المثقف - قراءات نقدية

العرق الروائي في "منازل الوحشة" لدنى غالي

zohdi aldahoodiلا شك أن العمل الإبداعي الناجح يفرض نفسه كأي نبتة صالحة مهما كان ركام الطفيليات قويا وكثيفا. ومهما حاولت الحشائش الضارة التغلب على الثمرة الطازجة والحيلولة دون وصول الشمس إليها، فلابد لتلك الثمرة أن تجتاز الظل الكثيف وتتخلص من الحشرات الضارة وتخرج إلى النور. يحدث ذلك إن عاجلا أم آجلا.

العمل الإبداعي الناجح إذا أشبه بقرصة خبز حارة أمام معدة خاوية أو أشبه بسمفونية جميلة قبالة رأس مشوش قلق يستعيد توازنه أمام اللحن المتدفق. واجب العمل الابداعي إذا سواء أكان قطعة موسيقية، لوحة فنية، قصيدة، قصة قصيرة، رواية، هو بث الجمال في الحياة والحيوية في النفس والراحة في المزاج. أنت تجد نفسك شيئا آخر حين تتمتع بالعمل الابداعي وهذا الشيء يؤدي إلى أن تصعد إلى السماء حيث تفقد وزنك وتتماهى في الروح بمعناها المثالي.

شعرت بتلك الأحاسيس وأنا ألتهم صفحات رواية "منازل الوحشة" للكاتبة دنى غالي، تلك الرواية التي أنهيت قراءتها خلال يومين فقط، الأمر الذي نادرا ما يحصل معي. إن الرواية لم تشدني شدا محكما إلى أجوائها فحسب، بل حولتني إلى فرد من أفرادها، أحس بأحاسيسهم وأشعر بمشاعرهم. إذا، إن أحد الشروط الرئيسة الذي هو شد القارئ شدا محكما إلى جو الرواية متوفر في هذا الكتاب.

يقول الناقد الألماني مارسيل رايش – رانيسكي في كتابه "من يكتب، يستفز" (إن الروائي مسموح له على الإطلاق، كل شيء. في سبيل المثال يمكنه أن يقوم بمخالفات ضد المنطق أو ضد الذوق السليم. فقط شيء واحد غير مسموح له مهما كانت الأعذار: أن لا يبعث الملل في نفس القارئ).

وهل تبعث رواية "منازل الوحشة" لدنى غالي الملل في النفس؟

"كلا، أبدا. إنك تتمتع بالسرد السحري واللغة السلسة الجميلة والجملة التي تنقل الحدث بصورة ملموسة ودون أبهة.

إذا بحثنا مسالة الزمكان في رواية "منازل الوحشة"، نجد أن الزمان منحصر في الفترة الممتدة من مطلع العام 2006 إلى نهاية العام 2008 . سنتان من أسوأ فترة زمنية جثمت على كاهل الشعب العراقي بعد سقوط بغداد على يد القوات الأميركية، تظاهي قرنا كاملا. أتسمت السنتان بالقتل على الهوية والخطف والذبح وقطع الرؤوس والمعاداة الهمجية بين السنة والشيعة، ظاهرة فريدة في منتهى التخلف والهمجية. وينحصر مكان الرواية بين المدينتين بغداد وعمان وتلعب مدينة البصرة دورا طفيفا في المساحة المكانية.

 تتناول الرواية بأسلوب سردي جميل شريحة حياتية من المجتمع العراقي "عائلة تتكون من ثلاثة أفراد" بدون افتعال درامي، بيد أنها تعطيك بكلمات قليلة وبشكل غير مباشر وبدون تدخل الكاتبة في تسيير الحدث، صورة واضحة عما يجري خارج الجدران:

"أتسلل من دون أن يشعرا بي لأستريح. أزيح الستارة من منتصفها لأحشر نفسي بين طياتها الثقيلة في الصالة بمواجهة الحديقة اليابسة. ما زال السياج الخارجي الذي زدنا من ارتفاعه بسبب الأوضاع غريبا علي. ما كان يحدث في الخارج غير متوقع، فرغم كل الاحتياطات التي قمنا بها لم نستطع حماية بيتنا"

إن البيت إذاً معرض للانتهاك في أي لحظة وإن عدم التمكن من حماية البيت يعني عدم وجود دولة تنشر الأمن والسلام في المجتمع السائب الذي يسرح فيه الإرهابيون ويمرحون. ويؤثر الجو الارهابي المهيمن على الشارع ليس على ما يجري في المنزل فحسب، بل على الطبيعة المحيطة بالبيت والمتمثلة في الحديقة.

"تجول عيناي في الحديقة أمامي. تغيرت كثافة اللون الأخضر وتدخلت الحشرات لترسم خرائطها الشاحبة على الأوراق. النباتات تشبهنا في لهاثها. أجل باقية ولكن بنصف لون، بنصف قدرة على حمل ثمر. أشجار حديقتنا التي أعرفها تمام المعرفة تبدو بعيدة من خلف زجاج النافذة حيث أقف. صارت المسافات تقاس عندي بالخوف لا الأمتار"

ورغم أن العائلة لم تلعب دورا ملموسا في الحياة السياسية للبلد فانها اختارت العزلة التامة:

"ابتعد أسعد وأنزوى هو الآخر ولكنه لم ينج. كان قريبا من الشيوعيين لفترة قصيرة من شبابه جعلته موصوما. لم يستطع ابعاد الشبهة عنه بوصفه شيوعيا ولم يكن ذلك بغريب؛ تبقى هذه الشبهة مثل لعنة تلاحق المرء حتى القبر. من هنا بقي أسعد مصنفا ضمن مجموعة اليسار الصامتة أو الفئة المستقيلة"

وفي العزلة التي فرضتها العائلة على نفسها تأزم وضع الأبن سلوان النفسي، الذي هو مريض أصلا، وساءت صحته، الأمر الذي أفزع أباه وجعله يتخبط في التعامل معه. فَقَد وسائل تواصله معه دفعة واحدة وتقول الأم بهذا الصدد:

"ازدادا مع الوقت غربة عن بعضهما ليضيفا إليّ هما جديدا. رحت أتوسع بحركة هلامية لأحتوي أزمة الاثنين في البيت"

ويتوصل طبيب العائلة وصديقها المثلي حسام إلى نتيجة تفيد بأن سلوان مصاب بمرض نفسي ويقول للأم الراوية التي تعرف كل شيء:

"دعكِ من كل ما قاله الأطباء. ليس بالضرورة أن يشارك في حرب ليعاني من أمراض نفسية شبيهة"

ويبقى المرض النفسي لسلوان علامة فارقة تؤدي إلى تفريخ مجموعة من المشاكل والأزمات التي تحس بها الأم الراوية التي تقول:

"أتبعه خفية، أتنصت وأتلصص عليه. لا. لست مخبولة ولم أكن مخطئة. أمسكته في محاولته الثانية للانتحار. وهرعت وتشبثت به وطلبت منه بضعفي الغبي أن يجد لي طريقة للتخلص من حياتي إن كان مقتنعا بلا ضرورة حياته بيننا. صرخت به وأسرعت من دون وعي إلى المطبخ وجئت بالسكين، شققت ثوبي أمامه وقلت بهياج (هيا لنفعلها معا ولكن أنا أولا إن كنت تنوي ذلك حقا) انهار فحضنته وانخرطنا إلى الأرض نبكي معا وأنا أقبّل رسغه الذي رفع الضماد عنه. ألقي بموس الحلاقة بعيدا..."

وتقول الأم في مكان آخر:

"محاولته الأولى كانت بعد أسبوعين من نجاة أسعد من الاختطاف وعودته إلى البيت. بدا طيلة الوقت مذعورا مني ومن أبيه"

في إحدى المرات داهمت البيت مفرزة أمريكية. ظنت الأم للوهلة الأولى أنهم يبحثون عن أسعد لسبب ما، لكن تبين أن من كانوا يشكَون في أمره هو سلوان.

"وقفت بينه وبينهم وأنا أردد بتوسل أنه مريض. طلبوا مني التنحي بدفعي بعيدا بخشونة. دخلوا غرفته ورفعوه من الأرض بشده من ياقة بيجامته. أمروه أن يبرز أوراقه. كانوا يريدون استجوابه لسبب لم أعرفه. انصرف أثنان ليطيحوا بالكتب من على الرفوف مثل مشهد من فيلم. أمسك ثالث عصا أبي من مقبضها العاجي وأخذ يلوح بها بضحكة عصبية. سقطت سجادة الحرير من على الحائط، وقلبت السجادة المفروشة على الأرض، تناثر زجاج المزهرية واللمبة النفطية وخزف وعاء الزيت الصيني. وقعت المرآة الكبيرة بملاكي تاجها وانكسرت. لم ينفع قولي إنه مريض. قلتها بحلق يابس وبنفس متقطع لرهبتي. كان السلاح مشهورا، ومنظر الخوذات التي تغطي كامل الوجه، والبساطيل والقفازات العسكرية الأمريكية الضخمة ، مرعبا. وكأن جيشا كاملا قد احتل البيت. لم يحتمل سلوان الموقف فراح يصرخ بهستيريا وسقط أمامهم مع مذياعه الذي تقطعت وشوشته. "سيختنق"، صرخت وصاح المترجم مرددا الكلمة من بعدي مذعورا... عاد أحدهم وتناول بندقية صيد أبي القديمة من على الجدار وتقدمهم في الطريق إلى الخروج"

إنه مشهد واضح من مشاهد أجواء الحرب ووثيقة ملموسة تمنح رواية "منازل الوحشة" لدنى غالي الشهادة بأنها رواية حرب من طراز جديد كتبت بعد أن توقفت المدافع والبنادق  عن إطلاق النار.

هنا يطرح السؤال نفسه: "هل رواية (منازل الوحشة) تعتبر رواية حرب؟ وماذا يعني (من طراز جديد؟)

رواية الحرب من طراز جديد هي تلك الرواية التي كتبت بتأثير من الحرب، سواء أكان هذا التأثير مباشرا أم غير مباشر ودون أن يكون المؤلف قد شارك بالفعل في أحداث الحرب. إن مجرد مشاركة المؤلف في الحرب لا يؤدي إلى خلق رواية حربية. إن الأحداث يجب أن تكون حربية أو نتيجة لأهوال الحرب التي أنتهت.

إن معظم الأعمال الروائية التي كتبت عن الحرب إنما أنجزت بعد أن وضعت الحروب أوزارها. نذكر من هذه الأعمال في سبيل المثال: الحرب والسلام لتولستوي، ذوبان الجليد لإيليا أهرنبورغ، لمن تقرع الأجراس؟ لهمنغوي.

عائلة أسعد التي لم تساهم بشكل مباشر في أحداث الحرب، أصبحت ضحية اندلاع الحرب. تشتتت العائلة في داخل أعماق أفراد العائلة رغم أنها ظلت تعيش تحت سقف واحد. وحصل تغيير في المكان، حيث اتسعت الرقعة من بغداد إلى عمان. وانتقلت الرفاهية من البيت إلى رصيف الشارع، حيث تبيع الأم أدواتها المنزلية. وتحولت ما يسمى بروايات الحرب التي كانت تكتب بغزارة في الحرب العراقية – الايرانية إلى يوميات وتقارير صحفية سرعان ما غابت عن الأنظار وتحولت إلى أطنان من الورق، تباع في السوق بالكيلوات.

"منازل الوحشة" للكاتبة دنى غالي عمل أدبي رائع يتسم بعرق روائي أصيل، سد فراغا في مكتبة الرواية العراقية وكشف أمراض الإنسان العراقي المتمرد حتى على نفسه.

 

"منازل الوحشة" رواية، دنى غالي، 208 ص، بيروت، القاهرة، تونس 2013 .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2621 المصادف: 2013-11-08 00:13:56