المثقف - قراءات نقدية

قراءة تحليلية في روايتها: كم بدت السماء قريبة .. بتول الخضيري سمفونية الطفولة

ahmad alhiliربما لا يتوافر عمل روائي عراقي على مثل ما توافر عليه هذا العمل الأول لبتول الخضيري، والتي استطاعت أن تقدم لنا فيه الكثير من عناصر الجمال من ناحية الفن المعماري للرواية وتكتيكها الداخلي الذي يقرب من أسلوب حكايات وأساطير الأمم السالفة، وفي الوقت ذاته الذي لم تغفل فيه الروائية عن أن يكون عملها مستوفياً لاشتراطات الكتابة الحديثة ولا سيما الأوروبية منها..وبذلك تكون الروائية قد انتشلتنا من اليأس والقنوط الذي ظل جاثماً فوقنا من رؤية أعمال عراقية صميمية تنبض بكل هذا الدفق الرفيع من حيثيات الجمال وهي إذ تفعل ذلك فإنها تنفض الرماد عن جمرات ما تزال تشع بالألق الأخاذ.

وهو ما يحيلنا إلى تلك النبوءة التي تبنّاها الناقد الروسي بيلنسكي بشأن المكانة  التي سيحظى بها الروائي دوستويفسكي حال انتهائه من قراءة روايته الأولى (المساكين).

 تعتمد الرواية على أسلوب سرد أحداث السيرة الذاتية لبطلة الرواية والتي من المرجع أن تكون هي الكاتبة نفسها بدليل أنها تهدي كتابها البكر هذا إلى أبويها ركني الحبكة الأساس، "إلى أمي وأبي ورحيل قبل الأوان".

تسرد الرواية كما أسلفنا أحداثاً تتعلق بالسيرة الذاتية لإحدى الفتيات منذ سني طفولتها وصباها حتى شبابها وما جرى لهما خلال ذلك من وقائع وأحداث، ونتبين من خلال لغة السرد أن أم الفتاة إنجليزية وأن أباها تعرف عليها واتخذها زوجة أثناء دراسته في إنجلترا، ليعود بها بعد حصوله على شهادته العلمية إلى بلده العراق، لنرى كيف أن سحر الشرق وغموض معالمه وهما ما أغريا الأم الإنجليزية وغررا بها للقدوم مع زوجها إلى العراق، خاصة بعد أن حطت العائلة رحالها في إحدى قصبات بغداد وهي منطقة الزعفرانية، حيث الأجواء الريفية الكابية وحر الصيف اللاهب، والغبار والبعوض والأمراض ووجوه الفلاحين الشاحبة وبؤسهم، ومع ذلك فإنها تجد نفسها مضطرة لتقبل الأمر الواقع وهذا النمط من الحياة على اعتبار أن ذلك تم باختيارها هي  بالإضافة إلى أنها أنجبت منه طفلتها الوحيدة.

لم تشأ الراوية أن تضع لأبيها اسماً ، مثلما لم تضعه لنفسها على ولعها بذكر الأسماء وهي تغرقنا في أجواء حكاياتها المدهشة، والتي لم تكن الدهشة فيها ناجمة عن أحداث جسام حدثت بقدر ما كانت متأتية من طريقة السرد بحد ذاتها  ؛ اشتغال مخيلتها وقدرتها على نسج وبلورة الأحداث والمفارقات والاستذكارات  الحميمة التي تضفيها شخصية الساردة بطلة الرواية، على مجمل الأحداث ، فشخصيتها الحاسمة ودينامية الرؤيا واشتغال المخيلة وابتكاراتها الذكية هي ما أعطى الرواية كل هذا الزخم المتدفق والمتوازن في آن معاً.

بعد الانتهاء من قراءة الرواية، يستطيع القارئ التنبه إلى جملة معطيات، يأتي في مقدمتها أن تأثير مرحلة الطفولة بالنسبة للفتاة كان حاسماً وأثيراً جداً، وأن ذاكرتها  ظلت معلقة هناك حيث الأكواخ الطينية التي كان يقوم بتشييدها البسطاء الفقراء والأغنياء في وقت واحد، فقراء من ناحية بؤس أوضاعهم المادية وعدم توفر الممكنات ولكنهم أغنياء بعواطفهم الجياشة وطيبة قلوبهم ومشاعرهم الصادقة وعفويتهم، والتي أعطت لهم كل هذا الزخم المتواصل في مواجهة صعوبات الحياة والتغلب عليها بل وإيجاد سعادتهم الخاصة بطرائق سهلة وفذة ومن خلال هذا الشقاء ذاته .

 تختار الطفلة صديقة لها من بين أبناء العائلات الفقيرة المنتشرة حول بيتهم الذي يطلق عليه أهالي القرية ، (بيت الخبير) اسم هذه الصديقة الصغيرة هو خديجة والذي ما يلبث أن يتحول إلى (خدّوجة) وهي تقول ؛ "لم اشعر بحجمي الحقيقي إلا معها ، أصغر مني صُغّرت أكثر، بمشيئتي أنا، فاستحالت إلى خدّوجة ، كانت هي عالمي وكل ما يتعلق بالنصف الثاني من النهار، محبط ممتد بين بيتنا وكوخ الفلاح، أبيها حيث تستلقي مزرعة مشمش".

وبعد أن تتعمق صداقتها معها وما يجري خلال ذلك من أحداث حميمية آسرة تتخللها مقاطع من أغنيات الطفولة باللغة الدارجة تتعرض (الطفلة) لأقصى صدمة لها في الحياة على الإطلاق من خلال اختطاف الموت لهذه الصديقة الوحيدة، لذلك فإن عقلها الغض لم يستطع تقبل هذه الصدمة ؛ (الموت وخدوجة، أخفقت في الربط بينهما، ولكن خدوجة ظلّت تلقي بظلالها على الرواية برمتها .

نلاحظ أن لغة الخطاب التي ارتكزت عليها ثيمة الرواية تعتمد أسلوب مخاطبة الغائب الذي هو أبوها، حيث يتضح ومنذ الوهلة الأولى انحياز عواطفها له باعتبار أنه مثلها ابن البيئة البار، في مواجهة طروحات الأم القوية ومشاكساتها الكثيرة وكثرة تبرمها من بؤس وضيق أفق الحياة التي وجدت نفسها مقذوفة فيها عنوة وإن باختيارها، وقد يكون من الأسباب الكثيرة لانحياز الفتاة لأبيها على حساب أمها هو (دكنة) البشرة التي جاءتها من أبيها حيث كان التلاميذ في المدرسة يستقبلونها بـ (جاءت العبدة) كانت تصف نفسها بعد شجار لأمها مع أبيها وهي تنسحب معه إلى غرفته في الطابق العلوي؛  "وأنا حينها مثل أنثى البطريق أجر قدمي للحاق بك، ومع ذلك" ، مع كل هذه القتامة والأجواء الكابية اليومية في البيت من جراء المناكدات المستمرة بين الأم والأب الذي يبدو أنه كان أضعف حجة مع امرأته، تطفو على السطح أحياناً بعض الموافق الطريفة (لم تعد أمي تصر على تعلمي إنجليزيتها) وبدأت تحسن استعمال بعض المصطلحات في الفترة الأخيرة، فتفاجئنا مثلما فعلت مرة عندما أتيتك بدعوة من مدرستي لاجتماع للأهالي قررت أنت أن تحضره، وضعت يدها على خصرها اعترضت قائلة: "ليش إيني" قاصدة ليش عيني، مصرة على أن تحضر هي الاجتماع أيضا، انفجرنا ضاحكين معاً مما كسر قليلا من وجوم الأيام الأخيرة. يتضح لنا كذلك أن من جملة أسباب الخلاف الدائم بين الأم والأب اختلاف وجهتي النظر حول الطريقة المثلى بنظر كل منهما والتي يتوجب إتباعها في تربية الفتاة وتنشأتها وتعليمها، فالأب مثلاً كان معارضاً منذ البداية لفكرة دخولها لمدرسة الموسيقى والباليه، بينما الأم تصر على ذلك، وتضع فكرتها موضع التنفيذ حيث تجد الفتاة نفسها في اليوم الأول لدخولها المدرسة (يدخلون ويخرجون لا أحد يلحظني أشعر أنني كنملة).

 

 محاولات الأم كسر القوقعة

تقوم الأم بين آونة وأخرى باستقبال صديقتها الإنجليزية أميلي وشقيقها ديفيد الذي يصر الأب على تسميته (داود) وكمحاولة منها كسر عنصر الرتابة في حياتها والثأر لنفسها من زوجها، وتقيم علاقة حسية مع ديفيد، لا يلبث الزوج أن يعلم بأمرها إضافة إلى علم البنت، ولكن ، وكما يتضح لنا فإن الزوج يصمت ويتغاضى رغبة منه في إبقائها معه لرعاية شؤون البيت والفتاة حسب زعمه ، ولربما لخشيته من أن تبقى ابنته من دون راع خاصة وهو يخشى من أن يباغته الموت في أية لحظة ومع ذلك فإن ذلك لا يخلو من أعراض نزعة شرقية استئثارية متأصلة تقوم على الإمعان بإذلال الآخر، فهي حين تكرر أمامه طلبها المتكرر بالطلاق منه لم يجد إلا أن يتفوه بجملته النابية (أما عصمة الطلاق فبيدي، لا يمكنك التحرك بدوني، تذكري ذلك جيداً).

ثم لا تلبث أحداث الرواية، أن تتخذ منحىً آخر أكثر قوة وقسوة حين تقرر العائلة الانتقال إلى بغداد حيث بدأت الفتاة في طور الدخول بمرحلة النضوج الجسدي والعقلي، في الوقت ذاته  يدخل في البلد في دوامة حربه الأولى، فتبدأ في التراجع والتقهقر الكثير من مظاهر الحياة الفائضة عن الحاجة ومن ضمنها مدرسة الرقص ففي وصف لها لأحد الشبان من رفاقها في الفرقة وهو فاروق " كانت فكرة الجبهة ترعبه ، قرر أن يبقى في الفرقة عسى أن يعفى من الخدمة العسكرية، باعتبار أنه سيخدم المسرح بعد تخرجه قائلاً بهمس، لن أفلح في حمل السلاح، الأجدر بهم أن يدعونني أرقص للوطن " ، ومع ذلك فإن مدرسة الفرقة، راقصة الباليه المتزمتة والتي يطلقون عليها لقب المدام والتي لم تستطع بسبب اشتعال الحرب ذاتها من إكمال دراستها العليا في موسكو، تبقى مصرة على التمسك برسالتها ومواصلتها حتى النهاية، فتقول لتلامذتها (يجب أن نتجاوز موضوع مادية الجسد، هذا هو فن الباليه)، ومن كلماتها الأخرى (لا تفخروا في الانطباع الذي ستتركونه على الخشبة، بل انصتوا لالتواءات مفاصلكم ودعوها تحدد لكم خبرتكم في إدراك الذات بدلاُ من الجري في جوارب سميكة تبرز أعضاءكم للجمهور ليس إلا)، و(أريد الآن من البنات أن يتسلقن جذوع الأولاد مثل اللبلاب)، (أطلقوا العنان للمفاصل، فهي مفاتيح الجمالية التي نسعى إلى تحقيقها، إنها تزاوج ميكانيكية المادة، أي نحن بشفافية الروح الموسيقى).

أما الانطباع الذي كان يتركه فيهم رقصها ؛ (عندما ترقص المدربة نعلم أنها تتحرر) و (قفزت المدام في زي أبيض لامع كأنه أسطورة) و(وجدنا صعوبة بالغة في اللحاق بحلمها).

وتنقل لنا كذلك بعض التعليقات والمحاكاة الساخرة التي كان يطلقها زميلها فاروق، فمثلاً هو يعلق واصفاً أختين توأمين متدربتين معهم، (جاءت عيدان الكبريت) في إشارة إلى نحافتهما وتعليقها هي (التقى عند السلالم الدخول بسارة التي تظهر في إطار البوابة هزيلة كأنها قادمة من مجاعة).

 

 إرهاصات التجربة الحسية عند بطلة الرواية

تستمر علاقة المدربة بالفتاة حتى بعد انفراط عقد الفرقة وفي إحدى المرات تمر عليها بسيارتها إلى البيت، وتصحبها معها إلى بعض أصدقائها للترويح عن النفس ورؤية بعض الوجوه الطازجة، فتذهب بها إلى شقة النحات الذي ما يلبث أن يترك مائدة الجلسة التي كان يجلس إليها بالإضافة إلى مدربتها معمارية ومسرحي في الغرفة المجاورة حيث كان تتأمل الأعمال الفنية بدعوى أنه جاء يبحث عن منفضة السجائر ليدخل معها في حوار فلسفي فحين يطلب منها أن تصف نفسها لم تجد سوى أن تقول أجدني نموذجاً لمفترق خيالات شتى، اقتصرت الزيارة الأولى على التعارف والحوار فقط وفي غمرة أحداث الحرب وشبح الاستدعاء إلى الجيش، يجد الفنان نفسه مسوقاً إلى أهوالها، فيتصل بها طالباً اللقاء معها، وحدها هذه المرة، فتجد نفسها منساقة لا شعورياً لتلبية طلبه، وربما بدافع الفضول فالفنانون عموماً يشكلون إغراء ما بالنسبة لطبيعة المرأة، تدخل الشقة، وتصف لنا حراراتها (درجة الحرارة تلعق الرقم 40 في المحرار المعلق على جدار الممر) تحاول تغيير الموضوع بالحديث عن بعض المنحوتات لتستدل هي مع نفسها (الحذر والفضول لا يأكلان في صحن واحد)، وفي أوج لحظتها الحميمية  ؛ "وفي ومضة حلم بلون السماء، بنيت لنفسي قصراً من سكر، جسده الأشقر الأملس يقطر عرقاً، أذاب جدران قصري، سبحت في محلول حليبي دار بيننا، لن أنجو استسلمت وقبل أن أغرق ابتلعت موجة صغيرة من حلاوة أخيرة" .

يذهب الفنان إلى الجبهة ، ومن هناك يبعث برسالة (عطري المكان بأنفاسك حتى نتلقي، أتمنى أن أجدك في انتظاري هذه المرة، أهديك قبلة رودانية.

 

تحطيم النحات لتماثيله

في ساعة متأخرة من الليل ينزلق الفنان من فراش الحب الذي يجمعهما لتجده في الغرفة الأخرى، وقد أكمل تحطيم التماثيل بالفأس كنوع من ممارسة عقاب الذات، فالعمل الذي وجدوه له في الجبهة بعد الوساطات هو إيصال جثث الشهداء في معارك الحرب إلى ذويهم، وهو مما يتناقض تماماً مع روحيته ونفسيته كإنسان ناهيك عن كونه فنان فتجده جالساً في الزاوية البعيدة يرقب الحطام يدخن بشراهة ويبكي، ليقول لها ؛ (في الماضي كنت أعرف  في حياتي شعوراً يسمونه إشراقة الإبداع، أما الآن، فلا أجد غير دقائق انتعاش قصيرة في صراع مع الزمن يشبه صحوة الموت)، وبصوت تشوبه نبرة اليأس: (أريد احتواءك قبل فوات الأوان) (مدد ثناياي على منضدة العمل الفارغة، شغلناها حتى الفجر بألم).

 

الرحلة إلى لندن

"صعدت سلالم الطائرة أحمل حقيبة واحدة تتبعني أمي بثدي واحد" ، حيث أن الأم أصيبت بسرطان الثدي فتضطر إلى استئصاله قبل سفرها إلى لندن، وفي أعقاب الأيام الأولى لوصولهما ورقود أمها في المستشفى لاستكمال العلاج، تتعرف إلى (آرنو) وهو شاب من أم إفريقية وأب فرنسي، والذي يسألها عن جنسيتها في جلسة صاخبة، فتقول له (تستطيع القول إني خليط متناقض أيضاً)، هز كتفيه (إذن لنشرب نخباً، سأسميه ارتباك) وأثناء ذلك تستمر في الوصول إليها رسائل المدام من العراق، شارحة فيها الظروف القاهرة التي يعيشها الناس جراء الحصار الذي تم فرضه على العراق بعد استعادة مدينة الكويت، (عثرت على صورة في مجلة لطائرتين هائلتين مضطجعتين في الجو يربط بينهما خرطوم نقل البنزين، وجاءتني الفكرة، التكنولوجيا تتعاشر فوق رؤوسنا، تلتقي ثانية بآرنو، ولكن هذه المرة بحميمية أكثر، وتضطره ظروف ما إلى السفر إلى موطن أمه (كينيا) وتنقطع أخباره عنها، تكتشف أنها حامل، (اعترض أسفل بطني شريط من لزوجة شفافة كان حلزوناً مبللا بحجم الكف زحف فوقي)، فتقرر (فاضطررت إلى مواجهة اتخاذ القرار بمفردي، أفكر في أمي، أردد كل ليلة، سأصلح الخطأ قبل فوات الأوان، لن أستسلم كما فعلت هي، وبعد مدة يزورها آرنو في المستشفى (نزلنا معاً إلى الكافتيريا، قبلني بشيء من برود، فتصارحه بالأمر يرتبك أو يتظاهر بالارتباك، يحاول تدارك الأمر، وفي خضم اضطرابه تفلت من لسانه جملة اعتراف بأنه متزوج سابقاً) أرجوك افهميني، هذا لا يعني أنني سعيد أو أي شيء من هذا القبيل، نحن على أبواب طلاق، لكن زوجتي إفريقية مثل أمي، وأوراق القانون عندهم جعلتني أقع في مصيدة، فتبادره (لست مديناُ لي بهذه الشروحات سواء أكنت في إفريقيا أم في القمر، كان في استطاعتك أن تكون صريحاً منذ البداية، على كل حال، لا يهم فنحن أغراب وسنفترق أغراباً، أضفت ؛ (سحالي بكل معنى الكلمة) ثم لا يلبث مرض أمها (سرطان الثدي) من التمكن من جسدها، فتتدهور حالتها الصحية، لتموت بعد ذلك، وفي لحظات هذيانية تطلق أمها بعض العبارات التي تنم عن أساها الفاجع وإحساسها بلا جدوى الحياة (ثم تزوجت وأخفقت في إسعاد الزوج، ثم تغربت وأخفقت في فهم بيئة زوجي، ثم أحببت رجلاً آخر من بني جنسي من خلف ظهر الزوج، ومع ذلك أخفقت في الحفاظ على العشيق)، ثم لتضيف (إنها فكرة بلهاء، قضية الانتماء، فنحن لا ننتمي إلا لظلال أجسادنا التي ترافقنا، ما دمنا أحياء).

 

 براعة الأوصاف والتشبيهات

 من السمات البارزة التي بمقدور القارئ تمييزها في هذه الرواية، هي احتواؤها على تلك الجمل المقتضبة المبتكرة والتي هي أقرب شبهاً بمعادلات الرياضيات لقوة الحسم فيها بالإضافة إلى شعريتها العالية وتتبدى لنا أيضاً براعة الكاتبة في إطلاق مختلف أنواع التشبيهات والأوصاف التي زينت أسلوب الرواية وكأنها ماسات نادرة وأحجار كريمة يتم استجلاؤها للتو، وكمثال على ذلك نورد بعضاً منها:

 

- في وصف لها لأمها (كانت تجلس بتراخ على الأريكة السوداء في غرفتها، ترتدي ملابس سوداء، شع بياض بشرتها، بحيث لفت انتباهي، كان وجهها وذراعيها وساقيها قطع من تلك الدمى الصينية المستوردة التي تستخدم في التمثيل الصامت).

- في وصف لها لصوت أبيها " صوتك العميق الذي يشبه بشرتك" .

-  قبل أن تستأنف تعليقها، رن هاتف أخضر يزين قاعدته قرص بلاستيكي مذهب، أصدر الجهاز  ورورة متميزة كأنها مجموعة من صراصير ليلية محبوسة داخله.

- كم أحب هذه اللحظات التي ترفعني فيها عمة خدوجة عن الأرض بحركة رشيقة سريعة فتجلسني على كتفها، تتدلى إحدى قدمي على صدرها والأخرى على لوح ظهرها، طريقة لحمل الأطفال لم أجدها عند غيرهم ، يداي تمسكان بفوطة رأسها، أشعر كأنني قدور اللبن الرائب العالية، التي تصفّها الواحدة فوق الأخرى، تسير بها بتوازن عجيب عبر الطرقات الزراعية. من الجدير بالذكر أن لوحة الغلاف والتي قام برسمها الفنان أرداش كافيكيان اعتمدت على هذه الوصف بالذات حيث تم تناولها بطريقة التجريد.

-  في وصف لأبيها أثر رؤيته لها بعد فترة من التدريبات في مدرسة الرقص "ستنمو عضلاتكم ويصبح جسمك مثل جسم رجل".

- في قول لأمها وهي تحتج على الزوج الذي يرفض فكرة انفصالهما والتي كثيراً ما كانت تلح بها عليه ماذا؟ هل سأظل تحت رحمة قوانينك؟ حقاً تتصور أن حياتي عبارة عن مكعب ثلج يطفو في كأس مشروبك؟).

- تصف نفسها ؛ (قرأت على ضوء الشموع، حتى استحالت الحروف نملاً يتنزه على الورقة.

-  (كل شيء حولي يتحول إلى جثة)، إحساس راودها بعد موت أبيها.

-   (أتمطى بجسدي مثل قطة).

ـ (ليونتي تستفيق من مخابئها، الدلافين الصغيرة أخذت تسبح في المجرى، بدأت أطوف في عمق المرأة، تفقٌ من جليد وفضة) .

..................

يجمل بي في نهاية المطاف أن أثبت هنا بعض الكلمات التي أشادت بجهد الكاتبة والتي احتواها غلاف الطبعة العربية ؛

* كم بدت السماء قريبة عمل آسر يعلن عن ولادة روائيّة غير عاديّة ... الرواية الشخصيّة لكلّ منّا في ذاته، وروايتنا الجمعيّة مع أنفسنا ومع الآخرين، ومع الأغيار.

د. فهمي جدعان

*الرواية تأخذنا إلى ... أعمق نقاط الجرح في حياتنا، حيث فجيعة الموت، إهانة المرض، عبثيّة الحرب، دون أن تحجب عنّا عينُها الصافية جماليّات الحياة وإنسانها.

د. ليلى نعيم

*إن هذه الرواية تتميّز بنكهتها العراقيّة الأصيلة من حيث الأجواء والأحداث والمرحلة التاريخيّة التي تتحدّث عنها ... رغم أجواء الخيبة والحزن، إلا أنّها تهمس لنا بأمل ينتظر ما دامت الحياة تجري والحافلات تسير.

سليم مطر

*إن للروائيّة قدرة ً هائلة في الوصف والغوص إلى أعماق ودقائق الأشياء، سواء تفاصيل الحياة اليوميّة في العراق ولندن، أو ما يقع تحت بصرها، فضلاً عن قضايا أنطولوجيّة كعلاقة الفنّ بالحرب والموت والحياة والحبّ...

طراد الكبيسي

*لغة سلسة ورصينة في آن، ورسم بطئ متأنّ، وغوص في روح الإنسان وعقله لاستخلاص ما يسكن هذا الكائن من مشاعر وطموحات، ولاكتشاف مساحات الجمال والقبح والتشوّهات.

عمر شبانة

 *كم بدت السماء قريبة... تحفة أدبيّة في صدقها وصفائها وبنائها الروائيّ وشخوصها وأحداثها وذكرياتها وافقها المعرفي.

محمّد سعيد الصكّار

*رواية كم بدت السماء قريبة تتكلّم بلسان عربيّ عراقيّ حميم. والرواية ليست سيرة ذاتيّة، بل تحتدم بصراع شرق وغرب متعاديين...

محمّد عارف

* بتول ... عملت بنصيحة (هاملت) ... ترفع المرآة بوجه الطبيعة، لنرى ما تغضّن من وجه العراق، وما ينبض تحت الجلد من أنساغ الحياة (اللاتقهر).

د. عبد الواحد لؤلؤة

* رواية (عائلة) تجلو الحنين، وتصطفي تفاصيل وطن منظورٍ له من معيش وغربة وحرب ! توهم بسيرة ذاتيّة لأّنها تفيد من معلومة المكان لأغراص التخييل، حسب !

محمّد الجزائري

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2536 المصادف: 2013-08-15 00:43:28