المثقف - قراءات نقدية

النكوص على العقب في نطّة الضفدع (1) .. رواية محمود سعيد

faroq ohanتمهيد: بانسيابية بسيطة، كأنك تحدث نفسك يأخذك محمود سعيد إلى عوالم مملؤة بالخيبات، ومعها يمزج الفرح بالانكسار، ومن خلال دقة متناهية في متابعة توصيفاته في الألوان، والمواد، والطبيعة؛؛ يسحرك بمتابعته، وتغوص في ثنايا الموصوف فلا يخلو تعريفه بشخص من تشكيل إهابه بنوع ملبسه، ولونه، وصفاته الجسدية الظاهرة، أما المرأة فلها نكهتها الخاصة لدى المؤلف، وبخاصة لو أمالها لتكشف عن نهديها، وساقها، وكثير ما يستفز المؤلف القارئ بجماليات الجنس الراقي؛؛ ويعري النفس المستأنسة معها، والشريدة عنها، ولا يخفي نوازعها حتى في أزماتها، فالجنس مثل غرائز أخرى كالجوع، والعطش لدى المؤلف، لا يخشى الكشف عن مفاتن الجسد؛؛ لأنه موقن بأن ما يعرضه ليس إلا الواقع، وبجمالية واقعية، فلا حياء مادام ما يقدمه فيه الراقي من المعاناة، والاحتياج حتى الهياج؛ ولكن بلا ابتذال وإثارة رخيصة؛؛ فما أجمله وصف نورالدين وهو يتلصص على فاتنة تمارس الجنس، وهو يراها من نافذة تخفي أجزاء كثيرة منها، وكأن المؤلف يصور الحالة، والمعاناة قبل التركيز على الجنس، حالة تحصل لكل فرد، حتى وهو يتضور جوعاً، ويخاف أن يموت بين لحظة وأخرى؛؛ ورغم حالة نور الدين المزرية، واليائسة، بل والجوع والظمأ؛؛ فإن منظر النافذة يسترعي اهتمامه فينسى كل شيء ما دام دمه قد فار، ولا يهدأ حتى يفرغ شحنته،؛؛ إن التصوير السينماتوغرافي الذي ينبري المؤلف لالتقاطه من خلال ساتر، وأجزاء نافذة؛ هما الجزء المشوق، والملفت للنظر في تصور المؤلف للحالة بين الخارج الخشن، وبين الداخل المملؤء بالدفء، وممارسة الحب بكل هدوء، واتزان، ولامبالاة؛؛ ورغم أن حالة الحرب هي التي خلقت مثل هذه العلاقات، وهذه الحرية؛؛ فإن ما صوره المؤلف لا يعدو عن التقاط لوحة فنية من الواقع المؤسي ليضعها في إطار روايته، بفنية مملوءة بالصخب، والأحاسيس خارج الجدران، وداخل الدار من خلال نافذو مهدمة. في الخارج هياج وخوف، ورغبة مكبوتة، وفي الداخل استرخاء، وتوق للمزيد، وإبهار بما للجسد من فنون؛؛ ومجون؛؛ مما يهيج نورالدين المنفعل بالاستمناء الذي مارسه غير مرة؛؛ ومع هذا فنورالدين هو غيره في مواقف أخرى مع النساء؛؛ فعند الجد تكون غيرة نورالدين أقوى من غريزته، وفي خياله يرى دنيا أجمل من كل نساء الأرض، فيسترجع مشاهد السليقة مع ابنة الجارة لخالته؛؛

رحلة نورالدين وذنون لم تكن سهلة كما رواها المؤلف ظاهرياً، وإنما استبطن محمود سعيد الهواجس، والخوف في مشاعر مخفية، تبرز في بعض الأحيان بين مماحكات الصديقان، أحدهما يشجع الآخر، ويفكر عوضاً عن الآخر؛؛ فتليها القفزة لموقع آخر، وموقف مغاير، ولكنها كلها تدور في محور واحد بين الهروب، والسعي للاغتراب، والمنافي الخيارية؛؛ ومع هذا يستسهل كلاهما ما حصل لهما سواء لما عبرا الحدود العراقية، وحتى خشيتهما من متابعة الظل الذي اقتفا أثرهما في القطار من قامشلي إلى حلب في قطار طوروس؛؛ ومع هذا لم يلاقيا مشاق حتى وصلا بيروت، فإن تدرج الأحداث، ومرور الشخصيات لم تأت محشورة بل بكل عفوية، وكأننا نرى إلى حال أي مهاجر، ولربما أي مسافر؛؛ يتعرض إلى الكثير من المواقف، والمقالب؛ والمؤامراة، ويرى إلى أشخاص، بمختلف الأعمار، والمستويات، والمهارات، فنحس بانعكاس الكثير من التداعيات في حواراتهما، وفي تقلب الأمور حولهما، هم يرياها هكذا لأنهما غريبان، ولكن الواقع في نظر من حولهما مستقر، بل وممل حتى وهما يُتفزان مما يحصل لهما عندما تنفجر قنبلة، أو يسمعان صليل الرشاشات، بينما يبرر من حولهما الوضع، بل ويبتكر حالة حياتية فيها شيء من الأمل؛ أو يحيلها إلى نكتة فجة، ومنهم من ينبري لمعلومات بما فيها معرفة المواقع، ومصارد النيران، وحتى رائحة العشب، والتراب الممزوجان بالبارود؛؛

 

لا حدود للهروب

الضياع لدى المؤلف يبدأ من رسمه للهرم الذي قاعدته دجلة، عند مدينة الزهور "الورود" وقمته مع هامة منارة الحدباء التي تنذر بالسقوط منذ قرون، لكنها ومنذ بناها المعماري الأشهر مائلة وهو يبتكر معمارها؛؛ بجمال خلاب ميزها ومدينتها بالأحدوبة الغراء؛؛ هذا المعماري لم يكن ليعني أي نوع من الضياع في منارتنا الجميلة بل هكذا شاءت الأمور؛ أما الضياع الذي دوّخ الشعب العراقي فهو استهلاك دماء الشباب على جهتي الاقتتال المحلي بين القوميتين الأخويين، وحتى في الحرب الطويلة الطاحنة مع إيران؛؛ طحنت في أوارها أبهى الشباب وأكملهم رجولة؛؛ بل إن العسكر يدفع بالخريجين منهم إلى الأمام ليتخلص منهم؛؛ ربما لغيرة بين المتعلم والجاهل،، والضياع لدى هؤلاء الشباب أنهم يعرفون أن كل يلتحق منهم بالجندية؛ لا يضمن تسريحه في وقته المقرر، وإنما عليه الانتظار لسنين حتى ييأس، وتنتهي آماله؛؛ بل ربما تتلاشى آماله وهو يتوسط بندقية، ويحتضن صخرة؛؛ لهذا فالضياع يترسم في ثنايا شابين هما عينة من هذا المجتمع المجالد على القهر والهم؛ والمتصابر على ابتلائه بسلطات جائرة متوالية؛؛ من الضياع هذا يريد الشابان نوالدين وذنون النجاة من نيران الحروب؛؛ فقررا التحدي بالهجرة التي تخيلاها نزهة؛؛ لم يمارساها بل سمعا عنها؛؛ مغامرة ظناها نزهة؛؛ لما سمعاه من أخبار من اغترب، ووصلت أنباء عن وصوله لدنيا الغرب وجناته، والأهم هي الهوية، ووثيقة السفر "الجواز"؛؛ ذلك هو محور سعيهما، وتقبلهما لكل المظالم، والمواقف، وحتى الاهانات؛؛

ومنذ الخطوة الآولى لاحقتما الخيبات حتى وصلا بيروت، فرأيا إلى الخيبات في مطاحنات الجبهات، وكأنها تمارس الخيبات العربية على رقعة بلد صغير ابتلى بحروب دامت عقد ونيف، وقاسى من التشرذم، وتبعات التصنيفات، والاحتراب على لا شيء، ولعل ما صوره المؤلف في تقاسم الجبهات لبيروت بالذات؛؛ لم يكن سوى إبراز لضياع العرب، وخيباتهم حتى وهم يحتربون، ولا يعرفون مع من، ولمن، ولماذا؛؛ يتقاتلون على المواقع بلا غنائم، ويفخرون بكثرة الضحايا، وينتشون لنصرتهم على أخوانهم؛؛ بينما العدو الخارجي بكافة أشكاله يمارس إيغالهم في الحرب، ودفعهم لكي يغوصوا فيها أكثر فأكثر، في وحول ودماء،، وأشلاء تتناثر بلا مستقر، أو قبر؛؛

من هنا عقد المؤلف مقارنات بين ويلات الشعوب العربية في كل بلد، ورغم اختلافها في التفاصيل، لكن لكل منها بؤسه المميز، ومعاناته الخاصة من سلطة بلده، لهذا لا يفرق المؤلف بين تلك السلطات، وبين أمراء الجبهات، فهي أنموذج لتلك السلطات؛؛ أما الانفلاتات خارج سياق الأخلاق العامة والمتعارف عليها، فقد ساعدها استغلال ظروف الحرب، فبدت طبيعية، وكأن الفوض هي القاسم المشترك في كل الأماكن حتى في الملاهي، ومع هذا لا تسترعي الحرب بخرابها اهتمام الناس ربما لتعودهم على الحالة، وسعيهم للتعايش معها، وكأنها أصبحت جزء من حياتهم، وصار الدم، والنار مختلطان في الواقع، وفي الأحلام، واعتاد الناس على ممارسات لم يكونوا يعرفوها من قبل؛؛ 

في هذه الظروف تظهر جدلية المسألة عمن هو المسؤول، ولمن يكون الانتماء؛؛ ولما كل هذا الجزع، والخوف، ولماذا يُفقد الناس، ويموتون من غير علامة استفهام؛؛؛

ورغم كل هذه التداعيات يظل أمل البطل نوالدين معلق بالحصول على جواز سفر لكي يضمن الحرية، ومع أنه تنفسها لعدة مرات، مرة عند عبوره الحدود في ربيعة، ومرة في الشام، وأخيراً في بيروت؛؛ لكنها كلها كانت حريات قياسية بالنسبة للقيود التي تحيط بالفرد العراقي، ليس كحدود مرسومة، وإنما كنوع من أنواع الاستعباد الذي تمارسه السلطة على الشعب العراقي بحجج مختلفة؛؛ كلها تنضوي تحت الوطنية، وتحرير فلسطين السليبة، الزعم الذي ملت منه الآذان، وقرفته؛؛ وشماعة تعلق السلطات كل ذنوبها؛؛ وجرائمها عليه.

 

الطقوس المحمودية

تحاط كل هذه الأجواء بنسيج المؤلف المعتاد في رواياته، فهو لا يترك سانحة، إلا ويضع لها بصمات بتآني، وتفاصيل؛؛ يكسبها نكهته الخاصة؛؛ للغيوم ألوانها، وللشجر روائحه، وللناس قسمات، وسمات، وقامات؛؛ وحرف، وعندها كلها، ومع طقوس محمود سعيد المتأنية في السرد، والوصف، واسباغ الحالة على الجو، وتوظيف الشكل لمضمونه المناسب في كل طقس؛؛ لهذا لا تأتي التوصيفات قسرية، ولا الجمل معرفية فجة، وإنما هي كنسمات تنساب من خلال المواقف لتدعم الحالة، وخصوصيتها؛؛ فيعتري القارئ هاجس في داخله يقول وهو يستمتع بالقراءة: هذا الواقع أعرفه، وهذه الحالة أعرفها، أهي بهذه البساطة؛؛ ما أسهله من أمر أن يكتب أحدنا سيرته، ولكن هيهات فالقلم يستعصي على الكثيرين ممن لو حاولوا وضع القلم على الورقة عجزت عباراتهم عن القدوم والتواصل؛ فيسقطون في إنشائية، وكأنهم يكتبون رسائل لأنفسهم، أو لذويهم؛؛ تلكم ملكة الإبداع التي يعرفها الفنان في كافة الفنون الأدبية منها، والفنية، وهي لا ولم تأت بعفوية وسهولة، ولكنها بالموهبة أولاً، وبالجد، والمثابرة، والمصابرة والاستمرارية؛؛ وولطالما ترن في أذني مقولة تشيخوف البارعة؛ بقوله: إن ميزة الكاتب ليس بعدد الصفحات التي يكتبها، وإنما بتلك التي يمزقها؛؛ فكم مزق كتاب القصص والرويات مسودات كتبوها، ورموها في النهر غير آسفين؛؛ لأنها لم تصل لذروة المعنى الذي ارتأوه، وبالشكل الفني المناسب للمضمون؛ هكذا يسحرنا محمود سعيد في رواياته؛ قصيرة كانت مثل نطته الضفدعية، وطويلة مثل بنات يعقوبه؛ لا الأولى تشعرك ببرقية الرسالة، ولا الثانية بالملل.

 

مراجعات من خلال القراءة الأولى

علينا أن نسترجع عبارات المؤلف في كل مرحلة لكي يكون القارئ غير المطلع على الرواية على بينة مما نقول، وما نستشهد به من دون مواربة، ولا زيف، لإضفاء فاعلية لمنهاجنا العملي التطبيقي؛ والطريقة التي بدأنا انتهاجها مع أعمال محمود سعيد وهي تأثير القراءة الأولى على المتلقي؛؛ وهي تتشكل في المرحلة الأولى للإندهاش ومصطلحه طريقة فوهان في الدهشة التي يتركها العمل الفني على المتلقي منذ الوهلة الأولى؛؛ ربما يكون هذا المنهاج أبلغ تقييم لعمل المبدع في أكثر من زاوية؛؛ وتكون طريقة فوهان أكثر عملية من الإنشائية؛؛ أو غيرها من مساطر النقد التقليدية:

 

صفعة الدهشة

المطلع:

من بهاء المدينة العريقة موصل الحدباء، أم الربيعين، وعلى الضفة الشرقية بعيداً بين دجلة، والخوصر يجلس نور الدين، وذنون على الساحل يتأملان حوافي الأفق، وينظران لأفقهما المجهول، وهما بين المطرقة والسندان، وكلاهما مطالب بواجب كان وطنياً؛؛ فأصبح قصاص يثقل الكاهل؛؛ لأن كل من يدخل الجندية لا يعلم متى يعود لحياته المدنية، وتتعطل معه الحياة، وأمور مستقبله؛ بل ويضيع شبابه؛ ولا يخرج من الخدمة بغير أن يكون إما كهلاً؛ أو بعاهة؛ لهذا يرى كلاهما واقع المدينة ليس كما يراه الحاكم المستيد؛؛ وأعوانه من جلاوزة السلطة؛ ويعرف كلاهما كما الآخرين أنهما حطب لوقود الحروب التي لن تنتهي؛؛ فما هذا الطالع المشؤوم الذي ينتظرهما كقدر؛ لهذا قررا أن يصنعا قدرهما بأنفسهما؛ وهذا القرارا بحاجة لتأمل كاف؛ في لحظات غسق أم الربيعين الذي سيتأسيا على فقدانه في الوقت القريب، ولن يكون لهما نصيب في رؤيته في وقت قابل؛؛ ومع هذا فعليهما أن يقررا: يتسلّل الضّوء من بين المرتفعات، يصبغ الكون بذلك الألق الشّفيف، فتُطلّ معالم المدينة العتيقة الضّاربة في القدم شبحاً من أشباح الماضي، منتصباً في تراكم أبنيّة قديمة تعلو وتهبط لتأخذ تشكيلها النّهائيّ كمثلّث قاعدته دجلة، وقمّته منارة الحدباء المتعبة، ترنو إلى الأرض باعوجاج مخيف يخيّب ظنّاً دائماً قديماً لقرون عدّة بسقوط كارثيّ  محتمل لم يحدث قطّ.

 

القرار:

عليهما إذن جمع النقود؛؛ بعمل ما، فما هي الوسيلة لكي يجمعا المال؛ ومن أين لهما غير العمل؛؛ ولما لم يكونا يتقنا شيئاً من مهارات العمل؛؛ فأسهل شيء هو العمل الذي لا يدقق صاحب العمل بغير قوة العضل، وهو متوفر في نورالدين؛ ولكنه ربما بعيد عن ذنون؛؛ ربما يكون لتوسط نور الدين لدى من يختاره من أرباب العمل نصيب لكي يكونا معاً، فمصيرهما مشترك منذ قررا الهجرة؛؛ وهو سر يمضرانه على أقرب الناس؛؛ وحين تبدأ الرحلة في المياومة، وبذل أكبر جهد للاستمرار في ذات العمل؛؛ كان عليهما أن يبصرا على العناء بغية الحصول على نقود لكي تساعدهما تلك النقود على الفرار من جحيم بصورة جنة؛؛ لنرى إلى نورالدين وصاحبه ذنون في وصف المؤلف للموقف: يُقرفص نور الدّين وذنّون على رصيف الشّارع مع آخرين، في تجمّع العمال اليوميّين (المسطر) ينتظر من يختارهما. في هذا الفجر كان في دوّامة مع حلم تكرّر بضع ليالٍ، ما إن يضع رأسه على الفراش. حلم يدوّمه، يلفّه بسعادة لا نهائية، لكنّه هذه اللّيلة أصبح أشبه بسلسلة طويلة ما تنتهي حتّى تبدأ من جديد. وحالما تتجمع لديهما بعضة نقود؛؛ اعتبراها كافية؛؛ ولكي لا يباغتهما الوقت، وتحاصرهما الأسئلة، والملاحقات، ودق ناقوس الاستدعاء للجندية؛ تبدأ الرحلة من قرار هروب نور الدين وصديقه ذنون: قال ذلك، ثم أضاف: أنتما حريّصان، جادّان، سأعرض عليكما عرضاً لن تندما إن قبلتما به. شمس الظّهيرة اللاهب يذيب الإسفلت. المقهى خالٍ إلا من الثّلاثة وشاب رابع يتمدّد على تخت، تحت مروحة سقفيّة تجلب هواءً ساخناً، يصعب تحمّله، حدّق به نور الدّين. كيف يستطيع أن ينام في هذه الجهنم؟ يأتي صوت ناظم الغزالي من مذياع المقهى هادئاً، لا يعكّر الكلام: "يا خشوف التجي من عانة." بينما يكاد الشّارع يخلو من المارّة كليّة إلا من مروق سيّارة بين الحين والحين.(ثم) يقهقه الرّجل بقوّة: ظننتكما أنهيتما الخدمة العسكرية، أيّ قيد مؤلم؟ قلت، هذان عاملان نشيطان، مثقّفان، يستطيع المرء الاعتماد عليهما، لكن مع الأسف. وبمناورات ينسجها المؤلف يصلان إلى ضيعة ربيعة؛ وهما في حالة ضياع، وألف سؤال يكمن في داخل كل منهما؛؛ وعندما يعلو صوت أحدهما؛؛ ويرى الآخر ما يشوبه من قلق، وفيه شيء من الخوف؛؛ ينبري لطمئن رفيقه، ويبرر له الحالة التي مرت، ولربما تسويغ لما سيلاقيانه في دربهم الطويلة التي لا يعرفان لها نهاية؛؛ ولكنها مع هذا قد بدأت؛؛ وخطو معاً أول الخطوات؛ بجرأة، ولامبالات؛؛ بل هما استسهلا الحال برغم المجازفة والخطر: تلوح ناحيّة ربيعة على الحدود السّوريّة العراقيّة في مرمى النّظر، بيوت حديثة، شوارع جيدة، لكنّها مليئة بالأوساخ، يهتف نور الدّين: ظننت البيوت هنا من الطّين، لكنها حديثة.

من هنا يبدأ المؤلف تعريفنا على شرائح المجتمع العربي؛ بكافة تلويناته، وأعماره؛؛ وما يمكن لمن يرى أغراب، ومقطوعين عن الدنيا، وليس لهم من سند. يقوم المؤلف بتشريح الأنماط التي غالباً ما يصادفها؛ أي زائر،، إنها هي التي تلتقطه؛؛ فمنهم المستغل، والمراوغ، والسارق، والجاهل، والمتصيد؛؛ وهكذا يحاول المؤلف تعرية الأنماط؛ لخلق جو يتناسب وحالة الهارب؛؛ أو المتخفي عن مسألة ما؛ يخالها معروفة لغيره؛؛ أو يخمن أنها سوف تنكشف لا محالة؛؛ وتبدأ رحلة التعرف على النماذج الاجتماعية العربية بصبيان يلاقيانهما في ربيعة: مع نهاية بيوت القرية، وجدا طفلين في السّادسة أو السّابعة من عمرهما، حافيين، في دشداشتين متسختين، إحداهما مخطّطة بالأزرق، بينما كانت الثّانيّة بيضاء حال لونها إلى ما يشبه التراب، يلعبان الدّعبل (كرات زجاجية)، ابتسم نور الدّين، همس: عثرت على الطّريق.(ثم) لمعت أعين الطّفلين، في عيني أحدهما حول بسيط، بينما كان شعر الثّاني محلوقاً بالموسى، شدّت يد الأحول على قطعة النّقد، ابتسم: أأنتما معلمان؟ (ثم) ثمّ طفقا يركضان أمامهما نحو الحدود، قال نور الدّين: لا أصدق أنّ الأمر بهذه السّهولة، إذن لهرب نصف المطلوبين للجيش.  ولا بد أن تتعرض ظروف الهاربين؛؛ ممن يترصد لهم من عسس يعرفون كيف يبتزون الغريب؛؛ ما دام لا شاهد هناك؛؛ ولا مسؤولية مباشرة؛؛ فرجال البوليس في الوقت الذي يفترض بهم حماية المواطن؛؛ ومعرفة خفايا الأمور؛ لتوصيلها إلى المسؤول؛؛ يقوم الشرطي بفعل من يتعامل مع السارق؛ وله تبريراته الخاصة؛؛ ربما ضألة راتبه الشهري، واعتبار الغرباء لن يفتنوا عليه من جهة؛؛ وأنه قد ساعد محتاج وقع دخيلاً بذمته من جهة ثانية؛؛ كثيرة هي الحجج والتبريرات التي يخلق الفرد لنفسه؛ لكي يقدم على عمل يتنافى وواجبه الذي أوتمن عليه؛؛ إنه سيناريو لا يختلف في أي بقعة من بلاد العُرب: التفتا إلى الوراء، رأيا شرطيّاً سوريّاً معبس الوجه، على دراجة هوائيّة، يتقدّم نحوهما، همس ذنّون لصاحبه: سوريّ؟ (ثم) هتف الشّرطي: لا تتشاطرا بالكلمات! أين جوازاكما؟ يالّلا، بسرعة! هيّا، هيّا. (ثم) سحب مسدّسه، حدّق بهما وهو في أقصى حالات الغضب، تراجع إلى الخلف قليلاً، رمي الدّراجة على الأرض: لا بد من تسليمكما إلى وزارة الدّاخلية. (ثم) ثبت نور الدّين في مكانه، لحظ ارتباك ذنّون، كلام السّائق يرنّ في أذنيه: (مئتا ليرة سوريّة تفتح الطّريق أمام كلّ شيء، لا تخجلوا من الرّشوة) مدّ يده إلى جيبه. قلبه مازال يدّق، أخرج مئتيّ ليرة، مدها نحو الشّرطي.  تفضل خيّو. وما أن يتخلصا من مأزق؛؛ ربما بلباقة اعتقداها؛؛ أو بعنجهية مارسها نور الدين؛؛ لكن الشرطي نفسه؛؛ قد ضحك عليهما في سره؛؛ ومضى مغمض العينين، وهاهي تلكوجك ترنو إليهما بغبارها، والجلبة المختلطة حولهما: يحدّقان بالمدينة، لا يشاهدان إلا القليل من معالمها، الغبار يتصاعد غيوماً تسدّ الأفق، تغطي قرص الشّمس في أقصى الغرب، قطعان الماعز، الأبقار، الأغنام، قادمة من الرّيف، تندفع راكضة نحو المدينة، أصواتها المتداخلة، رنين الأجراس في أعناقها، صراخ الرّعاة ،منبهات السّيّارات، تحذيرات النّاس بعضهم لبعض، همهمة متداخلة تسيطر على الجو، تسود الكون، على بعد نحو مئة متر من المدينة تهبّ رائحة البعرور يابسة، مختلطة بالتراب، تملأ خياشيمهما. ومن جديد نلتقي الآن بشريحة أخرى؛؛ وهي في عالم سواق السيارات؛؛ وخبرتهم في كيفية التعامل مع المسافرين؛؛ وفراستهم في كشف بواطن المارة؛؛ وما هي وجهتهم؛؛ فعلى الرغم من أن المساعد الذي ينادي الزبائن هو الأقرب من معرفة أنماط المسافرين؛؛ وهو الذي يمكن له أن يخمن؛؛ لكن السائق يعرف كيف يخمن حتى وجهة المسافر قبل ركوبه؛؛ وما هي معضلته خصوصاً في بلدة حدودية مثل القامشلي؛؛ لنرى إلى سائق التاكسي في القامشلي كيف يكشف سرهما؛؛ ويلقى عليهما حكمة صارت ثيمة المؤلف في الرواية؛؛ أو أنها الثمية التي قوّل المؤلف أبا عزيز على روايتها؛؛ وهي حكاية الضفدع، والسلحفاة؛؛ ومع أن نور الدين وذنون نطا كالضفدع؛؛ لكننا لم نمر من خلال أحداث الرواية على السلحفات؛؛ ربما رمى المؤلف إلى مسيرة المجتمع العربي البطيئة؛؛ وافتراض أن هذه الشعوب سوف تصل إلى هدفها في يوم ما؛؛ خارج التاريخ: يبتسم أبو عزيز، بشرة بيضاء، تقاطيع مكدودة: تفوح رائحة الشّاي المهيّل، يبتعدون والكؤوس بأيديهم، ينظر الرّجل الوسيم نحوهما، وابتسامته تفيض على العالم: خيّو تريدان الذّهاب إلى القامشلي؟ (ثم) يغمض نور الدّين عينيه على داخله. قلبه يدّق؟ كيف يقرأ النّاس ما في رأسيهما بمثل تلك البساطة! لابد أنّه راقبهما. تمالك أعصابك، لا تقلق، لا يمكن أن تجد مثل هذه الابتسامة اللطيفة عند مدسوس! يضحك نور الدّين ضحكة قصيرة: كيف عرفت؟ (ثم) لا تعجل، سنصل. سنحقّق كلّ ما نريد، قرأت في قصص أطفال أن الضّفدع تحدى السّلحفاة في سباق. قال لها سأسبقك لأنّي أنطّ وأنت تزحفين. قالت له: أنت تنطّ ولا تفكّر أين تسقط، أمّا أنا فلا أسير إلا إن رأيت موقع قدمي، وأصل إلى هدفي دائماً. ضحك الضّفدع: حتى أنا، لنتسابق حتى تلك الصّخرة على حافة المستنقع. أتحدّاك إن سبقتني. وفي لحظات تجاوزها الضّفدع، كان يقفز بسرعة، بينما كانت هي تمشي على مهل، لكنّه في إحدى القفزات وجد نفسه يقع في المستنقع ليتلقفه حالاً ثعبان الماء ويبتلعه.ابتسم ذنّون: حسنا لنكن سلاحف إذن.

 

تداعيات:

ومهما تكن الظروف التي يمر بها الفرد؛ فلا بد لأحلامه المهوس بها أن تراوده، وتعاوده بين فترة وأخرى؛ ولهذا فإن أحلام نور الدين المتكررة بدنيا هي ديدنه؛ وهوسه؛ ما دامت دنيا تمثل أجمل فتيات الأرض؛ وليس لها بقرينة؛؛ دنيا التي تعايش معها فترات بداية نضوجه، وتبرعم رجولته؛ وهو التي لم يكن ليقاوم جاذبيتها؛؛ فيتخيل طقوس لقاءاتهما؛ وبخاصة الطقس المطول لعمل السليقة المختصة بها أهالي الموصل؛؛ وهم يحضرون للموؤنة الشتوية؛؛؛ فمن السليقة وهي الحنطة المسلوقة؛ والمجففة بنار الشمس الكاوية على سطح أرضيته من الجص؛؛ تتكون أصناف البرغل بأحجام مختلفة بعد طحنها بمكائن معدة لهذا الغرض؛؛؛ إن عملية نقل السليقة من أرض الحوش إلى السطح؛ ومن القدر "القزان" الكبير إلى السطح بين خالة نور الدين في أسفل الدار؛ ودنيا في السطح؛؛ هي فعالية مثيرة؛ جسّد فيها المؤلف معاناة نور الدين وهو يأمل برؤية أجزاء من جسد دنيا وهي منهمكة بالعمل؛؛ ولربما هو نوع من التوافق فيما بينهما لكي يستمني أحدهما على الآخر من غير مباغتة؛ ولا لمس، وحينما يقترب الجسدان يكون هناك رقيب التقاليد المتسلط؛؛ هي الخالة التي تجلدهما بنظراتها، وقسوة كلماتها؛؛؛ هذه الأحلام تتكرر لدى نور الدين لأنها كانت هواجس غير مكتملة التواصل؛؛ لهذا لم يعد نورا لدين يرى في كل فتيات الأرض ما يضاهي جمال دنيا: ما يتذكّره إلى حدّ الآن أنّه أحسّ بمقاومة واحدة تصدر منها. يده مشدودة على قطعة المثلّث الأبيض في وسطها، يريد سحبها إلى الأسفل، ويدها عليها تشدّها إلى الأعلى. لكنّ مقاومتها انتهت بعد ثوانٍ. أفلح بجذب قطعة القماش إلى قدميها، رأى عري القسم السّفلي كاملاً، آسراً. جسد أبيض عارٍ ساخن مع لمّة شعر خفيف أسود في الوسط يزيده فتنة ولهيباً. حينئذ بدأ محاولة التخلّص من سرواله. فجأة دوّى صوت الخالة قوياً، غاضباً، حاداً، عاصفاً يمزّق السّكون: ماذا تفعل يا وكيح. (وقح)؟ شُلّت يده، اختلطت ألوان الرّعب، حمراء، صفراء، مضطربة في وجه دنيا، اعتدلت تغطي جسدها بثوبها بسرعة، ثمّ التقطت تبانها الأبيض، والدّموع تملأ عينيها، فيما اقتربتْ خالته، ضربتْه على صدره بقوّة، هتفتْ: اخرج. "“سرسريّ”"، لا تدعني أرى وجهك المسخّم هنا مرّة أخرى.مدّت يمناها إلى دنيا. تختض بكاءً ورعباً، شدّت أذنها بقوّة، هتفت وهي تكاد تجن: أيها المسخّمة، لو عرف اخوتك الثّلاثة ذبحوك، كيف سمحتِ له!

 

تابع ومتبوع:

للهارب هواجسه الكبيرة؛؛ وظنه في كل من وراءه؛ وأمامه؛ كل من حوله؛ يراها عيون تترصده؛؛ وتراقب حركاته؛؛ وكأن القدر قد وقف حائل بينه وبين أمله في الوصول إلى مبتاغه؛ ومحطته الأخيرة في قطار التغرب الذي ركبه؛؛ ولما كان نور الدين وذنون غير مستقرين في أرض؛ وغير مطمئنين لما حولهما؛؛ لأنهما غريبان؛؛ ولا أحد يدلهما؛؛ ولا رفيق أو صديق يتلقفهما لكي يحمل عنهما ثقل القلق؛؛ لهذا يبقى الهاجس؛ أنهما مراقبان باستمرار؛ خاصة لو تكرر أن رأيا أحد يتابعهما، ويتبعهما من مكان إلى آخر من غير تردد؛؛ ففي القطار إلى حلب، يرى نور الدين وذنون شاب أسمر يتبعهما أينما ذهبا؛؛ ويبرز أمامهما أينما حلا؛؛ وحيثما رحلا؛ لكنه لا يهتم لمراقبتهما له؛ في الوقت الذي عليه أن يتوارى؛؛ أو يتصنع وهو يتابعهما؛؛ مما حيرهما؛؛ وأفسد عليهما متعة الرحلة؛؛ فأحالنا المؤلف إلى وضع الهاربين؛؛ وكأننا هما؛؛ يتبعنا راصد؛ وعسس لا يبالي في اقتفائنا؛؛ هذا الغريب تبعهما للفندق الذي وصلاه في حلب؛؛؛ وهناك تكفشت الأمور؛؛ وزال الغموض؛؛ لنرى كيف وصف المؤلف مشاهد الملاحقة بين هارب يتابع تحركات هاربين مثله: التفت ذنّون وراءه، رأى الشّاب الأسمر يسير خلفهما، لكنّه لا ينظر إليهما، ثمّ شاهده في محطة القطار وهو يقطع تذكرة إلى حلب مثلهما. يتوجّه خلفهما إلى العربة نفسها شبه الخالية، ثلاثة أشخاص، فلّاح، ورجل وامرأة، يحتلان مقعديهما في المقدمة، يجلس الرّجل الأسمر وراءهما، (ثم) رأيا الرّجل الأسمر يشيح بنظراته عنهما بشكل مفاجئ فعلما أنّه كان يراقبهما. (ثم) رأيا الرّجل الأسمر ينتقل إلى العربة عينها.(ثم) سيحرمنا الكلب من التمتع بجمال الطّبيعة. (ثم) يلتفت ذنّون إلى الوراء: ما زال الحقير ينظر إلينا! (ثم) حاول أن ينام، لكنّه لم يستطع، (ثم) يريان مقعدين قرب الباب، يحتلانهما، ينهضان عندما يقترب القطار من المحطّة، لكنهما يريان الرّجل الأسمر يقف وراءهما مباشرة، يحتدّ نور الدّين، يهمس في أذن ذنّون: سأدفعه.(ثم) ما العمل؟ يهمس نور الدّين: أفقدنا الكلب لذّة اكتشاف الجديد، لم نرَ شيئاً، وسيفقدنا لذّة التمتع بجمال الانطباع الأوّل لحلب. يتعقبهما الرّجل بعد النّزول من المحطة عن بعد والشّمس في طريقها للمغيب،  (ثم) يركب الشّاب الحافلة نفسها إلى مركز المدينة، يترجّل، يدخل في الزّقاق الضّيق وراءهما، حتى الفندق. (ثم) يطلب منهما صاحب الفندق الجوازات، يسأله نور الدّين بدوره، وهو يجاهد ليخفي انفعاله: ألا تكفي البطاقة الشّخصيّة؟ المعذرة، لم نأت بالجوازات.(ثم) لم يُزِل جواب الموظف المرِح انفعالهما أو يقلّل منه، (ثم) حتّى تراءى له سؤال واحد: إلى متى؟ لم يبق إلا أن يدخل معهما إلى غرفتهما! (ثم) ما إن انتهيا من عمليّة تسجيل الأسماء حتى تقدم الرّجل الأسمر، إلى موظّف الفندق، وبلهجة عراقيّة مضطربة: أنا أيضاً عندي بطاقة شخصيّة.(ثم) يحدّقان به برهة، ثمّ ينفجران بقهقهة قويّة، يهتفان بوقت واحد: مادمت عراقيّاً فلماذا لا تعرّف نفسك؟ ولابد من نطّات للهاربين من غير حساب للعواقب، ولا معرفة التوجه؛؛ سوى خيط رفيع من الأمل؛؛ تمثلها هنا أسماء؛؛ وعناوين يسعى إليها نورالدين؛ ويجر خلفه ذونون الذي يبدو دوره هامشياً؛؛ أو هو منقاد بلا إرادة لصديقه نورالدين؛؛ ولكنهما يكملان بعضهما في مسيرة الهروب؛؛؛ وهما ربما صنوان لشخصية واحدة تجسدت في كليهما لكي تتسع الحبكة الفنية في مستويات التحاور بدلاً عن محاورة البطل لنفسه في مونولوغات فردية؛؛ ولربما لكي يعكس أحدهما هواجس الآخر التي لا تختلف لو لاقيا مصير مشترك على حد تعبير ستانسلافسكي؛؛ فعلى أمل الوصول إلى عنوان نبيل صديق خال نورالدين في دمشق؛؛ يسعى الهاربان من حلب إلى دمشق؛؛ ولا بد أن تحتكم الرحلة لظروفها العملية؛؛ والاجتماعية؛؛ فيبتكر المؤلف موقفاً يبرز فيه شهامة الشباب المعتادة؛؛ وفذلكة التحاور مع عالم السواق؛؛ فتنشأ حكاية مساعدة عائلة صانعي التريكو، ومن خلالها يتعلق قلب ذنون بالفتاة رجاء ويغرم كلاهما بالآخر على الطريقة الرومانسية؛؛ وتحت ضغوط التقاليد القاسية؛؛ بمحرماتها المعروفة؛؛ ومع هذا فإن للعيون لغتها: لم تكن للحقيبة يد تحمل منها،ربّما كانت كأيّ حقيبة، (ثم) أنهى مساعد السّائق امتعاضه بشكل مفاجئ، كظم غيظه: تكرم عينك خيو، العراقيّون أهلنا، وإخوانّا.(ثم) انتظر حتّى ينتهي الجميع من جذب حقائبهم من مخزن الحافلة التحتيّ، ثمّ تعاونا على سحب الحقيبة الكبيرة، تركاها على الرّصيف. بدأت الأم بلفّ وجهها ببرقع إضافيّ أسود، يخفي عينيها أيضاًً. وجّهت كلامها إليهما: تسلم (إيديكن)، شكراً. (ثم) لماذا لا تعملون معنا؟ عندنا في حلب غرفة زائدة، نعطيكماها، عندنا ماكينة تريكو إضافيّة، أنتما قويّان، ذكيّان، تستطيعان إجادة العمل خلال أسبوع بسهولة. كان أبني يعمل بها قبل ذهابه إلى ألمانيا، كان يحصِّل أكثر مما يحصِّل الطّبيب، العمل بالتريكو مجزٍ. أبعدا فكرة الغربة عن رأسيكما. أنتما مثل ابني. أهاجر، أهاجر، صدع رأسنا، تركناه: اذهب، الله يوفقك. راح قبل خمس سنوات. أعطاك أبوه عمره بعد ذهابه بسنتين. لم يحصل على أوراق رسميّة إلى هذا الوقت. يعمل بالأسود. كلّ يوم عمل جديد. كلّ يوم في مدينة. يقول إنّه يعمل ليجمع مبلغاً يكفي للزّواج من ألمانيّة، لكي يقيم بشكل شرعيّ هناك، ويحصل على إقامة، جواز. لكنّه لم يستطع أن يجمع ذلك المال خلال كلّ هذا الوقت. تروحون، "تتبهدلون"، لماذا؟ (ثم) وإذ أفلتت أصابعه، لم تتناول كأسها، بل أخرجت ورقة وقلماً وأخذت تكتب، ثمّ مدّت بالورقة الصّغيرة لتجعل منها واسطة كي تلمس يده من جديد، ابتسمت: هذا رقم هاتفنا في حلب. أمالت رأسها إلى اليسار والشّوق إلى عناقه يدوّمها. تسلّم ذنّون الورقة، وضعها في جيبه. نظر إليها بضياع. ماذا يجب عليه أن يجيبها، أخيراً وجد نفسه يقول: غايتنا أوربا. لا أدري إن كنّا ننوي الرّجوع إلى حلب أم لا! أحنت الفتاة رأسها بحركة أليفة، ووجنتاها تتضرجان: لو رجعتم! لو شرطيّة غير جازمة. يقهقه نور الدّين: ذكّرتني بالدّراسة، أما زلتِ تدرسين؟

 

الوسيط:

حاول نورالدين أن يجرب حظه في البحث عن عمل؛؛ أو شراء جواز سفر؛ في جو من الحيطة والحذر اللذين يلاحقان كل هارب؛؛ ولكنه وجد كل الأبواب موصدة؛؛ وكافة الدروب بلا نهايات؛؛ صارت طرقات دمشق الشام مسدودة أمام مغتربين في الأوطان؛؛ ولم يبق في يد نورالدين حيلة سوى أن يرضى بالأمر الواقع؛؛ فيبدأ البحث في نهاية المطاف عن نبيل؛؛ وتبدأ مرحلة جديدة من التعرف على مميزات مجتمع السوق الدمشقي؛؛ حركة دائبة؛؛ ومعاملة تلقائية؛ وتناظر في العطاء؛؛ نبيل يستقبل الزبائن؛ ويعمل وهو يتكلم؛؛ ويضيّف الشاي قبل الحديث، ولكن عليه أن يتم عمله؛؛ فيما يرسل رسائل مشفرة لمن يتوافدون عليه؛؛ يبدو بعضهم زبائن، والبعض الآخر مراسل؛؛ ولكن الحياة لا تخلو من قلق الانتظار؛؛ فبين الحيرة؛؛ والأمل لدى الهاربين أقوى من الهواجس؛؛ ففي بال نورالدين؛؛ وحساباته أنه سيحصل على جواز السفر ببضعة نقود؛؛ ربما لمعرفة نبيل بخاله المناضل؛؛ ولكن الأمر مختلف لدى نبيل؛؛ فهناك مقايضة؛ فمن أجل الحصول على جواز السفر لابد لهما أن يخدما في إحدى الجبهات الفلسطينية بين ستة أشهر؛؛ وسنة؛؛ ومن خلالها يحصلان على وثيقة سفر فلسطينية؛؛ وباسم مستعار؛؛ لهذا لا يهم ما الجبهة التي سليتحقون بها، ولا الغاية النبيلة للانتماء؛؛ ورغم ارتباكهما لسماعهما بالمقايضة المغلفة بشعارات وطنية براقة؛؛ يتقبلان الأمر كتحصيل حاصل؛؛ ولا يشكان بأنهما قد وقعا في مصيدة؛؛ فالطريق الوحيد لديهما للوصول إلى دولة أجنبية؛؛ هو عن طريق بيروت؛ والانتماء لجبهة من الجبهات هناك: أخذ يعدد أسماء الجبهات والفئات التي تحارب إسرائيل كلّها: 1- قيادة تحريّر.. 2 – منظّمة الحريّة.. 3 – الجبهة الـ.. 4 –جبهة تحريّر.. 5 – تنظيم الحزب.. 6- اتحاد الوطنيّين الـ. 7. 8.9. 10. طفق نور الدّين يضحك: أفي السّاحة كلّ هذه المنظّمات والجبهات والتنظيمات تحارب إسرائيل وتخسر؟ ابتسم نبيل: ليس هي وحدها تخسر، حتى الدّول التي تؤيّدها، لكن لابدّ من النّضال. قال ذلك ثمّ حدّق فيهما: ماذا تفضّلان؟ الجبهة رقم 3. ردّدا ذلك حالاً. ضحك من كلّ قلبه، وهو يشير إلى الحقيبة: توقّعت ذلك، سالتموني غير مرّة عن الثّمن، كنت أصمت، والآن أجيبكم: الثّمن هو الانخراط في هذه الجبهة مدة تتراوح بين ثلاثة أشهر وستة شهور فقط، ومن يريد أن يبقى أكثر فله ذلك. فبعد أن استلما هويتيهما باسمين حركيين؛؛ صارا رقمان في أعداد الجبهة التي أختاروها؛؛ وقد وقفا في صف بانتظار من سيأخذهما إلى بيروت؛؛ وتمتلئ السيارات بالمتطوعين لتأخذهم إلى الحدود اللبنانية؛ فنرى إلى شرائح مختلفة الأعمار والتوجهات؛ لكنهم كلهم في نظر من جاء لينقلهم إلى الحدود؛؛ ليسوا أكثر من شحنة حطب؛ أو عتاد: يعتلون سيّارتي (بيك أب) صغيرتين، مكشوفتين، يجلس عنتر لصق نور الدّين، أشعة شمس آب اللاهبة تحرق الأجساد، لكن الهواء ما لبث أن طاب بعد تحرّك السّيّارة، أصبح محتملاً، وبخاصة عندما تجاوزت السّيّارتان الزّبداني، فيما بدت ضواحي دمشق من بعيد تغوص بعيداً عن النظر في المجهول. ولا ينفك المؤلف من الدخول في تفاصيل الرحلة سواء للبيئة المحيطة؛؛ أو الأنماط الاجتماعية التي تتغير خصوصياتها من منطقة إلى أخرى، ومن مرحلة إلى ثانية؛؛ ولكن السمة الرئيسة تبقى هي هي؛؛ فهذا سائق  الجرار إلى زحلة يأتي ليأخذ الشحنة؛؛ وكأنه يقوم بعمل اعتيادي؛ يمارسه يومياً بلا اهتمام؛؛ وأمل مختلف عما تحمله الشحنة من آمال في أذهان كل فرد فيها؛ ومخيلتهم: توقّف الجرار، أشار الآمر إليهم أن يصعدوا إلى العربة، أما هو فاختار الجلوس قرب السّائق. جلسوا في أرضيّة العربة، متكئين على حافاتها الخشبية. بدا وكأن الجرار معدّ لنقل الصّخور. تترّبت ملابس الجميع بمسحوق الصّخر الأبيض. اتّجهت العربة إلى طريق في أوّله سهم، كتب عليه: زحلة، 60 كيلومتر. من زحلة تبدأ متغيرات جديدة؛؛ فرغم بقاء بعض من القلق لدى نور الدين، وذنون؛ لكنهما منذ أن استسلما للأمر؛ وسلما مقادريهما بأيدي من وضعهما في رتل الجبهة؛؛ تفرغا للتعرف على الطبيعة والاستمتاع بها؛؛ ربما لكي يشبعا هاجس امتلكهما؛؛ وهو أنهما جاء إلى بيروت بهذه التلقائية والسهولة؛؛ ولم ينظرا للمجازفة حولهما؛؛ لهذا صارت الطبيعة هنا بلون آخر؛ غير عما لم يحساه قبل انتمائهما للجبهة؛ ومعاناتهما الفردية؛ وهما يشقان طريقهما من الموصل إلى دمشق عبر ربيعة وقامشلي؛ فحلب؛؛ الطبيعة هنا لها لون آخر؛ ونكهة مختلفة رغم الحواجز التي لم يعودان يعيرانها انتباهاً مادام هناك مسؤول عنهما؛؛ على غير ما كان يجري معهما في كل مرحلة حدودية؛؛ أو حتى ضمن تجوالهما في المدن، والقرى: يستقلّون سيّارتين. كلّ ستة في سيّارة، يتصدر الأولى الآمر مع متطوّع، والثّانيّة مساعده مع آخر. لم يعرفا كم طول الطّريق إلا أن السّيّارة قطعته في أربع ساعات، خفّف من وطأتها جمال الطبيعة، الجبال، التّلال، الغابات، الوديان. من بعيد تلوح بعض الجبال، يزدهي بعضها بالخضرة والأشجار والطّبيعة الخلّابة، تتلوى كالأفعى. لكن كثرة الحواجز، ومفارز التّفتيش كانت ترجعهم إلى بؤس الحاضر وقسوته: هُويّتك؟ يبرزان هُويّتي الجبهة، تسقط قنبلة فجأة على بعد مئتي متر من السّيّارتين، الصّوت قويّ فظيع، تتخلخل السّيّارة في مسارها. كأن القنبلة سقطت تحتها، يخيّل لنور الدّين أن السّيّارة ستتفكّك وتنفجر هي أيضاً، يزلزل الرّعب كيانه، ركبتاه ترتجفان، لم يستطع السّيطرة عليهما، الكلّ خائف مثله. الموت جاثم فوق الرؤوس، ينخطف وجه عنتر، يدندن وهو يرتجف لحناً بخفوت: أتغني في هذا الموقف؟

 

الخوف من الخيانة:

من هنا ينطلق المؤلف في كشف وتعرية الواقع العربي؛؛ وهو يجوس في أعماق منظمات اتخذت على نفسها شعارات تحرير الوطن السليب؛؛ لكنها تقاسمت بيروت جغرافياً؛؛ وبدأت تتصارع فيما بينها على المناصب؛؛ والمكاسب؛؛ وتوريط الناس؛؛ واللعب على وتر الوطنية؛؛ والخيانة؛؛ والفتوى فيمن هو جاسوس؛؛ وفيمن هو وطني؛؛ مصداقيتها في ورقة تزكية من منظمة حزبية تخول القادم المنتمي إليها أن يحمل السلاح؛ وغير ذلك فمشكوك بأمره؛ ربما أعزى المؤلف ذلك لشدة الخوف من العدو؛؛ لهذا تحاشى أفراد الجبهة الاختلاط بنورالدين وذنون؛ رغم تدريبهما على الاسعافات الأولية؛؛: تألّم كلاهما لجواب الشّاب العراقي الخشن، ابتعدا عنه. جلسا في القاعة بعيداً.  طلب منهما رفيق آخر في صباح اليوم التّالي الحضور إلى القاعة لتلقّي تعليمات حول الإسعافات الأوّليّة. المحاضر سوريّ شاب، طويل القامة، نحيل، في خمسيناته، صلعة كبيرة تخفيها قبّعة الجبهة، تخرّج في السّتينات في جامعة بلغارية. وتتدهور الأمور في علاقة الجبهة مع نور الدين وذنون؛ وهما لا يعرفان لذك سبب؛؛ فيفاجأ بتقديمهما للمحاكمة الخاصة بالجبهة نفسها؛؛ ويصف المؤلف عنجهية رئيس الجلسة؛؛ وتعسفه في تقرير الجبهة طردهما؛ وهما لا يدريان لما؛؛ سوى بعض علامات استفهام حولهما؛؛ ونرى إلى ما يرمي إليه المؤلف من توريات بأن الحرب على الأرض اللبنانية حرب دول؛؛ ونزاعات بين اتجاهات متعددة؛؛ ضحيتها الشعب اللبناني؛ حيث الاقتتال الدامي؛ والنهب؛ بله والقتل على الهوية؛؛ وبمناهج متعددة؛ ولكنها بجلها تسير في طريق دمار بلد؛؛ وتهجير شعب: يصمت المسؤول طويلاً. يناوله من يجلس إلى يساره سيكارة، يؤرّثها له بحركات خدميّة بعيدة عن الرّوح الرّفاقيّة، فيها تقديس وتأليه لا ضرورة لهما. مدّ المسؤول بوزه، سحب نفساً عميقاً، ثم أرخى رأسه إلى الخلف، نفث الدّخان. لفت نظر نور الدّين ما عُلِّق على الحائط من شعارات تشبه شعارات الوطن. لابد أن ما سيقوله مهمّ، وإلا ما أخذ منه هذا الوقت للتّفكير: إخوان، أنا محرج لأني سأتكلّم بصراحة معكما، لا نستطيع أن نقبلكما معنا في الجبهة. ارتجفا، طاف في ذهن نور الدّين أن جميع من في المنظّمة كانوا يتحاشونهما طيلة اليومين اللذين قضيا هنا. كانوا ينسلون من أمامهما حينما يتّجه أحدهما إلى أيّ شخص في المبنى. نظر أحدهما إلى الآخر، ثمّ حوّلا نظريهما إلى عضو الأركان: أنت جادّ؟ (ثم) دفعا بعنف خارج الباب، تمدّدا بطوليهما على إسفلت الشّارع. جاء أثنان بحقيبتيهما الصّغيرتين، وهما يضحكان بملء أشداقهما، وقفا على بعد نحو أربعة أمتار منهما، رفعا الحقيبتين، كما يرفع لاعبوا كرة السّلة الكرة، اتخذا وضعيّة الاستعداد للرّمي، وقفا على رؤوس أصابعهما، مدّا ساعديهما فويق رأسيهما، رميا الحقيبتين إلى الأعلى وبشكل منحنٍ فسقطتا على رأسيهما. كادا يفقدان الوعي.

 

التشرذم:

ولا يترك المؤلف أية مساحة إلا ويملأها يما تتسع له من توسيع دوائر الإحاطة بجوانب الألم؛ والشر؛ وتحول الناس من الحياة المدنية الوادعة؛؛ إلى حالة الحرب؛؛ وتوجس البشر حتى من الجدران التي تحمي بيته فيما لو بقيت حوله جدران؛؛ فالدمار يشمل كافة المرافق؛ والطبيعة بكل بهائها تئن تحت وطأة حرائق القنابل؛ وخروقات الرصاص؛؛ وقد هجر السكان بيوتهم؛؛ وبقيت البنايات خالية إلا من المرتزقة؛؛ والقناصة؛؛ في هذه الفسحة حيث لا يجد نور الدين وذنون مأوى لهما؛ يتسللا إلى شقة في بناية مقصوفة، ويفاجئا بأنه وكر لقنص، وعهر: بدا أن القنابل قصفت الشّقة من جهة الشّرق. إذ كان كلّ شيء محروقاً أو مرميّاً على أرضيّة المطبخ، ثلّاجة متوسطة الحجم مقلوبة على وجهها، احترق أعلاها، يماثلها حرقاً جهاز تحميص الخبز، خزانة الملاعق والسّكاكين، مروحة دائريّة صغيرة، بعض الأشياء متفحمة كليّاً، وبعضها جزئياً. بدت غرفة نوم كذلك شبه محروقة، أمّا الغرفة الغربيّة المطلّة على البحر فسليمة، لكنّها خاليّة من الأثاث، إلا من سجاد قديم متهرئ يتكدّس عليه غبار كثيف، وخزانة صغيرة فيها بعض ملابس أطفال وبالغين، نساءً ورجالاًَ. صور حيوانات وممثلات ومناظر طبيعيّة مأخوذة من روزنامات متنوّعة ملأت جدارين كاملين، إضافة إلى واجهة الخزانة وأبوابها، بينما بدا الشّباك الوحيد إلمطلّ على الغرب وزجاجه مكسوراً مكوّماً على حافته وعلى الأرض. قرّرا تنظيف الغرفة ونفض السّجاد من التراب العالق فيه، قال ذنّون وهو يتثاءب: النّوم تحت سقف أفضل من النّوم في العراء. ورغم الوجع الكبير الذي يشغل فكر نور الدين ومخيلته؛؛ لكنه إنسان له حواسه وحاجاته؛ فكما يعطش؛ ويجوع؛ فيأكل ليشبع، ويشرب ليرتو؛ فإن به حاجة غريزية تتحرك بداخله، تستفزها المشاهد التي توفرها بيئة الانفلات الأخلاقي في ظروف الحرب القاسية التي حللت كل محرم فاخترقت التابوهات؛؛ عطش جنسي، في بلد أستبيحت فيه كل القيم؛ وتلك فرصة المؤلف لكي يخلق جواً من الاستمناء الفردي أثناء تلصص نورالدين على معشوقين يمارسان طقوس ما بعد الشبع؛؛ وهو الضمأن؛؛ فيستمني بممارسة العادة السرية؛ لنرى إلى الوصف التصويري؛ وكأننا نرى إلى فيلم بإخراج سينمائي: اقترب نحو بوصة واحدة نحو الشّباك، فبدا له جسد المرأة قريباً أشدّ وضوحاً وبهاءً من قبل. آنئذ أحسّ بتوتره يشتدّ، وما في وسطه يشقّ طريقه بين جسمه والحائط، مثيراً ألماً شديداً جعله يتنبّه إلى وقفته، فيبتعد عن الحائط قليلاً. وفجأة لطمه وعيه بأنه يقوم بعمل قذر. أيرضى أن يتلصص عليه أحد؟ لا. عمله قذر لا شكّ في ذلك. لكنّه بالرّغم من إدراكه سوء فعله إلّا أنه بقي في مكانه ولم يبتعد. كان توتره يزداد لحظة بعد لحظة، وهو يتابع حركة أصابع كفّها الأيسر الطّويلة الرّقيقة تمسك محرمة ورقيّة، تمسح عضوها بدّقة. رآها تدفع المحرمة بخنصرها إلى داخل الفرج، تدّورها، ثمّ تخرجها. تقذفها نحو اليسار. تتناول محرمة أخرى، تفرّج أجزاء الفرج، بأصابع يدها اليمنى، تفتح ثناياه، تمسحه عميقاً برفق. برق في أعلاه بظرها أبيض لامعاً كلوزة مقشّرة. تُنزل المحرمة حتى أسفل الفتحة. تعمل بهدوء، كأنّها تستعيد اللّذة مرّة أخرى. أو كأنّها تريد استبقاءها مدى الدّهر. حركات هادئة، تُرى أتستمتع بها؟ لا يدري، لكنّ تلك الحركات تجعله يغلي إثارة. تمنى أن تبقى هكذا، عارضة جسداً أبيض حليبيّاً تشعُ لدونته بفتنة تذيبه، تثيره، تمزّقه. كلّ نظرةٍ إليه تزيد غليان دمه في عروقه. حدّق من جديد، رأسها، كتفيها، ثديها الأيمن، كلّ ذلك مخفيّ، ترى ما تقاطيعها؟ أهي جميلة كجسدها؟ يبدأ الكشف من سفح النّهد الأيسر مع حلمته القهوائية، ثمّ ينسدح الإهاب إلى ما فوق السّرة، بطنها يتحرك بفعل التّنفس صعوداً وهبوطاً بدون صوت. حتى تنفّسها يثيره، تمنّى لو قبّل النّهدين. ابتعد الرّجل قليلاً، أدار ظهره لها، لم يظهر منه سوى حافة ظهره اليسرى، جزء من كتفه حتى قدمه المنتعلة حذاءً قهوائياً عميقاً. قميص أبيض مخطّط خطوطاً عريضة زرقاء. انحنى، ها هو الآن يرتدي سرواله، لابد أنه قال شيئاً جعل المرأة تضحك بسعادة وهي تلمّ فخذيها كأنها تحتويه بينهما بلذّة، ثمّ تفرجهما بجحيم الإثارة لتكشف كل ما هو مثير. من حركتها بدت شبه مخدّرة من نشوة اللقاء. قدح هياجه إلى ذروة لا سبيل لكبحها، ابتعد قليلاً عن الشّباك. من دون تفكير وجد كفيّه تحاولان خلق لذّة مستنسخة بديلة بأصابعه، برغبة عارمة لحرث جسدها في الخيال. قبل أن يسيطير على حركات أصابعه المتمرّدة وجد نفسه ينتهي في لحظات. والبلل يلطّخ وسطه، والضّعة تغرقه. اثنان يتمتعان بملئ إرادتهما، بكامل وعيهما، بأقصى ما يتيحه جسماهما للمتعة، وأنت تتلصص عليهما، وتقترف ممارسة عاجزة؟ يالك من “سرسريّ”، ومع الشّعور بالضّعة لم يستطع الانفكاك عن النّظر، ظلّ في مكانه.

ولكي ينجو نوالدين وذنون من مأزقهما في التيه ببيروت الغامضة وقد غلفتها غلائل الحرب بشكبات من الأوهام؛ والزيف؛؛ والقسوة الباردة؛؛ يحاول نور الدين البحث عن صديق عراقي يعرفهما؛؛ لكي يجدا بقربه الأمان؛ فيذهبان للسؤال في الجامعة الأمريكية ببيروت؛ عن عبدالرحمن ولا يجدانه؛؛: نظرت إليهما بتعاطف، خفق قلب نور الدّين: أنا في غايّة الأسف، السّيد غانم عبد الرّحمن خرج قبل أيام قليلة من المستشفى. نهض نور الدّين كمن أصابته طلقة: قلت مستشفى؟ نعم، سقطت قنبلة قبل نحو شهر في حرم الجامعة، أصيب بشظيّة في فخذه، لكنّه لحسن الحظ شفي. طلب أهله نقله إلى الجامعة الأمريكيّة في القاهرة. وفي حالة من اليأس يستهويهما منظر البحر؛؛ فيتسللا إلى الساحل الذي يخلو من الناس؛؛ وكأنهما في جزيرة مهجورة؛؛ غير ساحل بيروت المعروف أيام السلم؛؛ وفي استمتاعهما بالمنظر؛؛ والجوس في الماء الذي اشتاقا لملامسته؛ يهجم عليهم عناصر من جبهة مسلحة أخرى، فيصلان إلى موت محقق لولا تردد فئات في الثلة بقرار القتل؛؛ وفي حالة من عدم التصديق يعودان للبناية المهجورة؛؛ وقد امتلأت معدتهما بالغيض؛؛ والتوت البري الذي لم يجدا غيره ليأكلاه: ينتبهان، ثلاثة أفراد مدججون بالسّلاح، يحملون شارات فئة لبنانيّة مسلّحة. يقفان، يتقدّم أحدهم، في ثلاثيناته، قصير أبيض حليق في تقاطيعه وسامة ظاهرة: ماذا تفعلان؟ نعوم بالبحر. (ثم) من أرسلكما؟ كاد يضحك. كل العالم يخشى من الجواسيس. المنظّمات، الحكومات. المسؤولين. إنهم يخلقون أهميّة لأنفسهم من أكاذيب يكوّمونها طبقة طبقة حتى تصل السّماء، يا لهم من تافهين! يا لهم من وحوش! ما هذه المصائب! تتجمع كلّها! واحدة وراء الأخرى، إعدام الخال، الطّرد الفوري من الجبهة، القنّاص، خلو الجيب من الفلوس، اختفاء غانم، موت الأحلام! أخيراً هؤلاء المسلّحون. قفْ وثلاث رشّاشات مشرعة، ينفجر نور الدّين من دون شعور ضاحكاًً، يتذكر المثل القديم، شرّ البليّة ما يضحك. لكنّ عليه أن يأخذ الموضوع بجديّة، عليه أن لا يستفزّ أيّ مسلّح، أن لا يثيره، ماذا لو قتلهما؟ من سيحاسب القتلة في بلد اللاقانون؟

ومن غير ميعاد ينتمان لجبهة أخرى، ومعها يرتاحان وهما لا يعلمان مدى الخطورة التي سيتعرضان لها؛ وهما في مكان خطر؛ ولكن لا خيار؛؛ ما دامت هذه الجبهة توفرلهما  الأمان في مسكن ومأكل؛؛ وليس هناك أكثر من دورية حراسة محددة في اليوم: تنفّس ذنّون بارتياح، وهو يتحسّس رشاشة الكلاشنكوف معلّقة في رقبته. منذ أن جاءا وحتى الآن لم يستوعبا أنهما استقرّا أخيراً في مكان ثابت، كان نور الدّين يردّد: لا أكاد أصدّق عينيّ أنّنا هنا، أنّهم قبلونا. في الأيام الأولى كنت أسأل نفسي كلّ لحظة متى يأتون ويطردوننا كما حدث في الجبهة الأولى، لكنّ مرور الأيّام محا القلق. ورغم قرب الجبهة من الأحياء السكنية لكنها من الأمكنة الخطرة؛؛ ومع هذا كان نور الدين مستاء من حال السجناء لدى الجبهة، مما يصيبه بملل، وعبثية بقائه مع جبهة تعذب السجناء؛؛ فما فرقها عن أي سجان؛؛ ولماذا العداء بين الفرقاء؛؛ والعدو مشترك: سأهرب. ابتسم ذنّون: لا تعجل، ربّما يبقوننا في الحراسة. ربّما نوع من التّمني، حزّورة! نعم، لا. ما سيحدث لا نعلم عنه شيئأً، أريد أن أنام مرتاحاً. ما علاقة راحة النّوم بكلامنا.ابتسم نور الدّين: إن اشتركت بالتّعذيب، أو قتلتُ بريئاً سيؤرّقني العمل طيلة حياتي، لن أهنأ بلحظة نوم. هربنا من الجيش كي لا نَقتُل أو نُقتَل في وطننا، وعلينا أن نحرص على هذا المبدأ، مازال ضميري يؤنبّني إلى حدّ الآن لأني لم أنقذ الفتى الفارّ من الجيش، ذكراه دمّلة في قلبي فكيف أضيف دمّلة أخرى؟ إن فعلت مرّة فسأفعلها أخرى، سيمتلئ قلبي بالدّمامل. ربّما لا نستطيع أن نبقى أنقياء في عالم همجيّ، معظم النّاس مثلنا، يساقون خوفاً، يطيعون خوفاً، يقتلون خوفاً. هذا ما كتب علينا! سأبقى أنا.

 

رسالة ملغزة:

ويحتاط المؤلف لما سيأتي في نهاية الرواية؛؛ فيمهد لها بذكاء؛؛ ولكن القارئ تصله الحكمة المشفرة؛؛ فيتوقع حصول شيئاً ما في النهاية؛؛ فقد كتب نور الدين رسالة إلى أهله بخط يد ذنون؛ تحوطاً لأمور تجادلا حولها؛ وأرسلها إلى أهله وقد دوّن في مرجعية المرسل عنوان الجبهة التي ينتمي إليها حالياً: سأضع في الرسالة أشياء لا يعرفها إلا أهلي فإن وقعت بيد رجال الأمن فسينكرون أنها منّي. سيقولون هذا ليس خطّه، لكنّهم سيعرفونها مني. كيف؟ سأسألهم: هل بدأت ميسون تزحف؟ ابنة اختي ميسون، عمرها ستة أشهر عندما تركتهم. لا يعرف الغريب مثل هذه المعلومة. سأقول لهم مثلاً إنني افتقدت قراءة القرآن الحزينة للملا يونس من جامع الورود. 

 

ضياع بلا حدود:

ولتوضيح الحياة العامة في محيط بيروت؛؛ يجازف نور الدين في التعرّف على أصدقاء في مقهى قريب، ويكون أحدهم سوري، فيحدثه هذا عن جبهته التي ينتمي إليها؛؛ وكأنها دكاكين؛؛ أو شركات؛؛ فتخطر ببال نورالدين الانتقال إليها،، من خلال حكاية يحوكها للتخلص من الجبهة القديمة؛؛ فينتقل بعد فترة مناسبة؛ تاركاً ذنون لوحده؛؛ ربما لغاية ارتآها المؤلف كمرجعية سيجدها القارئ أمامه هي الأخرى فيما بعد: صادف يوم الرّاحة الأسبوعية في اليوم التّالي، صبغا حذائيهما، غسلا ملابسهما، كويا قميصيهما. في المقهى كتبا الرّسالة. وضعاها في صندوق البريد بعد أن تأكّدا أن هناك من يزال يجمع الرّسائل كلّ أسبوع. تعرّفا إلى بضعة أشخاص من منظمات أخرى. كان ذنّون يجيد لعبتي النّرد والدّومينو، وجد غير واحد تحدّاه. راهنوا على قناني المرطبات والعصير. بينما تعرّف نور الدّين إلى رفيق سوريّ من جبهة أخرى، راهنه على برتقال في لعب الورق. بوساطتهم عرف مقرّات المنظّمات الأخرى القريبة وميزاتها. استطاع أن يفاتحه سرّاً برغبته بالانتماء إلى جبهته. رحّب هذا به. ثمّ استمرّ الجميع يلعبون ويضحكون حتى العصر. أكل نور الدّين وذنون بشهيّة من عربة تقدّم اللبنة والجبن وزيت الزّيتون مع خبز الرّقاق. رجعا. أوّل شيء سمعاه حينما دخلا المقرّ صوت الصّراخ يرتفع من السّرداب مرّة أخرى، احتدّ نور الدّين، هتف بعصبيّة: سأهرب من هذه الجبهة. ستوّرطني! تعال معي. لا. الهرب مجهول. لا أريد تجربة الضّياع مرّة أخرى. (ثم) ضيّع نحو نصف ساعة يتحيّن الفرصة ليلتقط حقيبته من دون أن يثير انتباه الحرس. التحق بجبهة ثالثّة. في التّحقيق الذي أجري معه للقبول فيها أخفى عنها أنّه طُرد من الجبهة الأولى، لم يذكرها قطّ. روى كيف التحق بالجبهة الثّانية، لكنّه لم يذكر السّبب الحقيقي الذي جعله يتركها. قال لهم: إنه تشاجر مع صديقه العراقيّ حول سلوكه في العراق. وأن المسؤول أثار حنقه لأنّه لزم جهة غريمه. أجرت الجبهة معه تحقيقاً مختصراً، أخبرهم ببعض تفصيلات التّدريب، والرّاتب، وأشياء سطحيّة أخرى، كانوا يعرفونها ليتأكدوا من صدقه. ساعده كثيراً الرّفيق السّوري الذي التقاه في المقهى ووثّق علاقته به طيلة شهر كامل. ولكي يكشف المؤلف عالم الليل؛ وخفاياه في بارات ومواخير بيروت؛ وما هي مستويات الناس الذين يرتادوها في أيام الحرب؛ فقد أخذنا معه بصحبة نور الدين الذي يصيع مع السوري ولبناني آخر هو يوسف، يكونان قد سكنا بناية بدلاً عن المعسكر، أو الثكنات؛؛ وفي بار الصياد؛ نتعرف على العلاقات، من خلال الأجواء التي تطغي عليها مراسيم خاصة؛؛ وحوارات مغايرة؛؛ وعلاقات جوانية منفلتة بلا زمام؛ تصل إلى حد استخدام السلاح في ممارسة الجنس علينة أمام الجمهور؛؛ كأنما يمارس الاستمناء في ساحة مكشوفة؛؛ والناس لا يبالون؛ ويعتبرون الأمر تحصيل حاصل لا غير: تنحني عليه. يلامس وجهها وجهه. تضحك. تنتابه حمى رعشة أخرى تكاد تفجّره. بركان يهتز. يقتلعه. تحسّ بعنفوان ما يتأجج في داخله فتزداد التحاماً به. لكنّ دماءه لا تهدأ. تبقى ساخنة. تزعزع جسده. فجأة تثور طلقة تكهرب أعصاب الجميع، تعيد المتواجدين في صالة بار الصّياد إلى واقع الحرب. تنبّه الموجودون جميعاً، تلفّتوا. لا يوجد أحد. أين إذاً ثارت الطلقة؟ من أثارها؟ لابد من شخص يريد أن يدخل البار! مرّت الثّواني بطيئة ثقيلة. تحفّز الجميع. ثمّ ظهر في باب الحانة مسلّح. طويل القامة. شاحب الوجه. يمزّق عينيه الميتّتين جنون وحشيّ. يعلّق على كتفه رشاشة كلاشنكوف. يشدّ قبضته اليسرى على شيء في داخلها. يرفعها إلى الأعلى. يصرخ صوت أجوف متحشرج معربداً في جوّ الحانة: هذه رمّانة يدويّة. يسحب مسمار الأمان، يرميه، يرنّ المسمار وهو يلامس الأرض بصوت يسمعه من كان في الصّالة كلّها: لا يتحرّك أحد. لا ينهض أحد من مكانه. (ثم) دخلا ممرّ العمارة. صعدا نحو عشر درجات. فوجئا بانفجار قنبلة  شديدة. قريبة من المكان. شظايا تصيب الدّرجات الأولى. أسفل الحيطان. عصف شديد يدفع الأتربة والدّخان إلى داخل العمارة. يرتجّان. يكادان يسقطان. ينزلان. يختبئان تحت الدّرج. تقع قنبلة أخرى. أبعد من الأولى. يمتلئ مدخل العمارة بالدّخان. رائحة البارود المميّزة طاغيّة بقوّة. مخرّشة لجهاز التّنفس. تختلط برائح القير المحترق. يحسّان بالغثيان. بالدّوار. يبدو كلّ شيء مضبّباً. في الوقت الذّي يسرع سكان العمارة الصّغيرة بالنّزول إلى السّرداب. أمّ  تحمل طفلة بعمر سنة. الأبّ يحمل أختها ذات الرّابعة. أمّ ثانيّة تركض نازلة تسحب طفلة في السّادسة تصرخ مرعوبة. وراءها صبيّ في العاشرة. ينزلون بأقصى ما يستطيعون من قوّة. مخلّفين وراءهم عجوزين في السّتينات. الرّجل نحيف قويّ. المرأة سمينة بطيئة الحركة. تحضّه على النّزول قبلها بصوت يمزّقه الرّعب. وبلهجة رقيقة: انزل دعك مني. واحد يروح أحسن من اثنين.  ولنرى كيف تتحول الأمور بعد عودتهم؛ وحصول أنفجار قريب يؤدي إلى قتل يوسف الذي كان معهما بهجوم مباغت،،: يقترب منه نور الدّين. يقلبه على وجهه. اخترقت عشرات الشّظايا الصّغيرة جسده. رأسه. صدره. أطرافه. ملابسه منقوعة بالدّم. لكنّ جسده مازال دافئاً. أبهذه السّرعة تنتهي يا يوسف! أبهذه السّرعة تغادرنا! أكلّ تلك الحركة والعنفوان والصّخب يختفي وبسرعة البرق! لا. لا يمكن أن يكون مات! صوته مازال يحوم حولهم. يتراجع صداه في كلّ مكان: الإنسان أجمل حيوان على سطح الأرض ويذبح كلّ يوم. يرفعه على صدره كالطّفل. تنهمر الدّموع من عينيه، تسقط يد يوسف بطولها، تتأرجح ونور الدّين يسير به نحو مدخل العمارة. تهرع أحدى النّساء، تجلب شرشفاً ثخيناً، تغطي الجثة.

 

العودة القسرية:

ولا ينسى المؤلف ما تخبئه الأيام لنور الدين من مصائب قادمة إليه من الوطن؛؛ ففي أحد الأيام يستقبل نور الدين أخاه عماد الذي جاء بالطائرة، ويخبره بأمور الوطن، وضرورة عودته، وإلا سيفقد أباه، وأخاه معاً؛؛: كان وجه عماد ممتقعاً خوفاً من سقوط قنبلة. يلتفت يميناً ويساراً وهو يرى حطام المباني على الجانبين. وعلى طول الشّوراع والأزقة وأرصفة المشاة: هل تظننا سنصل شقّتك سالمين؟ قهقه السّائق الشّيخ: يا ابني لا تفكّر في الموت يخاف منك. قال نور الدّين وهو يبتسم: أسمعت؟ هذه هي الحكمة. لا أرتاح إلا إن ابتعدت. ستبتعد. لكن قبل ذلك قل لي: لماذا اعتقلوا الوالدّ؟ أنت في الأساس لم تلتحق بالجيش. يعني جنديّ (أفرار). ماذا تتوقّع؟ كلّ يوم والانضباط العسكري يقتحم البيت. يفتّش عنك. استدعوني. سألوني عنك. لم يصدّقوا أنني أو أيّ من العائلة لا نعرف عنك شيئاً. أريتهم الرّسالة التي تركتها: "سأهجّ من هذه الحياة الكسيفة. أترككم من غير رجعة. لا تسألوا عني. اعتبروني متّ وأنا طفل". ضابط التّجنيد. حقير جداً جداً جداً. معلم. كان أبوه حلاقاً في باب جديد. خدم في الاحتياط. وظلّ في الجيش صرخ بي: أنتم خبراء في الكذب. أتقنعني بهذه الورقة؟ أيّ واحد يستطيع كتابة مثلها. هو الذّي أوقفني. توسّط الوالد عند أصدقائه فأطلقوا سراحي. لكنّا لم نكن نعرف أنهم يراقبون البريد. بعد وصول الرّسالة. جذبهم عنوان الجبهة على ظرف الرّسالة. استدعوني. قالوا لي. إن كان ابنكم قوميّاً حقيقةً. ويريد النّضال ضد إسرائيل فليلتحق بجبهتنا. بالجبهة العربيّة؟ لم أعرف كيف أجيب.

 

تريد أرنب!!!:

في طريق عودته إلى الوطن السجين؛؛ يرى نور الدين إلى رجل يلاحق امرأة وطفلتها فينقذها منه، ويعالجها،، وعلينا هنا أن نرى المفارقة التي يضعها المؤلف في اختلاف نظرة نوالدين للمرأة لو احتاج الأمر لمناصرة؛؛ فيتجرد من كل هواجسه، وغرائزه، ويصبح شخصاً آخر يتوسم الشهامة؛؛ ويساعد المغدورة في محنتها؛ رغم أن ما يجمعه بتلك المرأة ليس سوى الصدفة؛؛ ومشاعر إنسانية رضعها في مجتمعه؛؛ وتعلمها من أقرانه: بدا أنها فوجئت به، فتحت عينيها وهي تنشج من البكاء. أشارت نحو أسفل الطّريق إلى الجهة اليمنى. وضع حقيبته قربها. أخذ يجري في الاتجاه نفسه. رأى بعد ثلاث دقائق شارعاً فيه ثلاث محلّات. يبيع أحدها "مناقيش" والثّاني فاكهة وخضاراً، والثّالث زبداً وألباناً، وخبز رقاق. حينما رجع رآها متمدّدة على بطنها، عجيزتها الصّغيرة تحت ثوب "الكودري" مجسّمة، مرتفعة. تهدئ الطّفلة بين ذراعيها. تهيؤها للنّوم. وضع الطّعام قربها، قال: كُلي قبل أن يبرد. شمّت الطّفلة رائحة الطعام فانفلتت من تحت صدر أمها. ناولها رقيقة عليها جبن. أشارت إلى أخرى حمراء بالطماطة. لفّها. ناولها لها، ردّد مرّة أخرى وهو ينظر إلى الفتاة: كُلي.(ثم) من دون شعور أخذ يدلك بطّة السّاق. ودّ لو يقبّل قدمها المغرية. ترآى له شبح اخته الصّغيرة، أصغر سبع، ثماني سنوت منها، لكنّ لها نفس حجم الجسد، حجم القدم الصّغيرة، لاحت طفلتها لعينيه في منتهى الجمال وهي تغفو على صدر أمها،  سألها: أهو زوجك؟ انتفضت حالاً، سحبت قدمها بسرعة، وضعتها على الأرض، جلست، أنزلت فستانها لتستر قدميها. قالت وهي محتدمة: لا. بل صديقه.

ولتعرية الأنظمة ومن حولها حتى ولو كانوا قضاة؛ يصف لنا المؤلف طريقة القاضي الوسيط صديق والد نورالدين؛؛ في كيفية الالتفاف على قضية غياب نورالدين في الالتحاق بالجندية؛: ضحك القاضي، قال وهو يركّز نظراته إلى نور الدّين: خدمك خطّك السّيء. أنقذك. نحن في حالة عداء مع سوريا. يمكن أن يحكم عليك بالإعدام. أما إذا أرادوا تخفيف الحكم فالمؤبد من غير شّك. قال أبوه: بارك الله فيك. لا أدري كيف أردّ جميلك. نحن إخوان. عليه أن يلتحق بالجيش غداً، وإن استدعي إلى المحكمة لتخلّفه أخبرني. ثم التفت إلى نور الدّين: عليك أن تثبت أنّك جنديّ ممتاز. سأحاول جهدي. حين ابتعد نور الدّين وأبوه قليلاً عن بيت القاضي توقّف، قال لأبيه وهو ينظر نحو الأفق: سألتحق بالجيش. لكن بعد أن تبرئني المحكمة سأهرب ثانية. إن هربت فليس لك إلا أن تتبرأ مني رسميّاًَ. لا أستطيع العيش هنا قطّ. عمري اثنتان وعشرون سنة، لا أريد أن أضيّع عمري في الجيش. أنا مسؤول عن حياتي ومستقبلي. لا تنسَ هذا. وبتلك المداهنة ينظم نور الدين لخدمة العلم، لكنه ينذر والده بأنه سيهرب، وعلى والده أن يتبرأ منه لو عرفوا بهروبه؛؛

وفي الختام نرى أجمل تركيز واختصار بليغان بناهما المؤلف هو في الوصف التالي: لذّة لا غور لها في استرجاع ما حدث لهما منذ أن فكّرا في الهرب قبل أشهر. كيف أخذا يشتغلان أيام العطل! نهاية الأسبوع! حرما نفسيهما من كلّ شيء! كيف سيصعق الانضباط العسكريّ باختفائهما! كيف سلّط الله لهما الطّفلان! الشّرطي الذّي اكتفى بمئتي ليرة! الشّاب الوسيم الذّي أوصلهما بسرعة لكي يرجع لابنة عمّه! قهقها: رحيم شخاتي. المسكين الهارب الخائف الذّي أرعبهما! أبو عامر، عبد الكريم فخر الدّين. الحمد لله! اختفت مصادر الخوف والتّوجّس. الآن يتنعمان بنعمة الأمان التي سُلبت منهما. لا سؤال عن الهُويّة! لا خدمة في الجيش، لا تطوع في الجيش الشّعبي! لا هروب من الانضباط العسكريّ، لا تدقيق بالتّجنيد. حريّة تامّة، تفكير في المستقبل فقط. تشعّ عينا ذنّون سعادة ضافية. ما إن يلتفت إلى اليسار حتّى تلتقي عيناه عيني الفتاة الصّفراوين الفاتنتين. يهمس لنور الدّين: لا يهمّني أن أموت الآن، أنا حرّ، أنا سعيد، أنا أحبّ

 

الخلاصة:

ويبقى أن نقول أن رواية نطّة الضفدع طبقت مجرياتها على عكس المساق المادية التاريخية للتطور؛ فهي هنا خطوة إلى الأمام، وخطوتان إلى الوراء؛؛ ربما لكي نرى إلى حال العرب في وضعهم الراهن، وأبعد.

فهنا رحلة الذهاب ليست كما هي في طريق العودة؛؛ كانت الرحلة إلى الخارج بمراحل، بينما الرحلة إلى الداخل اختصرت بعناوين لأن الأهم هنا هو كشف الرياء الذي يمارسه حتى القضاة؛؛ هي إذن رحلة تمثل الهروب من الواقع، من الوطن، من قساوة الحكام، من شظف العيش، من الويلات، ولا يعتقد الهارب أن وضعه يقارن بغيره، ما لم ير إلى ما يحصل مع غيره، وبالتدريج يسحبنا المؤلف من مغامرة إلى أخرى كأنها لعبة صغيرة يمارسها أطفال؛؛ فالشخوص على الرغم من تشخيصهم لنماذج اجتماعية عامة، مندحرة، ومسحوقة من مجتمعات عربية متشابهة؛ فإن الاختلاف بين واقع الحال في العراق وسورية واضح في العموميات، وإنما هو في التفاصيل وبمعايشة ابن البلد، متطابقة؛؛ وقسوتها أمرّ؛؛ ومتى ما نصل إلى لبنان فالقياسات تضيع في تشرذم الناس؛؛ واختلاف القيم زمن الحرب الأهلية؛؛ سواء في المعاملة، أو الألفاظ، أو القيم العامة؛؛ أما المعيشة فمقاسها بكم ساعة سيعيش الإنسان منذ الآن، سواء كان في بيته، أو حينما يودع أهله، فلا أحد يضمن اليوم التالي؛ لهذا فإن الكل لاهون، مصدومون، مرتاعون، وعند المصائب، ووقوع الدمار من تفجير، وقتل يجتمعون، ويزاولون طقوس الدفن اعتيادياً؛؛ بلا رمشة عين.

إن عودة نور الدين تمثل لنا هنا النكوص؛ والتراجع؛؛ بل كانت رحلة نور الدين خطوة إى الأمام؛؛ وخطوتان إلى الخلف؛؛ ربما يترائ للقارئ بعداً ميثولوجياً من الحضارة الإغريقية؛ المتمثلة في حجر سيزيف المتحرج من جبل الأولومبوس، وعلى سيزيف أن يعيده من جديد إلى القمة؛ كذلك هي حال نورالدين وأقرانه؛؛ في رحلة العودة بأن عليهم أي يعودوا في كل مرة إلى الحرب بحجة خدمة الوطن؛؛ ويقضي كل منهم شبابه في دحرجة أحجار الحروب السيزيفية؛؛ ليس لحماية الأوطان؛؛ وإنما لخدمة سلطات دائرة متعاقبة.

 

عرض وتقييم: د. فاروق أوهان (2)

وندزور – كندا في 12\12\2011

 

..................

الهوامش:

(1) رواية نطّة الضفدع؛ صدرت عن دار "" عام 2011

(2) دكتوراه في علم اجتماع المسرح: باحث؛ ناقد، قاص، وكاتب مسرحي.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2520 المصادف: 2013-07-30 03:01:42