المثقف - قراءات نقدية

تبرير الموت دراميا .. "منبر الموتى" نموذجاً (1-2)

yousif abolfawzشهد شهر رمضان الماضي عرض العديد من المسلسلات العربية، التي تنوعت بمواضيعها ومستواها، لكنها جميعها نجحت في شد المشاهدين الى شاشات التلفزيون، ومن هنا تأتي خطورة واهمية هذه المسلسلات في التأثير على وعي المشاهدين، خصوصا اذا كانت تمرر للمشاهد قضية ما على طريقة دس السم بالعسل ! وبفضل اليوتوب ومواقع الانترنيت المختلفة، وأذ صار ممكنا متابعة الكثير من البرامج والمسلسلات، تسنى لي ومن بين جمهرة مسلسلات رمضان متابعة مسلسل واحد هو الجزء الثالث من المسلسل السوري "الولادة من الخاصرة "، الذي حمل هذه المرة عنوان "منبر الموتى"، والسبب في اختياره لاننا في العائلة كنا شاهدنا الجزء الاول والثاني منه، فكان الاتفاق على متابعة الجزء الثالث، وياليتنا لم نتابع!

المسلسل بأجزاءه الثلاث من تأليف الكاتب سامر رضوان،  وتدور احداث المسلسل باجزاءه الثلاث حول الفساد الاجتماعي والسياسي الذي يعانيه المجتمع السوري، وحاول الجزء الثالث ان يقترب من مجريات الاحداث الاخيرة في سوريا وواقع الشارع السوري في ظل أحداث الثورة السورية. ولم تمنح الجهات السورية الموافقة بتصوير الجزء الثالث من المسلسل على اراضيها، وطلبت التأجيل في ذلك، ففهم من قبل الكثيرين بأنه اسلوب لمنع المسلسل، فقرر صناع المسلسل التوجه الى لبنان .

واذ اخرجت الجزء الاول والثاني منه المخرجة رشا هشام شربتجي (مواليد 1975) لكنها انسحبت من اكمال اخراج الجزء الثالث بعد بدأ العمل فيه، واسندت المهمة للمخرج سيف الدين سبيعي (مواليد 1973) لإتمام العمل، واعلنت المخرجة للصحافة ان انسحابها جاء لاسباب انتاجية فهي توصلت إلى قناعة باستحالة تنفيذ العمل بإمكانيات إنتاجية أقل مما يفترض للخروج بمستوى فني لا يقل عن الجزءين الأول والثاني. ومهما تكن اسباب الانسحاب، تتعلق بالانتاج او الاختلاف في وجهات النظر، فأن الجزء الثالث لم يرتق الى مستوى الجزءين السابقين لاسباب عديدة، ربما قد يكون احدها ظروف الانتاج فالمسلسل تم تصوير احداثه بالكامل في لبنان، في اماكن مشابهة للواقع السوري، مدعومة بحيل الديكور والاكسسوارات . ولكن اهم اسباب الهبوط في مستوى المسلسل هو انقطاع خيوط درامية سابقة عديدة وغياب مفاجيء لشخصيات مهمة عن احداث المسلسل وظهور شخصيات جديدة في احداث مفبركة بدون مبررات درامية مقنعة، فغاب عن المسلسل اهم مقوماته وهو أقناع المشاهد دراميا بهذا الغياب او الظهور للشخصيات، مما قاد الى وجود احداث مفتعلة ومصادفات ونتائج واضحة يقررها صانعوا المسلسل لقول ما يدور في بالهم، ولا يقود لها منطق الاحداث في المسلسل، او التطور الطبيعي للشخصيات . أما جعل الشخصيات تنطق بافكار مسبقة جهزها صانعوا المسلسل لا تتناسب مع الفعل الدرامي للمسلسل، فقد جعل الشخصيات تبدو غير منسجة مع واقعها ومسار تطورها الطبيعي وجعلها تبدو كاريكاتيرية أكثر منها درامية . ورغم ان المسلسل حاول تحميل طرفي الصراع مسؤولية الاحداث الحالية، من خلال عكس شخصيات واحداث تتوزع على الطرفين، الا انه لم يبتعد عن مغازلة الحكومة السورية، عبر مواقف وحوارات تنطق بها الشخصيات، وتحمل افراد في مؤسسة الدولة مسؤولية الاحداث لعدم اتباعهم حلول واقعية واعتمادهم العنف كاسلوب للحل .

 في الجزء الثالث مثلا غابت شخصية عقيل (الممثل عبد المنعم العمايري ) وبالتالي غابت معها الكثير من الشخصيات التي كانت تدور حولها، وان حاول الكاتب الابقاء على بعض من تلك الشخصيات فلم يكن لوجودها تأثير على مستوى تصعيد الاحداث دراميا وظلت مجرد ديكور هامشي. اما بعض الشخصيات الاساسية مثل العقيد رؤوف (الفنان عابد فهد)، فلم يأت في الجزء الثالث مقنعا بدور ضابط الامن الفاسد السادي الذي رايناه في الاجزاء الاولى، مما كسب تعاطفا من الجمهور مع احداث المسلسل في اجزاءه السابقة اذ كان ثمة واقعية ومصداقية فيما يعرضه المسلسل من احداث تتعلق بهذه الشخصية . شخصية المقدم رؤوف في هذا الجزء ترك تأثيره على الممثل عابد فهد اذ فقد قدراته التمثيلية التي اعجبت الكثيرين وتابعناها في الاجزاء السابقة، فكان اداءه في هذا الجزء باهتا، اذ ظل على طول حلقات المسلسل يصرخ غاضبا، متوترا، بدون اي عطاء درامي متميز . اما شخصية ابو اياد (الفنان عبد الحكيم قطيفان)، السياسي المتنفذ الفاسد  فقد تابعناه في الاجزاء السابقة كيف يستغل المقدم رؤوف والخارج على القانون ابو نبال (الفنان باسم ياخور) من اجل مصالحة الخاصة واستمرار نفوذه ومصالح شلته من المسؤولين الفاسدين، لكننا في هذا الجزء صرنا نشاهد ترقيعا للاحداث المتعلقة بسلوكه وبشكل غير مبرر، وكأن الهدف تمرير وجهة نظر تجامل الحكومة السورية وتشير الى ان المسؤول الاساس عن الاحداث والتجاوزات بحق المواطنين هو بعض ضباط الامن الفاسدين والسياسيين، وكأن الامر ليس متعلقا بمنظومة حكم تتحكم بحياة ومصائر الناس .

يتبع ...

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2544 المصادف: 2013-08-23 00:37:08