المثقف - قراءات نقدية

على صهوة المجد واشكالية الهوية الشعرية

rahman khodairabasينتمي ديوان الشاعر المغربي حكم حمدان (على صهوة المجد) الى الشعر العمودي، او ما يطلق عليه الشعر الكلاسيكي . وتوصيف الشعر بالكلاسيكية، يأتي لوضعه في خانة الشعر العربي التقليدي القديم، الذي يعتمد على بحور الشعر الخليلية المعروفة، وما تفترضه من اوزان . ومن قواعد صارمة في وحدة القافية . ولكن الشاعر حكم حمدان لم يلتزم بهذه القواعد المعروفة فحسب، وانما حافظ حتى على الأساليب التقليدية، في كتابة الشعر وتقفي اساليبه والألتزام باغراضه التقليدية، والأنتقال من المقدمات الغزلية الى الوصف او المدح او الرثاء والشكوى . بمعنى آخر ان الشاعر قرر ان يعيش مرحلة شعرية ولغوية لاتنتمي الى زمنه. وكأنه يتقمص الماضي بتفاصيله البهية، لينقله الى حاضرنا . وفي الحقيقة ان تجربة الشاعر حكم حمدان جديرة بالدراسة والمراقبة عن كثب . شاعر استطاع ان يروّض الحرف، ويهيمن على زمام القوافي ويتمكن من اللغة . ولكنه بدلا من ان ينتمي الى الألفية الثالثة، اختار ان يختبيء بين رمال القصيدة القديمة واطلالها وقوافيها واغراضها، متناسيا انه ينتمي الى عصر آخر، يتطلب هوية شعرية مغايرة للهوية التي ارتداها . بحيث انه يتقمص - احيانا- شيخوخة مبكرة، وهو في ريعان صباه:

  (ذريني وهذا المشيب اعتراني       الام التجافي وسهم رماني)

  لاشك انها مغامرة فنية كبيرة . ان يحاول شاعر معاصر ان يحاكي روائع النص الشعري . ويجيد هذه المحاكاة بشكل ينمّ عن مقدرة كبيرة في القابلية الشعرية . وفي الفن التشكيلي يعتبر التقليد والمحاكاة لكبار الفنانين العالميين خطوة كبيرة لصقل الموهبة وتدريبها، حتى يتشرب الفنان المتدرب بنفس خصائص واسرار اللوحة المستوحاة . لقد فعل ذالك شاعرنا حكم وأجاد في ابداعاته، ولكن ابداعه ينتمي الى عصر آخر، لذالك فقد بقي كدون كيخوتة يحارب طواحين الهواء وشياطين الشعر، حالما بسنابك الخيل التي تطوي رمال صحارى شاسعة، متناسيا انه ينتمي الى لحظة زمنية لاتنتمي الى الماضي الا بخيوط واهية .

  حكم حمدان أصرّ على معانقة بهاء الشعر العربي، مقتفيا آثاره ومنعطفاته، حتى سالت قصائده بكلمات ومعان مضمخة بعبق الماضي، حتى انسحب ذالك على اسماء الحبيبات (ليلى وسلمى ..) والأمكنة، والصفات والأغراض والتشبيهات والأستعارات .

وسارت على عيس تسر لحملها        وخلخالها فوق السنام مجلجل

 انه انبهار حقيقي استلب الشخصية الحقيقية للشاعر وجعله ظلا لغيره . ذالكم الأستلاب الذي جعله يقتفي ادق الأنسجة التي كانت تنبض في جسد القصيدة التقليدية. وكان يغذّيها من ملكته الشعرية، بدون جدوى لأن قصائده ذابت وانصهرت في قوالب شعرية لاينتمي اليها . ولو كان انبهاره منصبا على الشكل - اي الألتزام بنظام الشطرين والقافية - لكان ذالك هو الأبداع بعينه . ولكنه انساق خلف معمارية القصيدة القديمة، وحاول أنْ ينسج على منوالها . ومع ذالك

 فقد استطاع ان يروّض الحرف، ويدجن القوافي، ويكسبها مرونة لتستجيب لسليقة شعرية مازالت طرية .لاسيما وهو يعيش عنفوانه الشعري . كيف لا وقد كتب كل قصائد هذا الديوان مابين عام 2000 الى 2003 . حيث انه في تلك الفترة كان يربو قليلا على العشرين ربيعا من عمره . واعتقد ان هذه المرحلة التي شهدت ولادة ديوانه البكر (على صهوة المجد) هي مرحلة التجريب. وما لهذه المرحلة من قلق شعري . واعتقد ان جهده الشعري بعد هذه المرحلة سيكون فيه نصيب لكي يكتسب هويته كشاعر حقيقي وموهوب، يمتلك قدرات فذة ستمكنه من وضع لمسات مهمة على الشعر المغربي الحديث .

  اخذت مدينته تارودانت حيزا كبيرا من ديوانه . لقد كان ابنا باراً ل (رودانة) كما يحلو له ان يسميها تحببا او لضرورات الوزن . لقد اشاد بتاريخها وحاضرها، وعن مساهماتها في صنع التأريخ المغربي، وعن ابنائها وعلمائها ومثقفيها . ومن خلال القصائد التي قيلت في المدينة  على ما يبدو انها منبثقة من مناسبات اجتماعية ووطنية، لذالك اتسمت بالهتافية وبرفع شعارات عامة ‘ يقتضيها سياق المناسبة التي تسلب الشاعر - احيانا - دفق احاسيسيه الحقيقية، ليبقى اسيرا للأجواء العامة لتلك المناسبة، التي غالبا ما تتطلب الفخامة في اللغة واختيار الألفاظ الأكثر تأثيرا على السامعين . واكاد ان اجزم بان الشعر العمودي هو اكثر تأثيرا على السامع من الشعر الحديث . لقد كانت تارودانت بالنسبة اليه سلة من القيم والمعاني النبيلة:

 (أقصد ردانة طف بها متوددا       أهلا تحل بها عزيزا سيدا

 تلقى بها كرم الكرام ومنة           وضيافة ومحبة، وتوددا)

لقد تناول الشاعر اوصافا معنوية لمدينته، دون ان يدخل في مجال الوصف الحسي .لم يتناول المدينة ككيان جغرافي،. لم يتناول بيوتها، اسواقها، اسوارها الضاربة في عمق التأريخ .مشاكلها، الفقر او الغنى، الحب او البغض فيها . لم يتناولها ككيان انساني/ مكاني متكامل . ومع ذالك فاني احسد تارودانت لأنها انجبت شاعرا بقامة حكم حمدان الشعرية، كما احسده لأنه وُلد وترعرع في اعرق المدن واقدمها . وهو يدرك فضل هذه المدينة على بناء شخصيته، وبناء شاعريته ايضا، لذا فهو يعشق هذه المدينة ويعتبرها خليلته الأولى،التي طالما تغنى بامجادها وانجازاتها وبراعة ابنائها  .

  كما اتخذت اشعاره في مواقع اخرى منحى وطنيا، تحدث بحزن عن حالتنا الراهنة، وعن الهزيمة العربية المتمثلة في القدس، وحالة النكوص المستديم للوضع العربي . لكن قصيدته تبقى هتافية، تتناول لون الجرح ولاتغور في عمق ألمه . اما القصائد التي ترجمت حالاته النفسية والعاطفية، فهي كثيرة وغريزة في العاطفة . قصيدة تسجل له ارتفاعا في منسوب الحزن والضجر والخيبة، وقصيدة اخرى تسجل عكس ذالك . ولكن في جُلّ قصائده كان متأزما، وكأنه يمر بتجارب عاطفية فاشلة، تركت الكثير من اللمسات المعتمة على لوحة قصائدها، فقدمها الى القارئ وهي تتضرج بالعتمة . والحزن - في تقديري- هو اكسير الأبداع الشعري، بدونه تصبح القصائد اقل شحنة واقل تأثيرا . واكاد أجزم بان الشاعرحكم حمدان كان يعاني حتى وهو يمدح او يصف او يتغزل . السياب قال اجمل اشعاره وهو في قمة الألم وكذالك نزار قباني اوأمل دنقل . ثمة كيمياء لصنع القصيدة وكأنها تمزج دماء الشاعر بوهج حروفه لأنتاج نص شعري متميز . ولعل قصيدته (اني شربت مُدام الحزن) مثالا على ذالك والتي يقول فيها :

   (إني شربت مُدام الحزن من زمني       كأسا معتقة والقلب يحترق) .

  وفي قصيدة اخرى (أرنو الي) تتجسد حالة من المزاوجة بين الفرح الخارجي والحزن الداخلي، حينما راى الشاعر صورة له وهو يبتسم، وكأنه قد قبض على نفسه وهو متلبس بفرح غريب، لايمت اليه بصلة:

(أرنو إليّ ولا أدري الذي رمقت      عيني أهوّ أنا أم تكذب الصور )

وقد استطاع الشاعر من خلال هذه القصيدة أنْ يسبر بعض متاهات النفس البشرية التي تتناقض بين باطنها وظاهرها .وقد كان مجددا في قصيدته هذه على عكس الكثير من قصائده، واستطاع ان يطرح سلوكا بشريا مزدوجا، يقوم على اساس الفصل بين الشكل ومضمونه .

  لم يكن حكم حمدان مصففا للحروف، ولم يحترف الكلمة او يمتهن قدسيتها . انه ينظر الى القصيدة كجزء مكمل لذاته . إنه يتنفس الشعر، يعيشه لحظة بلحظة، وكأنه مهووس بجمالية الكلمة . كان يغني الشعر صمتا، او يبوح به وكأنه يهذي، سمعته مرة وكأنه يهمس بكلمات للشاعر عبد الرزاق عبد الواحد " صبر العراق صبور انت يا جمل ..." قلت في نفسي: انها هذا الشاب العامل والمكافح، والذي ينهض فجرا الى عمله في مرسى اغادير،ألم تستطع حرارة الأيام وقسوتها ان تنسيه رقة الكلمة وانسانيتها؟. لقد خاطب قصائده وكأنهن حبيباته، دنياه الأثيرة، وكأنه لايستطيع العيش بدون ان تتضوع غرفته ببخور الشعر .

  لقد كان يحمل روحا من التحدي والمثابرة على انتهاج هذا الدرب العسير الذي اختاره عن وعي . ولكن هذه المتاهة الشعرية التي جعلته مغتربا وهو يتهجى الحروف لأول مرة طارحا على نفسه سؤال، ظلت إجابته تتأرجح بين ثنايا قصائده (أمن هوى سال شعري أم من الألم؟) ومن تلك اللحظة ظل يطارد اللحظة الحياتية لينسج منها حروفا وكلمات وقصائد . هذه القصائد التي تسجل بعض خفايا الأوجاع الأنسانية المسفوحة على ارصفة مدننا العربية . لذالك فاني اهيب به ان يتأمل هذه الملامح، وان يمسح عن الوجوه المتعبة غبار التعب، وذالك بجمالية الشعر، لاسيما وان الشاعر حكم حمدان يمتلك خميرة شعرية كبيرة تؤهله ان يرسم خارطة شعر حديثة، يستلها من الواقع اليومي ومراراته، وليترك القصيدة التي لاتنسجم وروح العصر .

 

  اوتاوة / كندا

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2567 المصادف: 2013-09-15 01:10:27