المثقف - قراءات نقدية

مسلسل "ميم ميم": متعة و مسيار..أرنب و غزال!

alaa allamiكنت قد توقفت سريعاً على صفحتي الشخصية على الفيس بوك عند المسلسل التلفزيوني "ميم ميم" والذي بثته قناة "الشرقية" عن زيجات "المتعة والمسيار" قبل أيام؛ هذه وقفة أكثر تفصيلا حول الموضوع لإعطائه بعض حقه لتناوله موضوعا مهما وحساسا من المواضيع التي تتردد الدراما التلفزيونية العراقية في المعتاد عن الخوض فيها لأسباب شتى ولذلك يستأهل صنّاع هذا المسلسل، مؤلفا ومخرجا وممثلين وفنيين، التحية الأولى على جرأة التناول ولكنّ هذا ليس كل ما ينبغي قوله.

لاحظت في وقفتي القصيرة تلك عند المسلسل المذكور، عدم توازنه المضموني وخلفياته الاجتماعية والسياسية، فالقصة كلها تقريبا، أو لنقل بنسبة قد تناهز الثلاثة أرباع تركز حدثياً وحوارياً على نوع واحد من هذا الزواج، ما جعل إدراج النوع الثاني "المسيار" يبدو وكأنه جاء لمجرد رفع العتب والإحراج، دع عنك أن هذا النوع من الزيجات "المسيار" غير موجود بشكل يكاد أن يكون تماماً في العراق إذ لا يمكن مقارنة وجوده مثلما هي الحال في السعودية و بعض دول الخليج العربي. وأسجل هنا أنّ حكمي النقدي هذا يتعلق بغالبية حلقات المسلسل التي شاهدتها، فقد فاتتني فعلا مشاهدة بعض الحلقات وخصوصاً من بداياته أي قبل أنْ تنمو الشخصيات درامياً وتستقر ملامحها وملامح الخط العام للقصة وهذا قد يعني أنه حكم قابل للتعديل إذا ما تأكد أنّ حلقات أخرى قد ركزت على النوع الثاني من هذه الزيجات، ومع ذلك فقد اختط أصحاب المسلسل طريق المثل السائر حول الأرنب والغزال مع تحوير جزئي ليكون (تريد متعة خذ متعة تريد مسيار خذ متعة) ولو أنّ المؤلف عبد الخالق كريم – وهو رجل واسع الثقافة وحصيف الرأي كما بدا من حديثه - لو أنه جعل نصه عن نوع واحد من هذا الزواج المؤقت، كأن يكون عن زواج المتعة فقط، أو عن زواج المسيار لا غير، ونحن جميعاً نعي كعراقيين الإحالات المجتمعية والطائفية للنوعين، لكان ذلك أفضل وأكثر جدوى واستقامة فنياً له وللعمل ولنا كمشاهدين. نقول هذا، رغم أن مؤلف العمل – للإنصاف - لن ينجو من انتقادات معينة قد لا تقل حدة حتى لو لجأ لهذا الخيار بفعل الاستقطاب السياسي والطائفي في عراق اليوم.

 أما من ناحية الهجاء و الاستهداف السياسيوي الشخصي فقد كانت بعض ملامحه جلية، ولا تخفى على المشاهد العراقي العادي، فكُنية بطل المسلسل الشرير "أبو سرى" مثلا، والذي أداه بنجاح واجتهاد الفنان طه علوان، يوحي بإحالات قوية، خصوصاً وأنها تُذَكّرنا كثيرا بكنية أكبر مسؤول في السلطة التنفيذية العراقية حاليا، خصوصا وأن أبو سرى ذاته مسؤول حكومي، فالقرب الصوتي بين كنية "أبو سرى" و كنية ذلك المسؤول يجعل المصادفة بعيدة الاحتمال في عمل محمل بالرموز والدلالات والإحالات، علماً أن كنية "أبو سرى" لا يُسْمَع أو يؤخذ بها كثيراً وليس لكلمة "سرى" معنى شائع ومتداول في المحكية العراقية، أما معناها القاموسي وهو "السير ليلاً"، فلم يدر بخلد أحد كما نحسب، ما يوحي وكأن هذه الكُنية صُكَّت حديثا لهذه المناسبة ولهذا العمل خصوصا وأن الفرق الصوتي بين الكلمتين " الكنيتين" هو الهمزة! هذا التفصيل مضر بموضوعية التناول الفني لقضية اجتماعية مهمة وخطيرة، ما يضعها بكل تأكيد في خانة الهجاء والتشنيع الشخصي على الخصم السياسي أو الطائفي، وهو أمرٌ يعيدنا إلى ما سماه المفكر العراقي هادي العلوي ذات مرة "شِنشنة الهجاء العراقي القاسي" وكان وقتها يتحدث عن "المشادات" المتبادلة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي بين الشاعرين محمد مهدي الجواهري و عبد الوهاب البياتي والتي قد يتذكرها البعض من أبناء جيلي تحت عنوان "أكلتُ عيني شوقا" وغيرها من عناوين!

وقد بثت القناة المنتجة والمذكورة آنفاً، خلال أيام عطلة العيد برنامجاً حوارياً قدمه الناقد مجيد السامرائي و شارك فيه مؤلف العمل عبد الخالق كريم والاستشاري النفسي ريكان إبراهيم والممثل مهدي الحسيني الذي أجاد دوره رغم كرهه الذي صرح به للشخصية، والممثلة د. ليلى محمد، وهي بالمناسبة تحمل شهادة الدكتوراه في فلسفة المسرح إلى جانب كونها ممثلة متميزة، التي أدلت خلال البرنامج المذكور بعدة ملاحظات نقدية مهمة سنورد بعضها أدناه بالمعنى لا بالحرف):

- العمل لم يكن ناجحا من حيث الإخراج وتوزيع الأدوار وأداء الممثلين.

- هذا النوع من الزيجات لم يبدأ في الفترة الأخيرة كما يحاول البعض تصوير الأمر بل بدأ خلال فترة الحصار في عهد النظام السابق .

- ذكرت السيدة ليلى وأيدها السيد الحسيني إنها مطلعة شخصيا على حوادث أقسى مما عرضه المسلسل آنذاك حيث كان بعض الأغنياء المتقدمين في السن "يشترون" فتيات صغيرات السن شراء بهدف المتعة لا غير.

- رفضت السيدة وجهة نظر المؤلف الذي اعتبر أنّ هذا الزواج "قد يكون حلا" وقالت بأن هناك الزواج التعددي الضرائري حتى الأربع نساء، فلماذا يلجأ البعض إلى الزواج المؤقت والذي قد سيتمر ليوم واحد لا أكثر.

- أكدت أن الأعمال الدرامية ليست معنية بتأرخة الحوادث الاجتماعية ونقلها بطريقة الاستنساخ إلى الجمهور بل بمعالجتها دراميا بهدف تنوير الرأي العام واستشعار الخطر المحدق بالمجتمع.

- الشخصية التي مثلتها وهي شخصية " أم سرى" زوجة المسؤول الحكومي الذي يستغل الفتيات القاصرات في ملجأ حكومي لليتيمات القاصرات في هذا النوع من الزيجات كتبت بشكل يظهرها كشخصية سلبية "شريرة" ثم عدلت بعد ذلك لتكون إيجابية "طيبة وعلى نياتها" وتنفذ ما يطلبه منها زوجها أبو سرى على اعتبار أنه عمل خير وإنقاذ للفتيات القاصرات وهذا ما أربك أداءها مع انها بذلت جهدها ونجحت فيه على حد تعبيرها.

- تعتقد السيد ليلى محمد أن الفيس بوك وكثرة الإعجابات والتعليقات فيه على موضوع ما لا يعني شيئا ذا قيمة أو أن الفي سبوك أصبح "بارومترا دقيقا" كما قال مقدم البرنامج مجيد السامرائي ولا تعطي تقييماً حقيقياً لكفاءة المسلسل أو صانعيه لأسباب شتى.

إن هذه الملاحظات النقدية التي أدلت بها الفنانة د. ليلى محمد، تضئ لنا جوانب مهمة من الأعمال العراقية الدرامية التي تنتج هذه الأيام وتعطينا فكرة عن طبيعة النتائج التي يؤدي إليها تحالف التقنيات الحديثة والإمكانيات المادية للإخراج إذا ما اقترنا بأعمال درامية مكتوبة بطريقة معينة بغض النظر عما تثيره من صخب وإعجاب لدى شريحة من جمهور مواقع التواصل الحديثة كالفيس بوك وتويتر، وهو جمهور منقسم على نفسه بشكل عميق بتأثير أجواء الانقسام والاستقطاب السياسي والفئوي والطائفي والقومي بشكل حاد. أما تأكيدها على أن هذا النوع من الزيجات ، لم يبدأ في الفترة الأخيرة، أي فعهد الحكم الحالي، كما يحاول البعض تصوير الأمر بل بدأ خلال فترة الحصار في عهد النظام السابق، فهو لمحة ذكية وصائبة تماما يبدو أنها ستفقد "الهجائين السياسيين" بهجة توجيه العمل الدرامي نحو جهات وأهداف لم تدر بخلد المؤلف أو المخرج.

 وللتدليل على صوابية مضمون الملاحظة الأخيرة، و بالعودة إلى شخصية أبو سرى في هذا العمل الدرامي، فقد ظهرت هذه الشخصية وفُهمت بشكلها السلبي الأكثر فجاجة، لكونه هو المسؤول شخصيا عن سلسلة المآسي والفواجع التي حلت بمجموعة من الفتيات الصغيرات ضحايا هذا النوع من الزواج المؤقت، فنهايته كانت انتقامية بمعنى الكلمة حيث قتل ابنته خنقا وفقد عقله بعد ذلك وصار مجنونا فالتا وهي نهاية عادلة أخلاقيا ومبررة دراميا، ولكنها لا تضيف لنا جديدا على صعيد التحليل النقدي المثمر والمطور لفهمنا لهذا العمل. كما أن الأحكام التي قيلت بحق هذه الشخصية لاحقا، وبصرف النظر عن كونها تدخل في خانة المبالغات أو الأوصاف الدقيقة، ولكنها ستبقى بعيدة عن التناول النقدي الجمالي الرصين، فقد وصف الممثل طه علوان الذي جسد شخصية أبو سرى، وصفه بأنه (شخص شاذ وربما كان لقيطا ..)، أما الاستشاري النفسي ريكان إبراهيم الذي استضافه السامرائي في برنامجه الحواري، فقد قال عنه (إنّ أبا سرى هو شخص مريض وليس مأمولا شفاؤه)! إن من يسمع أحكاماً وتوصيفات كهذه، ربما يظن أننا بصدد شخصية حقيقية نريد الحكم عليها أو الاقتصاص منها بوصفها عدوا للمجتمع، أو في الأقل تشخيص حالتها الصحية السريرية أو النفسية، ولسنا بصدد الحديث عن شخصية درامية خيالية مهما كانت درجة قربها من الواقع المعاش، وسيكون هذا النوع من الأحكام الطبية والأخلاقية المبتسرة بعيدا عن التحليل النقدي الجمالي للأعمال الفنية الدرامية كما نحسب، غير أنّ المأمول أيضاً أنْ تثير أعمال كهذه أسئلة أكثر وأعمق وأجرأ تكسو عظام النصوص الدرامية باللحم والعواطف والأفكار الحقيقية.

 

*كاتب عراقي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2546 المصادف: 2013-08-25 14:32:47