المثقف - قراءات نقدية

"وشم على جبين نخلة" ديوان شعري للشاعر حسن البصام

404-hasan"لغة التشكل البصري في بنية السطر الشعري"

"إن أبرز ما أسفرت عنه "قصيدة النثر" جملة من المعايير مايسمى "بشعرية النص". فلقد أصبحت القصيدة في تطور ورؤيا للحياة تختزل تجربة الشاعر في شكل حسي شديد الدلالة. تلك انعطافة الشكلية ساعد على الانتقال إلى أفاق جديدة ومغايرة وهكذا تستمد القصيدة الحديثة حيويتها من الرؤية الشعرية التي تخص ذات الشاعر ويترشح عنها موقفه الجمالي والفكري، في بنية حسية تعبيرية ترتقي بذائقة المتلقي بتلقائية هذا الألق الشعري وهذه الروح الرومانتيكة بنقاء وبراءة الذي يستخرج مكنونات وجوده الانسانى بصوت متفرد من الهمس البليغ والدافئ ... "

 

عتبة النص: لغة التشكيل البصري

العنوان "وشم على جبين نخلة" فضاءا لغويا تخييليا تتنافذ فيه اختلاجات الشاعر الجوَّانية وتوسيعٍ لحدود التخييل والجمال أيضا ويجعل المعنى ذات قدرة على امتلاك وظيفة شعرية عالية ومكتنزه بالصور الموحية يتوقعها وعي المتلقي بشكل مؤثر وتفاعلي، فالعنوان يمتلك طاقة رومانتيكية برؤى فنية تشيع جوا من البراءة والشجن والحب، تتعانق فيه أروقة من المخيال الجمعي لمفهوم (النخلة) ويتمظهر كجسد امرأة بجمالها وسحرها يملاءها حزن شفيف بصور متتابعة متدفقة، بحجم الذاكرة وعبرها كي تمر نحو ألفة بالاستفادة من دال(النخلة) كرمز شامل للمرأة (الأم الزوجة والحبية ..الخ)..

قامتي التي لونتها أصابعك

ينحني عنفوانها أمام التماعة عينيك

وأنت تتهجدين سرا بالدعاء او تناجي الله:

ابني روح الله معك

يمد يده الله لأخرج من بين فكي حرب متوالدة

الحروب التي تودع أبناءها بنشيد الفجيعة...ص107

المتن :التعالق السرد/الشعر

لقد صار السرد عاملا مهمًّا في بنية السطر الشعري، ذلك أن الشعر السردي هو نص ممزوج لا يتأتى فصل عناصره. ومن ثمة أضحى مصطلح السرد حَدًّا معرفيا في بنية سياقية والتي تفتح النصوص بكافة أشكالها وأنماطها على سياقات معرفية وجمالية تعددية.لقد اعتمد الشاعر في نصوصه على بُنى وتقنيات تعبيرية تخرج بالمتلقي من عالم المحدود والمألوف إلى عالم اللامحدود، وذلك عن طريق اللغة التي يتماهى فعلها مع بنى سردية متباينة الدلالة والتشكيل البصري.

كنت غضة ..تخفضين راسك للريح

وتحدقين مع العيون المتعبة، وهي ترنو،

إلى نقطة ضوء في الأفق

لكن سيقانك التي امتدت على أكتافنا

تنهض كالحلم تلثم عيوننا

حاولي أن تحني راسك قليلا

نحو القاع الراعف انفه من سياط الخوف...ص5

النص عالم غاص بمفردات ذاتية تتماهى برهافة مشاعر صادقة ومؤثرة تخط عالمه الثري من خلال نسيج من العلامات نراها على هيئة إيقونة وإشارة، خروج من محارات التوجس في صورة بين مرسل ومستقبل صور شعرية متلاحقة ومتلازمة لرسم لوحات شعرية في ترتيبها وحركاتها وسكناتها داخل الجملة الشعرية وفى إجمال وجودها مع تماسك البنية الدلالية للسطر الشعري.

حين تسير ويداك تدفئهما

بطانيات جيوبك

404-hasanفأنت لاتريد أن تصالح نفسك مع الآخرين

وحين تكون اليمنى مختبئة

فانك تأخذ ولاتعطى

وان لاذت اليسرى..تعطي ولاتاخذ

ولكن انظر إلى الذي يمتطي

فرسا معدة للبيع في أية لحظة...ص19

لقد اشتغل الشاعر نصوصه برؤى فنية تشيع جوا من الحزن والشجن، تتعانق فيه الكلمات بجمال وسحر يملاءها ذالك الحزن الشفيف لصور متتابعة متدفقة، بحجم الذاكرة والألم المتكررة للحدث بالاستفادة من دال (المرأة) كرمز لمدلول أعمق واكبر .. (الإنسان).

يتطاول قلبي ويكتب لك قصيدة

ولكن أملي أن تغفر لي جرأتي

فأنت التي إلي بكى لان عدوه سيدخل النار بسببه

أرنو إلى شفق تعفر خده بدم الكواكب

بأتربة الخيول..وطأت حوافرها صدر

الرسالة ...ص69

في نصوص أخرى والتي استطاع الشاعر أن يؤثث نصا مغاير في استخدام اللقطة السينمائية في مشاهدة صورية (فضاء داخلي إلى فضاء خارجي)، ثم إلى مكان افتراضي في وقت واحد، وكأننا إزاء زمنية جمالية مفرطة في تعددية صورية واقعية الحدث خيالية المشاهدة، حيث تتداخلُ الأمكنة والأزمنةُ والسرود التي يتنامى بناؤها من النص والقارئ في سياق متنامي لا تكمن في مقصد الشاعر فقط، بل في بنية النص ذاته.

اللوحة أنثى

تشع منها ألوان الألم

وتغرد على أشجارها الأحلام

والإطار رجل

يجلس في زاوية الذات

ويدخن أكاذيبه

وينشر على الأغصان دخان خطاياه...ص84

ولكي نقرأ نصا ما من نصوص هذا الديوان ينبغي معرفة طبيعة الإجمالية للمفردة التي تعتمد على الحذف والحضور والتي نجدها تتوالد في النص الشعري لابل و تتحرك في منطقة إنتاج بنية سردية خاصة الأمر الذي يجعل المفردة آخذة مكانها، بشكل متحرك في بنية قابلة للتمظهر الشكلي التي تجعل النص متحركا دائما وبعيد عن السكونية؟

اعرض نفسك على الورد

فان غطى وجهه

فأنت قبيح...ص97

وفي جانب أخر من النصوص يجعل الشاعر مقاربة من تناص مع النصوص الرمزية والصوفية (الحسين ع) أنموذجا وبروز ذالك لا كوسيلة بل كمعطيات فاعلة تتماهى مع (الإنسان / الرمز)، فيعامل هذه الثيمة في وجودها المتحول الجديد نصوصا متنامية ومتحررة من جذره التاريخي ألسكوني إلى الحركي المؤثر ..

من قال قد مات الحسين

لم تمت العدالة .. تجذر في ضمائرنا هواك

دونا المحبة في صدر الوصية

ميراث القلوب ..جيل بعد جيل تحملها الى

يوم القيامة..

ولم تمحي ملامحك السيول

تروينا محبتك .. حين يكون حر الغدر اقسي

مايكون ... ص72

 

قراءة :عقيل هاشم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2603 المصادف: 2013-10-21 20:05:43