هناك تغيير للحال على عهد نبوئيد من خلال كثرة الملاهي والفسق: طيلة أيام الوفد في بابل كان أعضاءه يتفرقون مع مرافقين ليسهروا أجمل السهرات في الملاهي وبيوت المتعة، داخل بابل وفي الأحياء العبرية.  بد فخلال المدة التي أعقبت وصولهم تطورت الملاهي إلى مستوى رفيع. أصبح شيئاً طبيعياً وجود فرق جديدة للغناء والرقص والموسيقى وافدة من بلاد النّيل رأي العام وبلاد الأرز ومن جنوب أوربا ومن جزر البحر الكبير، ومن الهند، وحتى من الصين. وأخذ النّاس في الأسواق يترنمون بألحان رائعة فريدة. وتمرير عودة الضرائب، والفوائد على السلع، والعمل: ازدهرت التّجارة ازدهاراً لم يتوقعه أحد، وكانت البضائع تأتي بالبحر من الهند وسرنديب وبلاد السند والبنغال والجزر البعيدة والصين، حاملة معها آلاف ال بضائع والمنتوجات والفواكه والخضار والحرير والكتان والملابس القطنية والسلكية، والمرايا والالات الموسيقية. ولا بد من تويسغ النتائج، بإنهاك القوى لدى عامة البابليين، ووضع الأمور ضمن أجندة تقويمية  لتهيئة لاحتمالات ما سيأتي به المجهول لخلق حالة من الترويع: في بداية سنتها الحادية والسبعين بدا واضحاً لديها أن الغزو أصبح واقعاً لا محالة في نهاية هذه السنة أو في بداية السنة القادمة. وأصبح انتظار غزو الفرس للبلاد هاجساً مرعباً يخيف معظم أبناء الشعب. إضافة لهذا كله فلا يبخل المخرب من صرف أموال سرقها على عطايا، وهدايا للصديق حالياً، والعدو مستقبلاً، وهنا هو قمبيز، وفليس حجر الفيروز المهدى إليه إلا من فرض الضرائب على العبريين؛ ومنها ضريبة العودة على كل عبراني، لكي يشعر هؤلاء بأنهم هم أيضاً متورطين، ومساهمين في جرائم قادتهم، وكهنتهم وعرابيهم: قال دانيال وهو يستقبل الوفد ويسمع أخبار رحلته": إنني أعيش أسعد لحظات حياتي. إنني أرى صروح بابل تنهار على أهلها. أرى شعب بابل يباد. أرى الدّماء تغرق شوارع بابل. أرى العبريين أمامي يعودون إلى فلسّطين، علينا أن نحتفل. علينا أن نغني، نرقص، نقيم مهرجانات، لكن علينا الحذر. فكر دانيال طويلاً بما ظهر على السطح. إن استمر الوضع هكذا فلن يجد إلا القليل من المؤيدين. عليه أن يبتكر شيئاً يوقف المد المعاكس. أصدر أمراً للنقباء: تجاهل الكثرة المارقة. منع النقاش مع أي معارض خوفاً من أن يكشفوا أمرهم للسّلطات، ومن العرابة، والتكهن، وهما أمرين مفتعلين لتمرير سيناريو التآمر، ولاقناع ذوي الأدمغة الفارغة، فقد انطلت دعاوي دانيال ليس على الملوك البابليين وأكاسرة الفرس، وإنما على شعبيهما، ولعل ما فعله كل استر ومردخاي لدى قمبيز، وابنه كورش من مداهنات، وعمالة من خلال الأكاذيب والغزو، ومكاسبه إضافة لسهولة المهمات، لما آلت له الظروف من احتمالات النصر: لم يستطيعوا إيجاد أربعة أخريات على مستوى عالٍ من الجمال إلا خلال عشرة أيام، لكن ذلك اقتضى منهم إرضاء أهاليهن بمبالغ هائلة من المال، ولم يكن ذلك صعباً إلا بالنّسبة للمراهقة الأخيرة "إذ كان شقيقها أجمل منها وأصغر بسنتين وصدف أن كان اسمه مردخاي أيضاً" فلم توافق أمه على التخلي عنه إلا بعد أن دفعوا لها ضعف ثمن أخته. وقدّم لها تعهد أن يسمح للغلام وشقيقته زيارة أبويهما كل سنة. ومن السرقات، ومن خلال شفاه الرواة، وإضافاتهم جرى العمل على انجاز تدوين النسخ الأولية من التوراة، واقتباس نشيد الإنشاد من روايت الروات البابليين، كل ذلك لكي يجعلوا الآخرين موقنين بأن تاريخ بابل من صنعهم، وأنهم يستحقون الانقاذ على أيدي الحماة، وهم هنا الفرس، فما أن ينتهوا من فرية حتى يدعموها بحجة أخرى لاغراء الفرس لتحقيق مآرب الصهاينة كأدوات لا يخسروا هم شيئاً في كلتا الحالتين: وبالرّغم من أن قورش لم يلمح للحرب لكن دانيال كان يعيش أسعد أيام حياته كما كان يردد. لقد أكمل كتابة التّوراة قبل مدة طويلة. وعني عناية خاصة بالشّعر السّومري. ونقله تحت اسم نشيد الإنشاد. وكافأ بكرم فريد كلّ من أنجز نسخة من التّوراة. وكلّ من يحفظ جزءاً منها على قلبه. وبالرّغم من أن النّقباء كانوا يعرفون أنه أبدل كثيراً من الأسماء البابلية والسّومرية بأخرى عبرية أو مختلقة لكنهم كانوا يرددون كما أوصاهم مرّة بعد مرّة إنها من يهوه لا من غيره، وأنه هو الذّي أوحى لدانيال أن يصوغها هذه الصّياغة. عاشوا مع تعليمات دانيال وطبقوها تطبيقاً تامّاً لذا بات تحمُّل انتظار الرّجوع أمراً سهلاً. وعندما بلغ دانيال 97 بدأ انهيار بابل، وكانت الخطة في استقبال الفرس، وتدمير كل ما يمت بالتاريخ .. وعندما أحست دينة بالخطر اختفت هي وجاد، وجاء ذلك بناء على نصيحة قلقميش لدينة .. بأن عليها الاختفاء في الجبل قرب شرقاط،، وهو أمنع من عش العقاب؟؟ ولربما كان توجس دينة بخراب بابل؛ هو الذي دفعها للصعود إلى المخابي في أطراف شرقاط، والتواري هناك: لم يكن الموقع على طريق القوافل، فبالرغم من أنه قريب إلى الشرقاط وهي أقرب قرية مأهولة في طريق الموصل، وأنها لا تبعد أكثر من بضعة أيام عنها، إلا أنه بعيد عن الممر الرئيس إلى الشمال. منطقة صخرية جافة بعيدة عن اهتمام أيّ كان. بينما كانت القوافل تفضل المرور في الضفة الشرقية لدجلة لأنه طريق سهل ويمرّ في كركوك وأربيل. وصلت قافلتهم الصغيرة في سبعة عشر يوماً. (ثم) أشار جمال الساير إلى جبل حمرين: هذا هو المكان. حدّقوا في الجبل. لم يجدوا غير صخور هائلة يميل لونها إلى الحمرة. بدا من المستحيل اختراقها فكيف بالإقامة؟ يتكون الجبل من قمم متعددة مدببة حادّة لا يمكن أن يقف عليها أيّ حيوان أو إنسان.  حدّقت به دينة: أ تعرف كيف تشقّ الطّريق؟ ابتسم، هزّ رأسه: نعم. تعالوا ورائي. (ثم) أخذ جمال المنظر بلبهم، قالت ببار: علينا أن نفكر في البناء. التفت دينة إلى الساير: هل تستطيع أن تساعدنا على إيجاد البنائين؟ نعم. وقبل الختام لا بد من سيرة معلوماتية جديدة: لم يثر الخبر أيّ رد فعل عند دينة إلا بعد ذهاب كيدين. لم تدرِ لماذا أخذ عقلها يعيد الموضوع مرّة ومرة ويحملها على التفكير فيه، ثم برز لديها سؤال ملح: أيتم زواج مثل هذا بخطوة واحدة عفوية كأي زواج آخر؟ أ سبقته إعدادات منظمة؟  (ثم) كانت دينة تحرص أن تصلها أخبار المسؤولين العبريين من قضاة وضباط، وموظفين مدنيين، فلم ترَ ما يسيء قط. كل ما وصل إليها أكدّ حكمة الليمونمو، فقد بدا العبريون بشكل عام طبيعيين منسجمين مع المجتمع، راضين عن القوانين، حالهم حال البابليين جميعاً، لا بل سمعت أن معظمهم يفضلون بابل على وطنهم القديم تفضيلاً كاملاً. ساعدها جاد كثيراً في تتبع أخبار العبريين، فقد استطاع بما وفرّت له من سيولة نقدية وتوصيات في البلاط من السيطرة على سوق الأعلاف. أصبح له زبائن كثر من العبريين الذين تخصصوا في نقل الأعلاف من القرى القريبة إلى بابل،  (ثم) لم تذهب دينة إلى المشفى ذلك الصباح، انتظرت استيقاظ جاد، ورأت دبيب الحياة في البيت الكبير، ابتسمت لتمناع، استيقظت قبل الجميع، أخذت تسخن الحمام لتجهز الجميع ومنهم أولادها الثلاث بالماء الساخن، ثم استيقظت شمّة، وأولادها، وزوجتا جاد وآشير وأولادهما، فجأة امتلأ البيت بالصياح واللغط. لم يمح الزمن تلك الكلمات قط. تظهر بشكل دائم موازية لكلمات التاجر العبري: احذر هذا الشيطان اللئيم، لا تصدقه، ولا تثق به. إنه نبي خرف. نحن هنا في بابل نعيش في نعيم. (ثم) فوجئ باغتيال الليمونمو! دخل قلبه منذ لقائه أول مرة. قال لدينة آنذاك: دانيال قتله. (ثم) فجأة سألته دينة: ألا تظن أنهم سيقومون بعمل ما مع الفرس؟ أنا متأكد من ذلك.

 

وفي الختام نعود للبداية في السياق العام:

إن البرولوغ التقديمي في رواية بنات يعقوب الذي خصصه المؤلف للبحث عن المخبأ .. ورحلة محمود سعيد إلى شرقاط آشور، برأينا لا تنتمي للرواية، وهو باعتقادنا مشروع لرواية أخرى كان على المؤلف أن يختزنه ليتحف القارئ به فيما بعد، فما ميّز هذا المبحث هو أن يقدم المؤلف الرواية بصيغة بالأنا المباشرة، أي بالضمير المباشر .. لعله يشير لمدينة فاضلة عمرتها، وعاشت فيها دينة الهاربة بعد سقوط بابل العظيمة .. فهل توسم المؤلف في هذا المخبأ؛ أن يكون ملجأ أم يوتوبيا .. باعتقادنا أن المؤلف لم يكن ليحتاج لكل هذا التقديم البرولوغي في الحكاية الشرقاطية .. ربما اعتبره المؤلف تمهيداً تصوره مفيداً .. أو ملفتاً للنظر لكي يربط حكاية دينة الصبية العجوز، المعتزلة في منطقة الفتحة .. التي تركت بابل وجاءت لتختفي هنا شمال شرقاط .. بحكايته التي قدمها في الرواية .. وهي في حقيقة الأمر ليست بالتسويغ المناسب للدخول إلى الرواية .. ربما فكر المؤلف أنها حكاية سوف تضيف شيئاً من المصداقية التي يوهمنا بها المؤلف ونسرح مع خياله .. لكننا نرى أن تأثير الحربين على العراق،، ومن ثم غزوه هما الحافز الرئيس لوضع البرولوغ في مقدمة رواية لا تحتاج لتسويغ ما؛ لكي تدفع القارئ للاستمتاع بها .. لنقرأ مع المؤلف ما جاء في وصية دينة  المكتوبة على الصخر: اقرأ. أنت ذو البصيرة والمعرفة والقلم. اقرأ لتعلم من أنا، ومن نحن؟ أنا دينة ابنة الإنسان. سأبقى هنا على الحجر إلى أبد الآبدين. سأخاطب عقل وقلب الكائن الحي الذّي لا يموت بموت الجسد. سأقول لكل حي أن لا ييئس إن كان له أب وأجداد مجرمون كأبي وأجدادي. عليه أن يختار عائلته بنفسه وأن ينتسب للإنسان الخيّر حتى لو كان غريباً. اخترت أنا أن يكون أبي الليمونمو وأخواتي كيدين وكونوك وببار وصوفيا وأسماء إضافة إلى تمناع وشمّة، وتنازلت عن أبي وإخواني لأعمالهم الشّريرة باستثناء جاد وآشير وبنيامين. فعلت الخير لكل طفل متشرد تعس، وآليت على نفسي أن لا أقذف بطفل بريء إلى الحياة ليعاني المآسي، من جوع، واغتصاب، وتشريد، وقتل، لا أريد لطفلي أن يصبح سيداً يستعبد الآخرين، ولا أن يكون عبداً للآخرين. لم أنجب بالرغم من طبيعتي كامرأة تتوق أن يكون لها ولد.

 

مرجع تقييمي لرواية بنات يعقوب

التميز والتنوع:

الرواية الزرقاء هو تعبير آخر لعنوان هذه الرواية التي تستحق أكثر من عنوان لكثرة المدلولات .. وعمق التوصياف، وجذالة البيانات، ولكنني فضلت تعبير الرواية الزرقاء لأن جل اهتمام محمود سعيد وإحالاته مكرسان للون الأزرق، يتوزع على عناصر كثيرة في الطبيعة والأشياء، زرقة الماء، سحر المساء، وصفاء العيون، وتلون الثياب، واصطباغ الآواني .. ومعها تدرجاتا ألوان الزرقة المختلطة بالأخضرار مرة، وبالدفء الحميم للتعامل مع الأمور بشفافية محمود، وزرقة طبيته الهادئة الرقيقة أخيراً، وليس آخراً. لنقرأ عن اللون الأزرق التالي كمثال: مياه زرقاء، تبدو المنطقة العميقة فيها، مثلثة، بعيدة عن الشاطئ نحو نصف ميل، زرقاء تميل نحو السواد، ثم يخف اللون الأزرق تدريجاً، ويتغير في بعض الأمكنة إلى الأخضر، حتى إذ لامس الشواطئ البعيدة قرب مياه الزاب أصبح أشبه بلون الأرض.  لهذا فإن الألوان، وبخاصة اللون الأزرق لها امتيازاً محمودياً .. رغم تكرارها في ثنايا النص، لكنها تأتي عند توصيفها بنكهة مغايرة، وذائقة مميزة عما قبلها، وما بعدها .. في الأشياء التي يتعايش مع الناس ..

 

بعض من العناصر البيئية:

هناك الكثير من العناصر المعنوية هي أبطال في رواية بنات يعقوب: الذباب، الحر، الشمس، العرق، وغيرها .. فهو يتعامل مع هذه العناصر ويشؤها ككيانات واقعية، وليست وهمية .. تشكل ردود أفعال لدى الأبطال .. فلا يكتفي محمود سعيد بالعناية بالألوان، وإنما بمكونات الطبيعة المختلفة، والمختلجة بين ذاته كمؤلف، وبين هواجس شخصياته، وثنايا أحداث روايته: فالشمس؛ تنبعث ذهباً صافياً، ومغيب الشمس له نكهة خاصة .. هي شموس محمودية .. لهابة في الظهيرة، وحنونة عند الغسق، وحزينة لما يبتلعها الأفق، وكأنها محتضر يموت. وقوية بهية عند الشفق .. أما الروائح فإنها تغلب على كل المسميات، ومنها روائح الزهور، والعطور، والتوابل .. بل إن محمود حين يصف مدينة يأتيها من روائحها، ونكهات أسواقها .. وحتى العتمة فهي تشع بأنوار المؤلف بوصفها عالم محسوس؛ ففي الظلام تمارس الأحياء طقوسها بشكل يختلف عما في النور .. أما الأشجار .. فكائنات حية تتنفس .. وتلقي بظلالها على الواقع، وخاصة على من يستظل بها .. فتحميه من الحر .. ومن أعداء غير مرئيين،، وماذا عن الصحراء .. فبالرغم من قساوتها في النهار .. فإنها رفيق حنون في الليل .. تدفئ الراحل بحنان الأمومة .. فالليل ساحر بجماليات يضفيها المؤلف على الأشياء .. فكلها لها ظلال .. ولها درجات من الرؤية؛ وثنايا سحرية تنفتح على الآخر حتى في غياب القمر وفي الليل تحاك المؤامرات،؛ وتنفذ المجازر .. الليل كلحاف يغطي بسواده أفعال البشر، لكن بصماتهم يكشفها نور الفجر .. ولا يبقى لليل دور إلا لو أعطي فرصة قريبة ثانية .. فيما لو لم يتم اكتشاف الخطايا، والعثرات ... وعندما يأتي المؤلف إلى نهر الفرات فهو يتغنى بالماء العذب .. والتيار الهادئ .. والحد الذي لا يتجازه غير المغامر .. كيان متجذر .. وسيل مهيب من مياه لا تستقر .. هو التاريخ؛ وهو البقاء .. وهو الحياة .. له هيمنته على ضفتيه .. لكليهما تبعية له في الخضرة، والارتواء .. الفرات هو هو أينما وجدته من منبعه إلى مصبه .. ينساب كأفعوان صامت .. مختال بجريانه .. لكنه غدار لمن لم يخبره .. ومن هنا من الفرات يخبرنا المؤلف عن الماء فهو الحياة، والديمومة .. ولولاه ما كانت هناك حياة حتى بوجود الهواء .. الماء مادة قدستها الأمم منذ القدم؛ تخشاها؛ وتعبدها، فهي سر سرمدي لا ينضب .. وللماء أشكاله، وصفاته الجمة. وعلى جانب مغاير نرى إلى الذباب فهو لعنة كبيرة .. وآفة لو تكاثرت لهيمنت على الحياة .. تقضم أسواء من الجراد، وتلوث الأمكنة؛ لأنها تتنقل بين الأوساخ؛ والأماكن والأجساد النظيفة .. ليست كالنحل يمص الرحيق، ولا يقرب النتانة .. لكن الذباب حتى في طريقة طيرانه، والتصاقه بالأجساد مقزز رغم أنه لا يلسع. وكذلك الأوساخ والغائط .. أمور طبيعية لابد من المؤلف أن يشير لها لأنه يتعامل مع الواقع المعاش بتلقائية، وطبيعية ..

 

وهناك البشر من الناس:

اللصوص هم مردة باعتقادهم يثأرون لحالهم، لكنهم لا يميزون ما يفعلوه لعدم وعيهم .. انتقامهم يشمل حتى الأبرياء .. ولضيق أفقهم يخربون كل شيء .. ربما عندما يسيطر عليهم الجوع يفقدون الاتجاه، والتوجه .. نفسه، وربما لأنهم كما يوحي المؤلف؛ فهم ثوار من غير تنظيم يجمعهم، أو حزب، ومن غير قيادة، ومنهاج عمل .. ربما يشير المؤلف هنا إلى عبثية الانقلابات التي جرت وتجري في العالم العربي من غير طائل .. إذ سرعان ما يعود الأسياد ليتسيدو من جديد؛ لضعف وتشتت من يقابلها، ولقلة حيلهم .. وهكذا .. فإن التجار بنظر المؤلف في كل العصور هم فئة طفيلية على كاهل العامل؛ والمستهلك. وللملوك في نظره صفة عفن طفيلي مرهون لأسياده، ودمية تحركها أصابع خفية. أما العرافون فدجالون يبتزون الناس .. ولمفسري الأحلام صفات متعددة، فهم يبتدعون حلول كما يرونها لاسقاط عملائهم في حبائلهم لكي يغتنوا. أما الصاغة فعلى الرغم من تعاملهم مع المعادن الثمينة؛ بحرفية ومهارة فنية عالية .. لكنهم لما يبيعوها، يصبحون تجار.

ويتخذ الجنس مساحات كبرى في الرواية: في الحمامات، والقبل بين العشاق، وكثير من السحاق .. ولماذ لا يكون هناك لواط ما دامت النساء سحاقيات، فاين يذهب الرجال .. في مجتمعات البداوة .. لعل أبرز أمر يبدو لي لواطياُ في الرواية وصف المؤلف لعملية مص القلفة من قبل امرأة، وسحبها بأسنانها لترتد كالمطاطة .. ويجسد المؤلف علاقة المرأة بالمرأة جنسياً ليس بإشارات وتلميحات .. وإنما كرس المؤلف جوانب عديدة لشذوذ المرأة، وفصّل في بعض ملامح السحاق؛ ومتى ما استام أمر المرأة تنحو بإتجاه الواقع؛ ولكن من خلال تفاعل مع شله الحقيقة كتعامل شمة مع التمثال الذي لب منها أن تنحته، وتحار في تجسيد عضوه، وهكذا ..

 

رواية تتحدث عن التاريخ برؤية محمود الخيالية

إن العمل في هذه الرواية يبين لنا تواز المعرفة والفن، فهما مترافقان لدى عمل المؤلف بشكل يشبه المنمنمات .. فمن جهة يقوم المؤلف بتتبع ما يحفظه من معلومات متعددة في التاريخ، والسياسية والعلوم الطبيعية؛ والديانات، وغيرها الكثير، فيقوم بوضعها في قالب فني من خلال منمنمات يصوغها بزخارفه، وبشكل لا يكل، ولا يمل من تتبع التفاصيل في تشكيل أية من منمنماته .. وحول أي موضوع يتطرق له، وكأنه يصوغ طوق من الفضة، أو ينسج سجادة سبق أن وضع لها رسومها المفترضة في تصاميم مصغرة، ومن ثمة يقوم بتكبير الصور وصفاً، وتعليقاً حتى تكتمل لديه الصياغة الفضية، أو النسيج الحريري، فيقوم ليعلقها بأعناقنا، أو يفرشها تحت أقدامنا، ومن جهتنا لا نستطيع رفض جوس الحرير المنسوج في صوره الخيالية، والتباهي بأناقة الطوق الذي حوطنا به؛ بتلقائية ومرونة تنساب وكأنها أمور طبيعية يتلقاها من غير معاناة، ولا تكلف .. تلك هي مهارة محمود سعيد في توريط القارئ في أحابيله الفنية، فلا يعي القارئ بما تورط به مع المؤلف إلا عندما يصل الصفحات الأخيرة، وقد أبهجه اللهاث وراء الصفحات مهما طالت الرواية، أو قصرت، فلقابلية محمود الروائية معايير لا يتخطاها من موضوع إلى أخرى، فهو لا يقيس فنه بعدد الصفحات، وإنما بالارتواء المناسب بين اللأحداث، والشخصيات.

ولأن محمود سعيد يقدم التاريخ بما يخالف ما قدمه تولستوي عن التاريخ في رواية الحرب والسلام، فتولستوي سجل وقائعه كيوميات استفاد منها المؤرخون، ولم يكن تولستوي بمؤرخ ولكنه معايش للأحداث .. فإن محمود فلكونه استجلب التاريخ من عمقه الزمني التليد .. ولم يكن ليعايشه .. فإنه استعان بذاكرته الموصلية .. ليسقطه على التاريخ البابلي، والمجتمع والعادات، والتقاليد البابلية، وما تبقى منها في الذاكرة الجمعية الموصلية .. وبهذا يكون قد تعامل مع التاريخ السحيق برؤية ليست بمعاصرة في قرننا هذا، ولكن لبدايات القرن الماضي في العراق بين العشرينايات، والخمسينيات من القرن العشرين، وخاصة بالموصل ذاتها .. فبابل ليست بابل التاريخ، وإنما هي بابل بصياغة محمودية .. موصلية ..

لهذا يمكننا أن نصف نمطية الرواية على أنها حكايات الرحيل من القرية إلى المدينة؛ وهواجس التحول من البداوة إلى المدنية ..

أما معمار رواية بنات يعقوب فإن لمحمود تصور لنا معماراً متخيلاً .. وتوصيفاً للديموغرافية، ورسوماً للجغرافيا بنفس يتناوب بين المؤلف والتاريخ. الواقع والخيال. يرسم مسالك الطرق .. ويغور بنا في متاهات الصحارى .. والوديان .. ويدور بنا في أزقة المدن، لهذا حق للمؤلف أن يخلط التداعيات التاريخية والجغرافية في وصفة محمودية .. ورغم قصر الجمل، لكن السرديات  المحمودية تغور في تفاصيل ممتعة، تشع بإنسايكلوبيدياته المترعة، خاصة، وإنه رابع ف ابتكاراته في وصف الشيء لكل مرة بنكهة مختلفة، وبقريحة فياضة، وخيال لا ينضب ..

 

المجتمعات العراقية القديمة:

يقول الباحثون في ثقافات العراق القديم، وعلى مدى تلك الحقب فإن البابليين والآشوريين لا ينتقومون من أسراهم، وإنما يدخلونهم في لحمة المجتمع، ويوزعونهم على مراقف الأعمال، الضباط للجيش الفلاحون للمزارع، والعمال للعمل، ولم نسمع بذلك عن البابليين أنفسهم، فإنهم كانوا أقوام متجانسة، ويستفيدون مميزات الأقوام الوافدة،، وممن لهم ثقافات مختلفة للتقارب والتناغم .. وهذا ما حدا بالليمو نمو المحمودي اقتراح توطين اليهود في مستوطمة زراعية خاصة بهم قرب بابل العاصمة ..

أما ما ورد بخصوص سميراميس فقد كانت زوجة نينوس، وهي التي حفرت الترع قبل نبوخذ نصر، وكانت شرائع إيشنونا هي الحاكمة قبل حمورابي ..

لأن أصول العبرنيين، وأبوهم إبراهيم الخليل فإن إبراهيم نفسه كان كلدانيا، ولم يكن عبرياً، بل إن اسم العبري جاء من كون أن قوم إبراهيم كانوا رحل يعبرون المسافات للرعي فسمويو بالعبريبن مثلما سمي العرب،،،

إن التجاء المؤلف للتأكيد على بنات يعقوب في روايته، وليس أبنائه فإن من الضروري توضيح أنه في العقيدة العبرانية أن المرأة هي أصل التوريث لهذا فإن بنات يعقوب عدن إلى بابل لكي ينكحوا، ويزيدوا من أبناء أمتهم، ربما كانت حنكة من المؤلف، أو فجوة فاتته الإشارة إليها، والتأكيد على هذا المبدأ، وجعله يتمثل في براءة التصرف، أو الخوف من الغدر، وكراهية الترحال .. لعل المؤلف بتأكيده على هامشية المرأة في المجتمع اليهودي، رغم اعتبارها بستان الأمة التي ترعى الأجيال القادمة؛ فإنه بذلك يرمي لشرانية الرجال، ومنهم المتنبؤون والعرافون من أمثال يعقوب، ودانيال، وحزقيال، وغيرهم .. أما يوسف بن بعقوب فقد جعله المؤلف في عودته إلى بابل ليكمل مسيرة أبيه في النبوءة، والتنبؤ، وتفسير الأحلام، مثل دانيال، وحزقيال، وهو الذي تأكد بأنه كلداني، وليس بعبراني لهذا بذل نبوخذ نصر وسعه على الانتقام من أولاد يعقوب، وغزوه القدس، وإريحا ..

لعل ما جاء في القسم المخصص للمذابح التي قام بها العبرانيون مع قرية حمور هو مثال صارخ أطلقه المؤلف كمدخل لتسويغ مجريات الرواية .. وهو بذلك يشوقنا بحوافز لما لم نقرأه من قبل .. ولكن المعلومات التي يستقي منها المؤلف لا تتجاوز التوراة، والقرآن .. بينما هناك حيثيات علمية معاصرة تتحدث عن وادي الرافدين بفرضيات جديدة .. فالرواية الأسطورية التوراتية أخذت محمود بعيداً في تصوراته، رغم عمق تحليلاته، ولكنه وقع في شرك الرواية التوراتية حتى وهو يقلب بعض مساقاتها .. ومنها أشكال الاستغلال البدني من تسخير في العمل، إلى تسخير في الجنس، والمبالغة في الشذوذ بين الجنسين، وبين الجنس ومثليه ..

إن النظام العبودي بأشكاله البدائية .. ومن خلال شرائع البابليين المحمودية، والتقسيم الطبقي في بابلي التي كان فيها نظام من العبودية جمعت عليه مختلف الشرائع الأكدية والبابلية، ولعلنا بهذا المجال نشير إلى ما جاء في مقالة بعنوان "تنظيم الأسعار في التشريع العراقي القديم" يقول "زهير خضر ياسين\ آفاق عربية ع2 س4 1978" الذي يقول: بصورة عامة يمكن القول أن الأقوام التي سكنت العراق كانت قد بلغت درجة عظيمة من التطور الاقتصادي السياسي، والاجتماعي. وهذا التطور برز وبشكل شديد في ظهور الأشكال الأولية للدولة. ولكن طبيعة هذه الدولة الطبقية تبرز أساساً في سيادة المجتمع العبودي والقائم على امتلاك الرقيق والعبيد في كافة الأعمال، لذلك صرنا نرى هناك طبقات مسيطرة، حاكمة، وأخرى مسيطر عليها ويمكن تحديد الوضع الطبقي في تلك المجتمعات على النحو التالي: طبقة الحكام ورجال الدين .. وهي الطبقة الحاكمة والمسيطرة. طبقة مالكي العبيد والتجار. طبقة العبيد ().

لهذا لم نر واضحاً أياً من هذه الأنظمة، سواء في الطبقات، وبخاصة طبقة الكهنة المتحكمة، وجهة ثانية لم تكن للمعايير الوزنية ثوابت في النص المحمودي، وحتى المقاييس المساحية فقد خلط في البداية بين أنظمة ثلاثة، المتري، والإنجي، والالذراعي حتى استقر في النهاية على الذراع لا الباع، أفتر، والشبر كما نرى هنا: الأخطاء في المقاييس: كم، وميل وذراع: هي فتر، وشبر، وذراع، وباع ..

الخلاصة:

فبعد معاشرة دينة وشمة لأبناء حمور شكيم، ايتان في القرية المتاخمة لمضارب خيام آل يعقوب المهوس بمعبوده يهوا: وبزفافهم يشترط يعقوب ختان أهالي القرية الغلف .. كشرط لاتمام الزفاف .. وهي فرصة للتخلص من رجاء، وأطفال القرية والسطو و على كنوزها .. ما عدا تلك التي وهبتها الطبيعة، وأخرى التي صنعها المهندس العبقري الليمونمو مستشار الملك نبوخذ نصر .. وتتم الغيلة بجريمة سفح نكراء .. هولوكست عبراني متكرر مع كل الشعوب المحيطة .. مادام يهوا شهوانياً للدماء .. وبانتهاء الجريمة الكبيرة .. تهرب دينة، وشمة وبسمة مع كنوز القرية من أهلها الذين استعدو للرحيل لبقعة أخرى لدواعي الرعي .. ما داموا قد اغتنوا بقطعان ماشية بلدة حور .. وأهاليها الكرام ..

وفي رحلة من القرية إلى المدينة نرى مع دينة، وشمة، وبسمة ومن خلالهن أهوال السفر في بيئات مختلفة .. وضمن أحواء متعددة بين التنكر بأزياء الرجال، وبين المجتمعات التي زرنها .. الرحلة من بوادي .. وتجمعات بدائية في قيمها .. إلى حواضر .. ومدينة متطورة في بابل .. قبلة العالم كله في علومها وأبرزها علم الفلك .. وفي الكتابة؛ وفي التاريخ.

عرض وتقييم: الدكتور فاروق أوهان

.......................

الهوامش:

(1) صدرت عن دار فضاءات للنشر بعمان 2006. (2) باحث؛ ناقد؛ قاص، وكاتب مسرحي.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2515 المصادف: 2013-07-25 06:28:19