المثقف - قراءات نقدية

بين هدهد سليمان وميمك غلوم .. حكاية

ahmad fadelقراءة في المجموعة الشعرية: حكاية الميمك الحزين للشاعر العراقي جواد كاظم غلوم

الشيئ الذي لايمكن إنكاره وأنا أطالع هذه المجموعة الشعرية أنني أحسست بدموعي تترقرق على المقلتين دون أن تسقط منها قطرة واحدة، شعرت حينها كم من الأحزان نكظمها كيلا تفضح سرالرجولة.

هذه القصائد حملت صليبا ضخما فوق احرفها ومشت مضمخة بالجراح تنتظر حتفها، لكنها ظلت حية ولترتفع عاليا كما ارتفع يسوع من بين الأموات، قصائد لايمكن لها إلا أن تكون مراثي هادئة دون دموع، عويلها تسمعه أول عنوانها وآخر نغمة قبل الوداع .

غلوم الشاعر جلس بقصائده هذه قبالة قيثارة سومرية، عزف لحن حروفها فانسابت موسيقاها حزينة كميمكها، وكعادة الشعراء بث ما أخفته الصدور، تعانق البوح مع الطير وهي ثيمة لم يكن أمير الشعراء أحمد شوقي آخرهم حينما كتب سليمان والهدهد، لكنها مع غلوم غنائية حزينة تشي بكل ما احتوته المجموعة من قصائدها ال 32  وضع أولاها عنوانا لها جمع فيها كل كلمات القصائد التي احتوتها ليعطينا مفتاح أبوابها إلى عالم الألم .

  في قصيدة " حكاية الميمك الحزين " تناثرت من بين أبياتها كلمات  السأم، الفساد، التشرد، الأمان، القبور، الأفاعي، الشجن، الأشجار، الحنظل، الوطن، الفناء، المج والمقت، الشتم، الهشيم، الورود، الحصى، الينابيع والدماء، الكدر، العش، الكآبة، الفحيح، الخوف، الجلد، الجذام، الجوار، الهزج، البوح، الظلمات، النعيق، الطرقات، القبور، التسابيح، الصلوات، الأدعية، العهر والفسق، الأموات، العمامة المزيفة، الجلباب، مخيط الشياطين والمارقين، وعندما نتناولها هنا فهي مرآة لقصائد المجموعة بأكملها، لكنها ليست بديلا عنها لأن شاعرنا غلوم له في كل قصيدة عمارة حديثة، بناء جديد، لكن باطونه هو ألم الميمك بالتأكيد، يقول في أولها :      

طائر الميمك الجبلي

زارني في الصباح

نقر الباب نقرا خفيضا

كمن يستحي في الدخول

يستحي أن يقول الكلام المباح

فاستراح ثواني

وأنشدني مقطعا من اللحن

ما هزني

لم يرج كياني

سكب الصوت في مسمعي ناشزا

وقال بصوت كسير :

الزعيق يحاصرني أينما رحت يا سيدي

النهيق يجلجل في أذني كالطبول

هائجا مائجا مثل وقع الخيول

أنت يا أيها الشاعر المكب على الكلمات

تعفر صوتي

وبح لساني

سئمت الحياة

أرى الجنجويد تصول بحقلي

تعبث فسادا بدارة أهلي

دلني عن مكان بعيد أمين

شردتني الأماكن

بنيانها كالقبور

وأفنانا كالأفاعي تصير

لا أرى فسحة كي أبث شجوني

فأشجارنا حملت حنظلا

حسكا شائكا

ربما يسعف الشعر حنجرتي 

هدهد سليمان هنا ميمك الشاعر فإذا كان الأول قد نقل ما رآه من ملك بلقيس إلى سليمان النبي، فقد نقل الميمك أهوال الحاضر الذي يعيشه وهو ما يشعر به الإثنان في قوله :

إنما الشعر والشدو خلاننا التوأمان

فأنا متعب من الشدو

في وطن لايحب الغناء

يمج التلاحين، يمقتها

دلني أيها الجد

نحن أحفادك الطيعون

إنها صورة واقعية نقلها ميمك غلوم كما نقلها من قبل هدهد سليمان، فالموروث الديني ينهض ثانية بأخيلة الشاعر وهو هاجس ما برح الشعراء يتناقلونه دراسة ومعنى كما نجده في كتاب " الثابت والمتحول " لأدونيس الذي يقول عنه الباحث المغربي الدكتور محمد بتلحسن :

" والجزء المعنون بالأصول يضعنا أمام إشكالية تجوب ساحتنا، وتجتاحها بإلحاح، إنها قضية العلاقة بين الماضي والحاضر، أي بين الإنسان المعاصر وتراث أسلافه الذي ينفصل عنا ببون شاسع " .

الميمك الحزين لايزال يدلي بآهاته، وهو هنا يشهد الجد على هوانه واستسلامه، فالكاسر الأهوج لايزال يترصده، يطارده، كما الشاعر غلوم طوى خيمته وراح بعيدا يسكن المنافي يبحث عن أمان ضاع في بلاده بسبب الكاسر الأهوج، وها هو يحيل خياله ذاك إلى صورة حقيقية لمعاناته عبر ميمكه :

 يطاردني كاسر أهوج

أينما طفت، يشتمني

يحيل الرياض هشيما

تصير الوردة حصى

والينابيع نافورة من دماء

***

بين حين وحين

أرى غبرة في السماء

أرى كدرا في مرايا الغناء

أعود لعشي كي أستريح

مرة في غروب كئيب

كانت الزغب تبكي

سمعت فحيحا

يحط الرحال بقربي

تملكني الخوف

وارتعد القلب رعبا

تصاعد في النحيب

غلوم لم يبارح وهو في أوج عطاءه الشعري هنا أن يقدم لنا صورة شعرية جميلة قوامها العلاقة بين اللفظ والمعنى، أو الدال والمدلول مع وصف لحالة المحاور المعتمد على التشبيه كشكل من اشكال المحاكاة، فقد ركز على تشبيهات مثل كاسر أهوج، تصير الوردة حصى، الينابيع نافورة من دماء، الكدر في مرايا الغناء، وهوعامل يضاف إلى عوامل إبداع الصورة الفنية الشعرية كما الواقع، الخيال، الحدس، اللاشعور، الذاكرة والموروث، القدرة أو المهارة اللغوية والتعبيرية، الرغبة في الخلق والإبداع، وقد نجح في اختزال التقريرية والخطابية في هذه الأبيات والأبيات اللاحقة من القصيدة، وهو ما يعبر عن أصالة إبداعه وتفرده الدائم في موائمة الشعر مع الصورة وتأويلها كما في هذه الأبيات :

رأيت الأفاعي تأكل نسلي

تعيث ببيتي الصغير خرابا

رياضي أضحت رمالا يبابا

سمائي علاها السخام

وجلدي حواه الجذام

وصوتي غدا لوثة السامعين

***

أشرت إليه .... تعال صغيري

أترضى جواري؟

أعلمك الهزج والبوح في الظلمات

نصير معا ناعقين على الطرقات

نؤم القبور

ونتلو التسابيح والصلوات

نرتل أدعية العهر والفسق للميتين

نرتدي عمة الزيف للنائحين

وجلبابنا من مخيط الشياطين والمارقين

هكذا سنغدو معا سيدين

من دعاة الصلاح

نجيد البكا والنواح

" حكاية الميمك الحزين " قصيدة داعبت أحاسيسنا بألم مكبوت، أما بقية قصائد المجموعة فلم تبتعد عن ذلك الشعور بالأسى والإحباط حتى في بعضها الذي تلفح بالعاطفة والوجدان وستكون لنا عودة لقرائتها في فرصة اخرى، المجموعة صدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون ومقرها بيروت بطبعة أولى هذا العام وبواقع 134 صفحة من القطع المتوسط، زينت غلافها الصقيل صورة الميمك الحزين وهو يقف على غصن ورد أصفر وكأنه ينظر إلينا بعين محزونة مليئة بالقهر والعذاب .

 

أحمد فاضل

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الناقد والمترجم احمد فاضل
وانا اقرأ نصَّك النقدي حول قصيدة/ حكاية الميمك الحزين احسستُ كأنك معي تناجي أذني وتكشف مابي في أدقّ ما أقول
لقد توغلت في القصيدة ولمست جذرها وارتقيت حتى وصلت ثمارها ، اجل ايها الحاذق الماهر هكذا يكون النقد لايقتصر على الانطباع انما ملامسة الخشونة والنعومة معا والسير في العثار وفي الدروب السالكة
تقديري واعتزازي بك ناقدنا الاستاذ احمد تقبّل محبتي الوافرة

جواد غلوم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2535 المصادف: 2013-08-14 00:50:49