المثقف - قراءات نقدية

(انهم يقتلون الفجر) للكاتب أنيس السعيدي .. وجهة نظر فنية مسرحية

hekmat mahdijabarعندما قرأت النص المسرحي للكاتب أنيس السعيدي وجدتني مضطرا لقراءته مرة ثانية،لما فيه من التماعات فنية تدعوا للوقفة والتأمل في هذا العمل الجميل.

وأذ يضع أنيس لعمله هذا عنوانه المثير،(أنهم يقتلون الفجر) يجد القاريء نفسه كما لو أنه يلج عالما مظلما. لكنه مُنح شمعة (بقليل من النور) لينير ذلك الظلام.وهنا كنت أشعر وكأن السيد أنيسا يقدم لي تلك الشمعة ويقول لي:ـ أدخل وأطرد الظلام وشاهد ماجرى فيما مضى.شاهده من جديد.

(أنهم يقتلون الفجر)....

العنوان .. الأشارة .. الدلالة .. على جناة التأريخ وسراق العدل ومغتصبي الحق.أطلقه السعيدي أنيس على نصه هذا والذي كان فيه يشعر بالخجل من خشية أن لايستوفي شروط الفن المسرحي،وأنه ليس كاتبا محترفا في هذا المجال.بينما يفاجأنا بطاقة متفجرة وقدرة فنية وأمكانية أبداعية مهما حاول أخفاءها حياءً فأنها تظهر رغما عنه لتكشف عن موهبة لايريد أن يتباهى بها أمام الآخرين الذين يعتبرون أنفسهم كباراً.

بأسلوب أدبي رفيع،قدم لنا انيس السعيدي قضية مقتل علي بن أبي طالب عبر هذا النص الممسرح وهو يثبت قدرته على امتلاك ادوات التعامل الفني في التأليف كعنصر من عناصر العرض على خشبة المسرح وخروجه الى حيز الوجود.

المعروف أن تحويل نص تأريخي لواقعة حدثت في الماضي الى عمل مسرحي انما هو (التأليف المسرحي) بعينه.ذلك العنصر الذي يتصل بشخصية كاتبه الذي يتصف بصفات خاصة حتى يطلق عليه (مؤلف مسرحي) وليس مؤلف في المطلق.

لقد وجدت في أنيس وأنا اقرأ (المسرحية) أنه كاتب متمكن من أدواته الفنية. وهو يتعامل مع النص ليخلق منه عمل فني متمثل في وضع مشاهدها الست.التي توافرت فيها مجموعة من السمات تنم عن المام بحرفيات الكتابة المسرحية الى جانب قدرة الكاتب على التعبير عن المضمون الذي يريد ايصاله من خلال نصه الرائع،موازنا بين الشكل والمضمون دون أن يطغي احدهما على الآخر لكي يخرجا في وحدة متناغمة.

من خلال كل ذلك قدم لنا السعيدي حادثة مقتل علي بن أبي طالب بطريقة حطمت أطر التناول التأريخي التقليدي وربما الذي صار لدى البعض مملا ومتكررا.فراح يفتش عن وسائل تحرر القضية من حيث سردها المعتاد ليخرجها من تشخيصها المبسط.فهي تلك القضية الكبيرة والكبيرة جداً الى الحد الذي قد تتجاوز فيه عقولنا الى التعظيم والتبجيل.تناولها انيس بأختصار وباختزال شديدين لكنها لم تفقد من حقيقتها التاريخية والواقعية شيئا.

المكان:ـ الكوفة

الزمان :ـ التاسع عشر من رمضان من سنة 

الحدث:ـ

مقتل علي بن أبي طالب.

                           ******************

                               المشهد الأول

يبتديء المشهد الأول بطريقة الحشد الجماهيري في مكان من الكوفة العاصمة.وفي المشهد يظهر البطل كشخصية رئيسية من خلال صوته المدوي،ليترك المؤلف له أن يتحدث بلغة عربية فصحى،هي لغة علي بن أبي طالب المعروفة بالفخامة والبلاغة. حيث يمتليء المشهد بالخطبة المشهورة والمعروفة لأهل الكوفة في العراق.غير أن هناك سؤال:هو أذا كان السعيدي قد خلع على شخصية علي الأنسان العظيم شخصية مسرحية،فهو لابد أن يضفي عليها شيئا من الضربات الفنية التي تتطلبها ضرورات التأليف المسرحي.من حيل فنية وخدع ربما تزيد من جمالية العمل فهل يعتقد السعيدي وهو يؤلف هذا العمل المسرحي أن هناك شخصية (ممثل) قادرة على تقمص شخصية علي الواقعية،وهل يوجد من لديه القدرة على حفظ تلك الخطبة والقاءها على خشبة المسرح؟أعتقد أن الغاية الأساسية للسعيدي قد شغلته عن ضرورات العمل الفني من ادوات ووسائل ومكملات للعمل المسرحي.وشغله الهدف الأكبر من العمل وهو أيصال صوت الحقيقة التأريخية فكان على مايبدو لابد له من تقديم هذا المشهد الأحتفالي الحاشد المزدحم ليببقي الشخصية الرئيسية (البطل) الواقعي شخصية تحتفظ بحضورها التأريخي.

                              المشهد الثاني

يتضمن المشهد الثاني حوارات بين (عبد الرحمن بن ملجم) و(قطام بنت الأخضر).تلك الحوارت أتضحت فيها ملامح الشخصيات المتحاورة.ويتم في هذا المشهد التخطيط والتدبير الخبيث لأغتيال السيد الرئيس (بطل) المسرحية.يشاركهم في ذلك الأمر أطراف العصابة مثل (وردان بن مجالد)و(شبيب بن بجرة) وأشارة بسيطة الى (الخادم) الذي لم نعرف عنه شيئا.

                             المشهد الثالث

في هذا المشهد يجري حوارا بين (علي بن أبي طالب)و(قيس بن سعد) والذي يلعب فيه قيسا دور رجل الأمن المخلص والحريص على حمايته رئيسه وولي أمره.حيث تمكن من الحصول على معلومات خطيرة تتضمن نوايا عبد الرحمن بن ملجم وعصابته حول عملية أغتيال السيد الرئيس علي بن أبي طالب.إلا أن السيد الرئيس لم يكن مهتما للأمرمعتبرا ذلك حاله حال النوايا الأخرى للذين يبغون قتله.حتى ينتهي المشهد بتأسف قيس بن سعد على عليا منذهلا من صبره وحلمه وحكمته.

                               المشهد الرابع

في المشهد الرابع ننتقل الى مسجد الكوفة الذي سوف تبدأ فيه عملية تنفيذ الجريمة المعروفة تأريخياً.حيث حوار علي بن أبي طالب مع بن ملجم الذي تضمن علم عليا بنية بن ملجم بقتله.وكيف تظاهر بن ملجم بالنوم كما ينام الشيطان وهو يخفي سيفه. تحت بطنه.ثم الشروع بالجريمة الكبرى عند الفجر، وتفاخره بفعلته (لقد قتلت عليا).يسدل الستار بجرح عليا ويحمل الى بيته وينتهي المشهد.ويمكن أعتبار هذا المشهد هو ذروة العمل كأحد مراحل الحبكة.

                             المشهد الخامس

ينتقل المشهد الى بيت علي ،ويبدو راقدا على فراشه يعاني جراحه وأوجاعه من شدة الضربة وسط عياله وأهله.

في المشهد الخامس،يقدم لنا الكاتب مرحلة مهمة من مراحل الصراع الدرامي وهي دخول حل العقدة التي انتهت بمأساة جرح علي .حيث يتضمن المشهد صورا مذهلة في المواقف الأنسانية المؤثرة جدا.وهو مشهد يهز المشاعر عندما يأتي الرجال بالقاتل مخفورا ليقف الجاني والمجني عليه وجها لوجه.وجه تعلوه صفرة الموت تلطخه الدماء ووجه تحيط به علائم الحياة وحب الدنيا.غير أنه يتلقى من أم كلثوم أعظم نعت وأكبر صفة تناسبه عندما قالت له (ياعدوالله قتلت أمير المؤمنين)؟

 تضمن المشهد الخامس وصايا علي بن أبي طالب الى أهله والمسلمين والناس،فهو طلب دواة وصحيفة وأمر أبنه الحسن أن يكتب.حتى وضعت وصاياه لتكون نبراسا لكل الأنسانية والعالم.

أن المشهد لعظيم جدا.فكيف لرجل تمزقه الجراح وتنزف منه الدماء يوصي ويوجه ويدعوا للألتزام بقوانين السماء والعدالة الأنسانية في الأرض؟وهكذا صارت تلك الليلة ليلة انبثاق الفلسفة العلوية المحمدية الأسلامية لتكون منهاجا لشعوب الأرض وألأمم.

                          المشهد السادس والأخير

انتقالة تذهب بنا الى الشام.الى حيث الرفاه والبذخ والأستهتار بالحياة.انتقالة من ليل الآلام والأوجاع وجبال الأحزان الى ليل الرقص والغناء والشهوات والجنس والمتعة.الى (صالة قصر معاوية بن أبي سفيان وأمامه مائدة عامرة بكؤوس الخمرة من كل صنف ولون وزينت بكل أشكال الفاكهة).

المشهد الأخير..كان ضاجا بحوارات تصطخب مع رنين الكؤوس وغناء الجواري وتمايل أجسادهن العاريات المشتعلات بالجنس والأثارة.أنه الوجه الآخر للحياة.الذي تتفجر فيه ملذات الأنسان المادية بعد أن تخلص من قيود وحدود السماء وقيمها العظيمة المتمثلة بعلي جوهر الحقيقة الأنسانية.حتى يكشف معاوية عن حقيقته وكرهه لعلي ولآل بيته من بعده.حيث يسمع المشاهد ويرى،ويقرأ القاري ويتلقى من خطبة معاوية المشهورة في الملك والخلافة بعد الخلاص من علي.

الشخصيات الرئيسية:ــ

علي بن أبي طالب:ـ

قدم بطريقة حذرة،روعي فيه مكانته الدينية والدنيوية الأجتماعية والسياسية.وكأنه يفرض نفسه فرضا دون التلاعب بسماته الشخصية ويبدوا وكأنه جاء حاضرا كشخصية واقعية وشخصية فنية وشخصية دينية يحمل سر وجوده ينذهل منه المبدع صانع الشخصية الفنية.

قطام بنت الأخضر:ـ

شخصية (أيروتيكية) طافحة بالجنس،فبدت في غاية الأنحراف سهلة الأنقياد في مهاوي الرذيلة رخيصة تمنح جسدها للمتعة الجنسية من أجل تحقيق غاياتها في الأنتقام.

عبد الرحمن بن ملجم:ـ

رجل يلاحقه الشعور بالنقص من خلال ضياعه وسط دنيا الظلالة والخديعة.أستسلم لأغراءات قطام بأمر من الشيطان فسقط .ليكون عنصر سلبي في تهديم الشرعية الأنسانية ومحاربة قوانين الحياة الحقة.

وردان بن مجالد:ـ

شبيب بن بجرة

قيس بن سعد

ألأشعث بن قيس

الحسن والحسين

أم كلثوم

معاوية بن أبي سفيان:ـ

العاشق للحياة الدنيا.الساعي الى ضرب كل ما شأنه أن يقف بوجه سلطانه وجبروته.فربح الدنيا وخسر الآخرة.

الحاجب

أبو ألأسود الدؤلي

الملاحظات النقدية:ـ

1 – قدرة أنيس السعيدي،في التعبير عن رؤيته لقضية مقتل علي بن أبي طالب سواء كان كرجل دين أو رئيس دولة.من خلال توظيفه لعناصر العمل الفني التي تحدد غاية العمل المسرحي .

2 – تمكن أنيس من تحديد نوعية التأثير المراد بثه في القراء وبالتالي في الجمهور والمتلقين دون (التحرش) بأمور أخرى قد لاتخدم عمله كمنجز أبداعي وكمثقف كبير يمتلك وعيا على غير مايمتلكه ذوي النظرة الضيقة لقضية علي.

3 -  تمكن من الوصول الى غايته الأنسانية النقية من خلال درجة وعيه الفكري والفني وحتى الديني عبر عمل ممسرح نجح فيه الى حد كبير.

4 – امتلك انيس مضمون نصه.(فالمضمون يتشكل طبقا لأسلوب معالجة الكاتب الدرامية أذ يختار نوع المضمون سواء كان كوميدي أو تراجيدي) وقد أتسق الشكل مع المضمون.

5 – ختاما أتمنى أن يرى هذا النص نفسه ويقدم بعرض مسرحي في أحد قاعات العرض.ويتهيأ له مخرج متمكن وقدير.  

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2557 المصادف: 2013-09-05 00:26:30