المثقف - قراءات نقدية

مسرى الناي .. سِفْر الوجع المزمن

rahman khodairabasفي مجموعته مسرى الناي،يحاول الشاعر المغربي حسن المددي، ان يطل من كوة الشعر الى عوالم مسكونة بالقهر والقسوة والتمزق. وهي - اي المجموعة - تمثل توهجا لشاعر ينزف اغترابا. وهو يدري اكثر من غيره بمكامن الصدع، والوجع. لذا جاءت قصائده وهي تؤسس لذات مقهورة، في تمّاس مع الالم ولكنها لاتستكين لهذا الألم او تستسلم له، بل تحاول ان تقتحم معاقله، ربما تهزم مرات ولكنها تحلم بترويضه والأنتصار عليه :

" أنا مازلت هنا، لكنني بعد كل هذا البكاء

أشهد أنني قد حطمت كل أزلامي

واحرقت مملكة القصب " .

ثمة امر يلازم الشاعر وهو اعادة اكتشاف العوالم المحيطة به، سواء منها ما يلتصق به بشكل مباشر، او ما ينفصل عنه، مما يكوّن لحظته الشعرية الصميمة، ومن خلالها يستطيع ان يبني هيكله الشعري . بواسطة اكتشاف الأشياء والتقرب منها،مما يجعلها اكثر إلفة وطواعية  .  والشاعر المددي يمتلك تجربة حياتية متميزة . فقد عاش ايام طفولته وشبابه ظروفا مؤلمة، لقد رمته الحياة على رصيف الفاقة، حاولت ان تكسره وتجعله رقما في قائمة التشرد . لكنه امسكها من خاصرتها واجبرها على الأنحناء امام اصراره على المواجهة. ووكأنه يعلن عن معركة الوجود او العدم . أو كما صرخ هاملت في مسرحية شكسبير الشهيرة " ان اكون اولا اكون . تلك هي المسألة  " ولكن المددي اختار ان يكون، وأنْ يقبض على شرفات الحلم بكفه، ويصر على المواجهة: (قالت لي الشمس، حين حملت لها بروق دمي

   لاتبرح هذا الغصن ففي أرومته

تتوغل كينونة السؤال وصبوة الإصرار)

.دخل المدرسة في سن متأخرة،وكان يلتهم الحروف التهاما، يتهجى المعارف الصغيرة لتصبح عوالم كبيرة، عشق الشعر والأدب منذ سنوات المدرسة الأولى، كان يكتب بصمت ويقرأ بصمت، يعشق الكلمة ويذوب فيها . استطاع ان يحصّن نفسه ضد عوالم الأحباط والضياع . واقفا امام تيارات الخيبة، في سلوك من الزهد والعفة  . كنت اندهش من قابليته على فهم وادراك المعاني، وكنت استغرب قدرته على تذوق الشعر، فقد كان مولعا بالسياب ومغرما بالجواهري، ومتابعا لحركة الشعر في بلده المغرب. ادركت ذالك حينما كنتُ ارى بريق عينيه وهو يستمع بصمت الى قراءة الشعرفي الأقسام الدراسية. انذاك كانت نهاية سبعينات القرن الماضي حينما كان المددي احد تلامذتي المتميزين .ومنذ تلك اللحظة الزمنية الى الآن . جرت مياه كثيرة في النهر، واخذتنا السنوات تطوي بنا في ظل ظروف زمنية موغلة بالمخاوف والأحتمالات .وكان للعمر محطاته وطرقه واشجانه . فجأة يبزغ لي من خلال الفيس بك  وكأنه ينفض جزءا من غبار زمن لم يتوقف ، فاذا به استاذ ومربي لأجيال عديدة يزرع فيهم حب المعاني والقيم الأنسانية، كما وجدته شاعرا  وكاتبا وروائيا  . وها أنا احاول ان أتلمس بعض اشراقاته وهو يبحر في عوالم شعرية افاضها من كأسه المترعة بالهمّ، ومن ذاته الباحثة عن الأمل .

سأحاول أنْ أتقرب الى النص من أجل استنطاقه . بغض النظر عن صاحبه . واتوقف عند العنوان الذي يمتلك دلالة الأنتماء الى رقة الرومانسية التي انتهجها كثير من الشعراء في بداية القرن الماضي، لكنني وجدت الشاعرالمددي مولعا بالهمّ الموسيقي - ان صحت التسمية- فاضافة الى انه عنْوَن مجموعته الشعرية الجديدة ب (مسرى الناي)، فقد كتب قصيدة عن زرياب وقصيدة اخرى عن القيثارة، وهذا يفسر ولعه بفن الموسيقى ودلالاته، ويؤكد وعيه بان الموسيقى ليست منفصلة عن الشعر، بل هي لباس له كما يرى إبن رشيق حينما يقول " الموسيقى حلة الشعر، فان لم يلبسها طويت". وهناك الكثير مما يؤكد على توأمة الموسيقى للشعر، والخليل بن أحمد بنى بحوره الشعرية ضمن إيقاعها الموسيقي، ولاغرابة في ذالك وهو الذي ألّف كتابا في الموسيقى، لم يُكتب للأجيال ان تطلع عليه لضياعه . ومن حيث الصخب الصوتي فقصائد المجموعة صامتة، كأنها نوع من التبتل الهامس . وهذه سمة عامة في قصيدة النثر التي تؤكد على النغمة الخافتة الخالية من الأيقاع الصوتي . 

وفي قصيدته (القيثارة المحطمة) ثمة رثاء مزدوج تتداخل فيه القيثارة والأنسان . والقيثارة في النص هي اللغة القادرة على البوح والأحتجاج حينما يكون (وهج الحرف معتقل..)  فهي تنفلت عن اعين الرقباء، وتتحول من مجرد دلالة صوتية الى رؤية فكرية متكاملة . تلك الرؤية التي يتبناها الشاعر. والقيثارة على المستوى التأريخي وجدت في اطلال اور، حيث السومريون الذين صنعوها 3500 عام قبل الميلاد، حيث عُثر عليها بين قبورالملوك وكانت تتكون من صندوق خشبي ينتهي براس ثور من الذهب . وتعتبر اهم اكتشاف موسيقي في تأريخ البشرية . كان السومريون يغسلون ايديهم قبل العزف لكي يتطهروا، وهذا يدل على عمق الدلالة الرمزية لقدسية الموسيقى وآلاتها . ولااعلم ان كان الشاعر المددي كان يقترب من هذا المفهوم ، ولكنني وجدت ان للقيثارة في قصيدته معان سامية، وتحطمها كان انهيارا لتلك المعاني . كما أنّ تحطمها جعله ينوء باعباء هزيمة كبيرة واصبح  الرثاء سودايا، وكأن ليس ثمة من أمل او رجاء: 

 (ابكيك ام أبكي على قدري

             طفلا محروق الوجه كسيحا)

 واعتقد ان الشاعر قد غالى كثيرا في اليأس . وكان مندفعا في حزنه واحباطه، وكأنه يعارض أحزان الرومانسيين العرب الذين جعلوا من الحزن والألم اشارة مرور الى وجدان القارىء في حين أنّ المسار الشعري الراهن يميل الى الواقعية، من خلال كبح جماح العواطف لتبدو منسجمة مع ايقاع الحياة . ذالك الأيقاع الذي يؤكد على عدم وجود حزن مطلق او فرح دائم، لأن للحياة معاييرها الخاصة القائمة على فكرة التوازن.

في قصيدته (جداريات على قبر زرياب) اختار علما من اعلام الموسيقى العربية زرياب . هذا الفنان المتفرد في ابداعاته الموسيقية والحانه وطريقة غناءه، زرياب الطريد من بغداد والذي قدم الى الأندلس ليؤسس بناءا معماريا من الموسيقى ينسجم مع ترف الحياة في الأندلس في عصورها الذهبية . زرياب الذي دخل الى البلاط الأموي ليؤسس مدرسة غنائية هي الأولى من نوعها في العالم . هذا الزرياب تناوله الشاعر حسن المددي بصيغة اخرى . فقد رثى قبره من خلال الجداريات، والجدارية في لغة اهل الفن التشكيلي هي اللوحة الفنية، ولذالك فقد رسم شاعرنا لوحات فنية احاطها بقبر زرياب، لتشكل رثاء لصفاء الفن الموروث وعبقريته .

  (مثخن الوجد ..ممزق الأوتار..

  تتوالد على كفك احصنة الرماد

 تشيب على وجهك ذوائب الظنون ..)

يرافق زرياب في رحلته من الشرق الى تخوم المغرب حتى واحات العشق الأزلي، ولكنه -اي الشاعر- يتشرب بهذه الشخصية الفريدة، يحتمي بعباءة بهائها  ومن خلال ذالك يرفع جدارية اخرى لسمو الفن والقيم والأخلاق عبر العصور والتي تبقى معلقة على مقصلة الرذيلة .. زرياب هو القيمة الناصعة التي تنتصر في النهاية رغم عوامل الأحباط . ولكنه في قصيدته يسفح رحلة الألم الإبداعي لزرياب، ويطرح روح التأزم الذي تعرض له هذا الفنان المبدع والمطارد، وكأنّ الشاعر ينتصر له، فهو يمثل للشاعر روح الأنتصار لفن عابر للأزمنة والمساحات (من بغداد الى الأندلس)

(أتدلى مني إليك، نغمة لاتبوح..

أعبر فيك خيبتي الوثقى)

وهكذا يتحول زرياب في ذهن الشاعر الى ماض يمكن ان يصنع حاضرا .

في قصيدة كينونة يحلّق الشاعر في آفاق فلسفية، حيث الأتحاد بين الأنا والآخر . إتحاد انساني يتمرد على عوامل الفرقة بين البشر على الأسس التعسفية المتبعة في عصرنا الراهن . الشاعر احيانا يتمرد حتى على الوعي لينطلق في رحاب صوفية، حيث الدمج بين قيم متناغمة او متنافرة . ورغم أنّ القصيدة تبدأ بأسئلة الحياة المتداولة، لكنها تنتهي بالدهشة التي تجعل الكلمات معلقة وشائكة وموغلة في القدم، ولكنها في النهاية تجعل من الأتحاد شرطا للكينونة :

  (ما كانت يدك ..لتشكل دورتها

  في صلوات المزن ..

لو لم تكن انت ..أنا)

هناك مقابلة دائمة بين الضمائر ..الأنا والهو اوانتِ . نجدها مبثوثة في اغلب قصائده، وكأنه لايستطيع ان يتحمل العيش منفردا، حتى يتحول الآخر الى وجه آلمعاكس الذي لابد منه .. هل هو التناقض الذي نشأت من خلاله الحياة؟ ومن زاوية اخرى يبدو الرمح في القصيدة غير حاد .إنه رمح مسالم لايريد اقتحام الأسوار . هل هو رمح معلب غي فترينات العرض التأريخي؟، ام هو رمح الأستقواء في الماضي؟

  (رمح بدوي، يقف على اسوار الليل

   في كفه حديقة وعلى جبينه بسمة شمس ..)

 ولكن هذا الرمح لاينتمي الى هذين الأحتمالين، بل يتحول الى راية للشمس المشرقة  أو امطارمسافرة، يتوج هامات النخيل، (يتوغل في في ثنايا الإنهمار) . ومع ان الشاعر يستخدم آلات قاتلة، يستوحيها من التأريخ - كالرمح مثلا - ولكنه ينفخ فيها روحا انسانية، يحولها الى اداة طيعة لحلمه المتوهج دائما    انطلاقا من كون الشعرينطلق من الحلم . ألمْ يقل الشاعر الألماني جوتة " إنه كان يشعر بنفسه مدفوعا الى كتابة الشعر بالغريزة وكأنه في حلم " .

  في قصيدة اخرى يذوب في المرأة ويتجلى في الجرح . أما المرأة فتأتيه كالخيال، مضمخة ببعض  المباهج، ورغم ان ذوبانه فيها جارف كالنزف او كالجرح، لكنه يحول اللقاء الى ومضة خيالية :

  (تأتيني محمولة على رقصة الأمواج) لكنه يضع نسقا متساويا ما بين المرأة والجرح والوطن . هذه المعادلة الثلاثية الأبعاد يعيشها بشاعرية لاحد لها  . فالمراة كيان رحيم يأوي اليه ويستمد منه إنسانيته وبعضا من كيانه، امراة بحجم الوطن وبلون الجرح . فمرة يقول عنها :

  (ايتها الساكنة ثمالات ايامي

  ياوطنا، ينثرني برَدَاً ..) ثم يقول عنها 

  ( يامرأة لاتخرج من احتملات الواني

جرحا ساحقا) ..

لقد كانت اغلب مقاطع قصائده بهذه الوتيرة . جعل من المرأة رفيقة دربه الحياتي الشائك . امرأة بلون الحلم ورقعة الجرح وطعم الأمل . لقد اسكن الشاعر المرأة في جنان قصائده، يترنم فيها عشقا وحبا وحنينا، ويجعلها موازية للوطن .

  الزمن في نصوص المجموعة هلامي، غير محدد . يبدا احيانا من الحاضر وينتهي في الماضي . او يبدا في الماضي ويذوب فيه .  او يتوقف في اللازمن . المفكر العراقي على الشوك قال في مقابلة له في برنامج روافد " انا اخشى الزمن .. انا احب أنْ اعيش في اللازمن .. "  و يبدو ان الشاعر حسن المددي يدرك اشجان الزمن، ويدرك ان هيمنته الشاملة لاتترك مجالا كاملا للمناورة . الزمن كاسح ومميت ورحيم وقاس . لذالك ترك كل قصائده دون ان يدوّن لحظة كتابتها، وكأنه يجعلها قادرة على موائمة اللازمن  . وحتى في قصائده فهو يستل العبر من الماضي السحيق، بنفس الحدة والحماس الذي يتناول فيه اللحظة الراهنة . لذالك لم يضع تأريخا لكتابة قصائده . وقد وصف الزمن في احدى مقاطعه فقال :

  ( الزمن عجوز اعمى

 يطل من كوة مهترئة ..) أو يقول في قصيدة أخرى عن الزمن:

(ضاع زماني ..ضاع لوني .. ضاع حرفي، وضاع وشاح القمر) .

 اما من حيث اللغة الشعرية، فقد كانت المجموعة برمتها تميل الى قصيدة النثر اكثر من ميلها الى الشعر الحر الذي ينأى عن القافية الموحدة ولكنه يلتزم بوحدة الوزن وبالهمس الشعري . وهذا يدل على انبهار حسن المددي بالتجديد .، مع علمي بانه كتب الشعر العمودي، وانه من ناحية اخرى قادر على كتابة القصيدة بلونها الحديث او الكلاسيكي، وبموسيقاها التي تأسر الأذن، لكنه آثر -ولأسباب يدركها قبل غيره - ان يعتمد على النثر المركز، وان يترك سبيل القصائد الحرة او العمودية . ومن ناحية اخرى فقد اغرق قصائده بمفردات قاموسية،لم يكن مضطرا لها ، لعدم وجود الضرورة الشعرية . ولأنها غريبة على اذن السامع غير المتخصص في اللغة .انه اختيار غير موفق وذالك لأنّ المفردة المفهومة هي اكثر فصاحة من المفردة غير المستخدمة . ان حيوية اللغات الأوربية تكمن في كونها استقلت عن اللغة اللاتينية، واستخدمت اللهجات اليومية الدارجة، والتي اصبحت بمرور الزمن لغة فصيحة . وبما انّ النص الشعري هو بمثابة تنقية اللغة من الفوضى، كما يُقال . فانني تمنيت على شاعرنا الرائع حسن المددي ان يتخلص من اللغة القاموسية، وان يعيش رحاب المفردات اليومية الأكثر تأثيرا  او كما يقول الشاعر التشيكي ميرسلاف هولوب " الشعر ليس الذي يُقال، بل طريقة قوله " وطريقة القول هي سهولة المفردة وفصاحتها في آن واحد . وسأورد بعضا من المفردات المعجمية التي لالزوم لها والتي تزخر بها المجموعة (أمشاج الروح . نفرة الموج . تناجز رجة عيونه . المزن الوامق .سدم الصفو، زنابر،سوانج الأنصاب، لابة التوثب، الأشياء النسحبة، سوانح الفتن، خلب دمنا، وجه الزرد،يدبجك غنج النوارس،وهيج وعدك، مسغبة الرند، كبة الرند، يكممها الغداف، لغته اللعساء  ألأشياء النسحبة) وغيرها من المفردات الأخرى التي تسيء الى النص اكثر من أنْ تخدمه. واعتقد بان الأتيان بمثل هذه المفردات يمثل من ناحية اخرى ثقافة الشاعر وتمكنه من اللغة، وقدرته على استنباط الدلالات اللغوية . ولكن للشعر والنثر زمانه ومفرداته، وينبغي ان نختار ماهو حي، ونتجنب ما نشعر انه بحكم الميت من اللفظ .

   اما الوصف فقد كان الشاعر اشبه بالفنان الذي يرسم بالوان تبهر القاريء

 (خيول الفجر ترقص في دمي،.. جفن الليل،.. نامي على ضفائر الصبح ..،رذاذ الطفولة تدغدغ ترهل الأماسي ..، حشرجة الحرف..،شجون الموج..، استطالة الرذاذ، ..غنج الطفولة..، شراشف الضوء ..ألخ ) كما استخدم الشاعر كثيرا موضوع الأضافة في مقاطعه . ونحن نعلم اغراض الأضافة من الناحية النحوية، والشاعر استخدمها - تحديدا -  لأبراز الموصوف . وقصائد المجموعة حافلة بذالك .

وفي النهاية استطيع القول انّ الشاعر  حسن المددي في مجموعته (مسرى الناي) استطاع ان يوظف الحرف من اجل الحياة . وهو انسان يعي مهماته، يقترب من الجرح من اجل شفائه، يتغنى بالمحبة ويطمح الى الأخاء بين البشر، يذوب في الوطن، ويمجد الحياة . من يقرأ حروفه يدرك ذالك .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2575 المصادف: 2013-09-23 01:55:34