المثقف - قراءات نقدية

أدب الحرب ورواية "أرصفة الجحيم" لصالح مطروح السعيدي

saleh altaeiقد تبدو الكتابة عن سنين الخبال التي تمر بالبشرية حقبا متعاقبة أكثر من مغامرة محكومة بهمجية ما يقدر الإنسان على ارتكابه من جرائم وموبقات بحق أخيه الإنسان حينما تتاح له فرصة التخلي عن إنسانيته والانسياق قطيعيا وراء نزوة ونزق الجهل لإشباع لحظات من الحمق البوهيمي هلامي الصورة الذي يؤطر رؤى بعض المهووسين بالأنا من الذين فرضتهم غفلة الزمان على الشعوب.

إن غولية الحرب وصورها المرعبة المشوهة تؤدي إلى إحداث فوضى في العقل تحول بين الإنسان وبين التمييز في الجزئيات الأكثر أهمية في الحياة ولاسيما حياة الإنسان المدكوك في قمة العسف أيام الحرب حينما يكون آلتها ووقودها وجوهرها وشاهدها وشهيدها.

كثرة الحروب التي خاضها العراق داخليا وخارجيا في مدد متعاقبة من القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين أتاحت تقريبا لجميع رجاله الإسهام بشكل أو بآخر في واحدة أو أكثر منها بغض النظر عن مدى استعدادهم الجسدي والنفسي ولاسيما أنها لم تستثن حتى المعوقين. وهي بالرغم من تشابه ظروفها وظروفه فيها تنوعت من حيث أحداثها المريرة ومن حيث الوجوه التي يألفها الإنسان فيها وهو يتنقل بين الوحدات العسكرية أو مواقع المعارك، أو يتنقل في إجازاته الدورية بين وحدته وبيته ضمن مجاميع من وحدات مختلفة لا رابط بينهم سوى أنهم جميعهم  مساقون دون إرادتهم كما يساق القطيع ليتحولوا إلى قتلة أو مقتولين.

والحرب مثل أي تجربة بشرية أخرى يخوضها الإنسان تنتج مواقف وذكريات وقصص تستقر في لاوعي الإنسان ثم تعود إلى الظهور بين حين وآخر تحمل بعضها نفس ملامح حدوثها الأول القاسية المريرة فتثير في النفس لوعة وحزنا غامرين لدرجة أنها تعقد اللسان وتوقف قدرة العقل عن التعامل معها باعتبارها مجرد ذكريات من الزمن القديم، فيتلكأ في صياغتها جملا من أجل التوثيق. وتحمل الأخرى ذكريات عذبة ندية طرية تبعث النشوة في النفس وتدغدغ الذائقة. وبين هذه وتلك هناك ذكريات بالرغم من قسوتها يسهل الرجوع إليها والتعامل معها بعد أن فقدت بعض ملامح القسوة بفعل السنين، أو لأن الإنسان شاهد مثلها أو قريبا منها مرات عديدة حتى باتت مألوفة لديه. أتذكر مقدار الرعب الذي أصابني عند رؤيتي أول جثة لجندي كان يقف بجانبي فأصابته شظية قذيفة مدفع ومزقت صدره، ثم لما تكرر الحدث لم يعد يثير بي المشاعر نفسها لدرجة أننا جلسنا في إحدى المرات نتناول طعام الغداء وجثث الجنود المقتولين منثورة على مد بصرنا. بمعنى أن القيم ونتائج التربية وما اكتسب من التعلم والدراسة كلها قابلة لتتغير إلى أنماط أخرى تدفعنا إما إلى الثرثرة بلا انقطاع أو إلى السكوت المطبق، فالذي أختار السكوت يحترم تلك الخصوصيات ولا يريد إذكاء نار الذكرى في القلب لأنها قد تعيد إليه ساعات الألم الذي تجاوزه بالنسيان، أما الذي اختار التكلم فيُحّمل نفسه أعباء ينوء بثقلها إلا إذا ما كان قادرا على خوض تلك التجربة بعمل جريء، أقصد تجربة التحدي التي دفعت بعض الأدباء الذين أسهموا في تلك الحروب للكتابة في ما يعرف بـ"أدب الحرب" وهو نوع من الأدب تنقل في محيطنا العربي عامة وفي عراقنا في أكثر من فضاء فهو مرة يتحول إلى أداء تعبوي هدفه نصرة جهة ما بدوافع سياسية، وأخرى يتحول إلى وثيقة سرد تحكي أحداثا لم تتح فرصة مشاهدتها للجميع، وثالثة يأتي لتفريغ ما تجمع في القلب من حقد على همجية الحرب وعبثيتها، ورابعة يبدو مجرد اجترار ذكريات غائرة في عمق التاريخ عن أحداث قد لا يكون لها شاهدا سوى السارد أو هي مجرد تهويمات من وحي خيال خصب يعرف كيف يرسم صور الخيال.

عدد الذين كتبوا في أدب الحرب من الكتاب العالميين كبير جدا وبعضهم كتب عن حروب لم يحضروها ولم يكونوا قريبين منها ولكنهم نقلوا صورة الوجه المعهود البشع للحرب إلى العالم وتكاد تعثر على قصص الحرب عند تولستوي وبرناردشو وهمنغواي وشولوخوف وريمارك وسواهم . وفي وطننا العربي هنالك أدباء كثيرون كتبوا عن أدب الحرب؛ هذا النوع من الأدب الذي ظهر إلى العلن بعد هزيمة 5 حزيران عام1967 في محاولة من النظام الناصري لإزالة ما عرف في حينه باسم (آثار العدوان) عن طريق استنفار الطاقات لإعادة الثقة إلى الجمهور العربي المهزوم أو المصدوم بالهزيمة حيث كتب محمود حجازي الذي كان أسيرا لدى الجيش الإسرائيلي مجموعة أعمال غاية في الروعة منها رواية (رجال وجبال ورصاص) عن حرب اليمن ورواية (الأسرى يقيمون المتاريس) ثم (المحاصرون) عن كفاح الجيش المصري أثناء حرب الاستنزاف و(الرقص على طبول مصرية) عن حرب تشرين، ومجموعة  قصصية بعنوان (سلامات) موضوعها الحرب، ومجموعة قصصية أخرى لليافعين، وعنوانها (تعظيم سلام).  كذلك هناك السيد نجم الذي عرف بكاتب حرب أكتوبر (تشرين) وجمال الغيطاني.

وهي تجربة كررها النظام البعثي في العراق أبان الحرب العراقية الإيرانية 1980ـ 1988 ولكن بفشل كبير أطاح بقامات الأدب المعروفين وأقام مكانهم مجموعة من المجاهيل والمغمورين بعدما استثنى من يسهم فيها من الذهاب إلى الجبهات فأنتجت ما عرف في حينه باسم (قصص تحت لهيب النار) وهي مجموعة أعمال ساذجة كتبها أدباء وصحفيون وشعراء من الدرجة العاشرة ومن المحسوبين على النظام أو الهاربين من خوض الحرب.

الآن وبعد أن هدأت تلك الزوابع وباتت الكتابة هما وطنيا وإنسانيا أكثر منها وسيلة للتملص من المشاركة في الحرب أو نصرة لمعتقد سياسي أو محاولة لمحاباة الحكام أصبحت الكتابات أكثر واقعية وصدقا فظهرت إلى الوجود مجموعة أعمال أدبية  تناولت مرحلة الصراع القديم بنفس محايد نوعا ما؛ وكأنها جاءت سردا للسيرة الشخصية لمقاتل مجهول أكثر منها توثيقا لمرحلة تاريخية لمعركة أو حرب. وكانت (أرصفة الجحيم) الرواية التي كتبها الأديب الواسطي صالح مطروح أنموذجا لهذا النفس الجديد من أدب الحرب الذي يريد أن يقول: "الحرب هي الحرب .. والسواتر هي السواتر نفسها .. والموت هو الموت والبعد وفراق الأهل والأصدقاء والأحبة هو نفسه ... فالحرب مصيدة الموت ..  لا تهمها الأمكنة وإنما أعداد الضحايا"

إن المحاولات الجديدة والجادة للكتابة في أدب الحرب تعد من الأعمال التصحيحية التي تأتي بعد مرحلة التخريب والتغريب والتدليس القديمة، وهي بواقعها عمل جسيم الخطورة بالغ الأهمية تقوم عليه مبان تندرج ضمن سياقات إعادة كتابة التاريخ.

إن العمل أي عمل يحتاج إلى دراية وعناية وأدوات وثقافة، وأنا بحكم علاقتي بالأديب الرائع صالح مطروح اعرف مقدار ثقافته ودرايته، ومن خلال الاحتكاك به عرفت درجة عنايته في التعامل مع الأشياء بروح منفتحة وهدوء طاغ، أما الأدوات فهي الوحيدة التي يطلب من الأديب أن يوظفها ليبرز منجزه الفكري إلى الوجود وهو يحمل سر القبول، والذي تعلمته من تجاربي أن مهمة الأديب في السيطرة على أدواته لم تكن سهلة في يوم ما إلا إذا ما كان الأديب نفسه شخصية ثقافية حرة وملمة بأطراف الواقع المعاش في بلد أدمن الفوضى ليأت بشيء جميل لم يكتب عنه كثيرا فيجعله ثيمة رئيسية يصور من خلالها فعاليات توحش الإنسان وانهيار منظومة علاقة تاريخية بين أمتين للاشيء أو لمجرد إشباع نزوة قائد مجنون.

جذاذات أخبار وقصص أكل الدهر عليها وغص؛ طاردها صالح مطروح وأزال عنها غبار النسيان فأعادها إلى الحياة في أحراش تقطنها غيلان وجنيات الوجع لتبعث في نفسك غيثاً يصافح جدب الصدر ووجع الروح وما رسب في العقل من ذكريات مرة علقم فتلهج حد الاختناق بكل ما فيك من قوة وإلحاح: ماذا يريد هذا الرجل منا لكي يعيدنا إلى أجواء الاستغفال التي طواها عالم النسيان؟ ماذا يريد بمحاولته إحياء موات عمرنا؟ ماذا يريد من فواجع لا زالت تدمي قلوبنا كلما تذكرناها؟ أهو مثلنا يحاول نزع تلك الذكريات العالقة في مخيلته لكي يشعر بنوع من التحرر؛ أم أنه يريد تحريرنا من تلك الذكريات؟

إن من يتم قراءة رواية صالح مطروح (أرصفة الجحيم) يجد أن ما نعانيه اليوم من تعسف الإرهابيين وأعمال المجرمين وفشل السياسيين التي أعادت لنا أجواء الحرب بأسلوب آخر حول العراق إلى ساحة دمار يتقاتل فيها الأخوة الذين كانوا بالأمس يقفون على ساتر واحد، يستشف دوافع الكتابة في أدب الحرب، ويعرف السبب الذي دفعه إلى خوض هذه التجربة، تجربة استعادة ذكريات حرب، وأي حرب؟ حرب خاسرة تجد فيها نفسك أعزلا إلا من جذوة الإيمان إزاء آلة الرعب التاريخي متجسدا ببضع سنين من العبث الدموي؟ لكن هل بإمكان قلوبنا المكلومة أن  تخرج من دائرة الشك لتسير مع الأديب صالح مطروح وصولا إلى نشوة انتصار يأتي ولو متأخرا، أم أنها محاولة فاشلة أخرى من تلك المحاولات التي استهلكنا فيها عمرنا؟

إن (أرصفة الجحيم) للأديب الروائي والقاص صالح مطروح تمثل التفاتة أدبية جادة وجديدة تضاف إلى محاولات أدبية أخرى أفرزت حقيقة تقول: إن هناك روايات عراقية ترقى إلى مصاف الروايات العالمية إلا أن الرواية في العراق كانت ولا زالت مظلومة وقد آن لها أن تأخذ حيزا في النشاط الفكري العراقي كباقي النشاطات الأدبية مثل مهرجانات الشعر والمسرح والقصة وغيرها.

صدرت الرواية في شهر آب 2013 عن دار ومكتبة عدنان للطباعة والنشر والتوزيع في بغداد تزين غلافها لوحة للفنان التشكيلي الواسطي صاحب الركابي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2568 المصادف: 2013-09-16 10:45:46