المثقف - قراءات نقدية

مكون الشخصية في رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس (1) فهوم الشخصية الروائية

alhasan alkyriبادئ ذي بدء، ونحن نهم بالخوض في مفهوم الشخصية، لا بد من الانطلاق من مسلمة رئيسة مفادها أن مسألة تعريف الشخصية مسألة افتراضية بحتة. فليس هناك تعريف واحد لها، جامع مانع وثابت وقار. والسبب في ذلك، كما هو معلوم، يعزى إلى كون الشخصية الروائية من أكثر المقولات النقدية تشعبا وخصوبة. إذ تتلاقى عندها تحليلات الدارس البنيوي وكذا مقاربات الباحث النفسي والاجتماعي، كما تتفارق عبرها رؤيات ونمذجات عديدة، حاولت تصنيفها وتشخيص وضعها الاعتباري. هذا إضافة إلى تباين مستويات حضورها ضمن المحكي الروائي، بدءا بالبطولة الفردية المسكونة بأبعاد مثالية، أسطورية تسجد القيم الأخلاقية النبيلة المخلصة للإنسانية من الاستبداد، مرورا بالبطولة الجماعية الموازية إيديولوجيا للتنظيمات الاحتكارية التي حجمت دور الفرد في شبكة المجتمع الرأسمالي، وانتهاء باللابطولة المتولدة عن انسحاق الفرد أمام أخطبوطية الأشياء،  والمتبلورة مع موجة الرواية الجديدة التي أصبحت ترى في رواية الشخصيات ملكا للماضي باعتبارها شاهدة على حقبة معينة وصل فيها الفرد إلى قمة مجده. إنها عالم معقد وشديد التركيب ومتباين التنوع ومتعدد بتعدد الأهواء والمذاهب والإيديولوجيات والثقافات  والحضارات والهواجس والطبائع البشرية التي ليس لتنوعها ولا لاختلافها من حدود. حاول بالزاك أن يجعل من رواياته مرآة تعكس كل طبائع الناس الذين يشكلون المجتمع الذي يكتب له وعنه في الوقت ذاته، بما كان فيهم من عيوب، وبما كان فيهم من عواطف وبما كان في قلوبهم من أحقاد، وبما كان في نفوسهم من شرور، وبما كانوا يكابدونه من آلام وأهوال في حياتهم اليومية التي كانت، ولم تبرح، تفرض وجود كثير من العلاقات. لقد كان الروائي التقليدي يلهث وراء الشخصيات ذات الطبائع الخاصة لكي يبلورها في عمله الروائي، فتكون صورة مصغرة للعالم الواقعي. لقد كانوا يعتقدون أنهم قادرون على منافسة المؤرخين الذين يكتبون عن واقع الناس ووقائعهم أيضا، من حيث السياسة، ومن حيث الثقافة، ومن حيث الاقتصاد، ومن حيث العلاقات العامة على اختلافها فيما بينهم بما يكتنفها من حسد وحقد، وطموح وتنافس، ولكن في جفاف الأرقام، وفجاجة الأحداث.

لقد اجتهد الروائي التقليدي في أن يفيد من التاريخ، فاستند إلى بعض عناصره ومكوناته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبلورها في كتابة أدبية مخضلة بالعطر والجمال والأناقة. لكن، يبدو أن الرواية التقليدية قد فشلت في إقناع قرائها الأذكياء بأن ما يصادفونه فيها من شخصيات هو أمر مستند إلى الواقع، وأن تلك الشخصيات كانت مثل العالم الخارجي أو الواقعي، بحق وصدق. لقد أحس القراء بأن الروائيين يخدعونهم ويكذبون عليهم كما يخدعهم مخرجو الأفلام السينمائية وأدركوا أنها لعبة حقيرة أن يحاول الراشد من الناس خداع راشد مثله. إن في الناس الفقير والغني، والقوي والضعيف، والصغير والكبير والمرأة والرجل، واللئيم والكريم، والشهم والدنيء والعالم والجاهل، والصادق والكاذب، والسفيه والحليم، والمتشدد والحليم، وما لا يحصى من الطباع والخلال... فأرادت الرواية التقليدية أو الرواية دون وصف، أن تنهض بعبء وصف هذه النماذج البشرية العجيبة التركيب والغريبة الأطوار فتعبت وأتعبت وضلت وأضلت، فلم تفض إلى شيء يذكر.

كانت المشكلة كلها تكمن فيها يلي: هل يكتب الروائي أدبا أم يكتب تاريخا؟ وإذا كتب الأدب فكيف سيكون موقفه من التاريخ؟ أو قل: كيف سيكون موقف التاريخ منه؟ وإذا كتب تاريخا فهل هو يمتلك الثقافة التاريخية والمنهج التاريخي لتسجيل أحداث المجتمع؟ وما هذا الموقف الذي ورطت الرواية التقليدية البناء نفسها فيه واتخذت موقعها منه، بمحاولات الإفلات من مجالها الطبيعي الذي هو الخيال الخالص والأدبية المحضة، إلى مجال الواقع الفج الذي هو مجال التاريخ الصارم؟

ولعل هذه الورطة التي وقعت للرواية التقليدية نشأت عنها ورطة أخرى امتدت إلى حقل المصطلح النقدي، حيث كان بعض النقاد العرب المعاصرين يصطنعون مصطلح شخص وهم يقصدون به الشخصية ويجمعونه على شخوص. والحق أن اشتقاق اللغة العربية يعني من وراء اصطناع: ش /خ ص/ من ضمن ما يعنيه التعبير عن قيمة حية عاقلة ناطقة. فكأن المعنى إظهار شيء وإخراجه وتمثيله وعكس قيمته. ولا يعني أصل المعنى في اللغات الغربية إلا شيئا من ذلك إذ إن قولهم:"Personnage إنما هو تمثيل وإبراز وعكس وإظهار لطبيعة القيمة الحية العاقلة الماثلة في المصطلح الآخر "personne" فالمسألة الدلالية، وقبلها الاشتقاقية في اللغات الغربية محسومة، بينما هي في اللغة العربية معرضة لبعض الاضطراب لأنه لو مضينا على تمثل الدلالة الغربية وفلسفة الاشتقاق في اللغة الفرنسية خصوصا، لكان المصطلح هو "شخصنة" لا "شخصية" وذلك على أساس أن الشخصنة مصدر متعد يدل على تمثيل حالة بنقلها من صورة إلى صورة أخرى.

لقد كان يتم الجمع بشكل آلي وأعمى بين مفهومي الشخص والشخصية وهو ما أشار إليه أحد المنظرين بقوله فيما معناه أن: الشخصية في الرواية قد ظلت لوقت طويل غير متميزة عن الفرد الحي فعليا في الواقع اليومي. لذا فإنه من الواجب التفريق بين هذين الكائنين. وعندما نقول التمييز فإن ذلك لا يعني أبدا أننا نحذف العلاقة بينهما نهائيا. كلا، ليس هذا هو الغرض المقصود بل إننا نود الكشف عن خصوصية كل كائن منهما، والعالم الذي يتحرك فيه، حتى يتم إبطال ذلك الخلط الذي يقع فيه البعض في النظر إلى الشخصيات على أنها أشخاص أو العكس. علما بأن تصورا للشخصية لا يمكن أن يكون مستقلا عن تصور عام للشخص، للذات وللفرد. وفي هذا الإطار نعتقد أن أول خطوة على طريق فك التشابك الحاصل بينهما تتمثل أساسا في تحديد مواصفات العالم الذي يحيى فيه كل واحد منهما. فشخصية ما في رواية تختلف عن شخصية موجودة في الحياة الواقعية. لأن الشخصية في الرواية إنما تتألف فقط من الجمل التي تصفها أو التي وضعها المؤلف على لسانها وليس لتلك الشخصية ماض أو مستقبل وليس لها أحيانا حياة مستقلة. في حين نجد أن الشخصية في الواقع كائن حي ينتمي لما هو واقعي وحقيقي لا متخيل، له تاريخه وماضيه. وصحيح أننا مع ذلك، ينبغي أن لا نسلم بالتطابق بينهما لأن الأشخاص الذين يختارهم الكاتب من واقعه الاجتماعي ما إن يدخلوا الحكاية حتى ينفصلوا عن ذواتهم الأول وتتحقق لهم ذوات جديدة يرسمها النص، ما دام الكاتب لا يكتفي بنقل الشخصية من واقعها فقط وإنما يخضعها لعملية إنتاج ويشحنها بحمولة جديدة تسير في الخط الذي يرسمه النص وليس ذاك الذي يمليه واقعها خارج حدود الحكاية.

نستخلص من هذا كله أن قراءة ساذجة هي التي تخلط بين الشخصيات والأشخاص الأحياء. ومع ذلك فإن رفض كل علاقة بين الشخصية والشخص سيكون مستحيلا. لأن الشخصيات تمثل الأشخاص بموجب طرق خاصة بالحكاية. بالإضافة إلى أن مفهوم الشخصية لم يعد يمثل في النص الحكائي الأشخاص فقط بل تعدى ذلك ليتشخص فيما هو نبات، حيوان، أو جماد، الخ؛ فالكاتب كما هو معلوم يحرك ما لا يتحرك، ويخلق عالمه العجيب من أشياء لا علاقة لها بما هو موجود في الواقع. وأكبر شاهد على ذلك ما يزخر به الأدب العالمي والعربي على حد سواء من أعمال حكائية تتخذ من الحيوانات أو النباتات شخصيات، كما هو الحال في حكايات لافونتين "les fables" و "كليلة ودمنة" لابن المقفع. بل الأكثر من هذا أننا نصادف نصوصا علمية تسند فيها الأدوار لشخصية هي عبارة عن: ميكروب، جرثومة، فيروس، بويضة، أو عضو... باعتبارها شخصيات نص يسرد صيرورة تطور مرض ما. هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإنه إذا كانت الرواية التقليدية تنهض على طائفة من الخصائص والتقنيات والعناصر والمشكلات من قبيل: الشخصية والزمان والمكان، والحدث واللغة وغيرها فإن الشخصية الروائية هي التي تسخر لإنجاز الحدث الذي وكل الكاتب إليها إنجازه. وهي تخضع في ذلك إلى صرامة الكاتب وتقنيات إجراءاته وتصوراته وإيديولوجيته. أي فلسفته في الحياة.

نخلص مما سبق إلى أن الشخصية في الرواية التقليدية كانت تعامل على أساس أنها كائن حي له وجود فيزيقي فتوصف ملامحها، وقامتها، وصوتها، وملابسها، وسحنتها، وسنها، وأهواؤها وهواجسها وآمالها وآلامها، وسعادتها، وشقاوتها،الخ؛ ذلك أن الشخصية كانت تلعب الدور الأكبر في أي عمل روائي يكتبه كاتب رواية تقليدية. ويبدو أن العناية الفائقة برسم الشخصية وبنائها في العمل الروائي، كان له ارتباط بهيمنة النزعة التاريخية والاجتماعية من جهة وهيمنة الإيديولوجية السياسية من جهة أخرى. فكأن الشخصية في الرواية التقليدية كانت هي كل شيء فيها. بحيث لا يمكن أن نتصور رواية دون طغيان شخصية مثيرة فيها. إذ لا يضطرم الصراع العنيف إلا بوجود شخصية أو شخصيات تتصارع فيما بينها داخل العمل السردي. من أجل كل ذلك كنا نجد كثيرا من الروائيين يركزون كل عبقريتهم وذكائهم على رسم ملامح الشخصية، والتهويل من شأنها، والسعي إلى إعطائها دورا ذا شأن خطير تنهض به، تحت المراقبة الصارمة للروائي التقليدي، الذي كان يعرف كل شيء سلفا، عن شخصيات روايته، وعن أحداثها وزمانها ومكانها، ذلك بأنه هو الذي كان يسوق الحدث من الوراء إلى الأمام سوقا صارما، على أساس أنه يعرف كل شيء عن كل ما كان يريد أن يكتبه.

أضف إلى ذلك، أنه كان يمكن محورة دراسة رواية أو تحليلها على مجرد شخصياتها دون أن يكون ذلك مستنكرا. وقد ظل ذلك قائما، إلى بداية القرن العشرين. بيد أن الرؤية إلى الشخصية تغيرت، فبدأ الروائيون يجنحون للحد من غلوائها والإضعاف من سلطانها في الأعمال الروائية، فلم تعد إلا مجرد كائن ورقي بسيط، وذلك انطلاقا من الحرب العالمية الأولى. وكلما تقدم الزمن ازدادت قسوة الروائيين على شخصياتهم. ونتيجة لذلك لم يعد ممكنا دراسة الشخصية في نفسها " على أنها شخصية أو فرد"؛ بل على العكس من ذلك بدأت الأفكار تتجه إلى دراستها أو تحليلها في إطار دلالي: حيث تغدو الشخصية مجرد عنصر شكلي وتقني للغة أو الخطاب الروائي مثلها في ذلك مثل الوصف والسرد والحوار حذو النعل بالنعل.

بينما الروائيون الجدد لم يفتأوا ينادون بضرورة التضئيل من شأن الشخصية والتقليص من دورها عبر النص الروائي، وجدنا كافكا في روايته "المحاكمة" يكتفي بإطلاق مجرد رقم على شخصيته بعدما أطلق مجرد حرف على شخصية روايته التي تحمل عنوان "القصر". ولعله بذلك يكون قد أعلن بداية القطيعة مع التقاليد التي كانت سائدة في التعامل مع الشخصية وتهذيب ملامحها وتلميح وجهها حتى تبدو أجمل وأعقل من الشخص الحقيقي نفسه. وقد ذهبت "ناطالي صاروت"، إلى أن روح السارد البروستي موصوف على نحو آنق وأوسم مما يجب حتى يكون صحيحا!. بينما يذهب "صامويل بكيت" إلى أن أسطورة سزيف التي تمثل ضمير العبث تعالج الأمر بمثالية مفرطة. فلا كاتب له الحق في أن يحمل صورة الحياة بكل معانيها الإنسانية لمجرد شخصية روائية، وأسوء من ذلك بأن يكلفها بحمل رسالة.

وكذلك اغتدت الرواية في القرن العشرين "منذ عهد جويس إلى بكيت سمة على الغياب المطلق للعلاقات الشرعية بين المجتمع وثقافته وبين نظام الإنتاج، وفكرة الإنسان نفسه"( ). فهل يعود ذلك إلى عيب في الجنس الروائي؟ أم أن العيب في القارئ الناقد، القارئ الذي استكشف ذلك العيب في ذلك الجنس الأدبي؟ أم أن تلك المسألة تمثل حكما نسبيا لا يمكن أن يمثل إلا أصحابه، وعلينا أن نذهب إلى أن الرواية بخير كثير؟ أي، هل هذه الأحكام التي يسوقها النقاد الغربيون بعامة، والنقاد الفرنسيون المعاصرون، بخاصة، هي أحكام قطعية، مطلقة أم هي أحكام لا تعدو كونها وجهات نظر اعتقدت أن هذه الشخصيات وقع الانفصام بينها وبين المجتمع الذي تنتمي إليه، كما وقع المروق عن الطموح الإنساني الذي كانت تحاول أن تمثله؟ أي، هل هذه الأحكام حقائق لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها أم إنها مجرد موضة نقدية وشك أن ما تنتهي، ثم تعقبها موجة أخرى من الموضة النقدية قد تعيد إلى الشخصية الروائية، ونتيجة لذلك، تعيد إلى الرواية الموصوفة بالتقليدية مكانتها الكبيرة التي كانت تتبوأها فيما قبل؟

وإذا نحن ساءلنا الدراسات النقدية الحديثة حول هذا المفهوم "الشخصية الروائية" وجدناها تنظر إليه، هي الأخرى، نظرة مغايرة لما كان سائدا من قبل. وتعاملت معه تعاملا خاصا. حيث اعتبرت الشخصية علامة signe مكونة من دال ومدلول أو كمورفيم مزدوج التمفصل يتميز في البداية بكونه لا يحيل على أي شيء ولا يعني أي شيء، بمعنى أنه فارغ من كل دلالة مسبقة. ومن ثمة فهو يشكو في البداية من فراغ دلالي، غير أنه سرعان ما يغدو بعد ذلك مشحونا مع تقدم السرد. مما يدعو للقول مع فيليب هامون إن: "البطاقة السيميائية للشخصية ليست معطى أوليا وثابتا وأن الأمر يتعلق بمحض تعرف عليها، بل إنها تشكل يتم تصاعديا مع زمن القراءة وزمن المغامرة المتخيلة، إنه شكل فارغ ستملأه مختلف المحمولات، أفعال وصفات. إن الشخصية دائما وأبدا تكاثف لأثر سياقي"( ). ولهذا فهي لا يتم اكتمالها وتكونها إلا عند نهاية الحكاية. بمعنى أنها تشكل وحدة دلالية يرتهن امتلاؤها بالوحدات الدلالية الصغرى التي تبث فيها الروح والحياة. هذه الوحدات الدلالية الصغرى هي التي تملأ ذلك البياض السيميائي الذي تخلقه الشخصية في أول الأمر لاسيما إذا كانت شخصية غير تاريخية وبلا مرجع خارجي. على أن هذه الدلالات أو المعنى بصفة عامة، لا تتوزع في النص الحكائي بشكل مضبوط ومقنن، بقدر ما تتخلل كل أجزائه من أول كلمة إلى آخرها. وبذلك تبقى رهينة بهذه المعاني أو الوحدات الدلالية التي تبدأ ببداية الحكاية وتنتهي بنهايتها. على أنه إذا ما صدر حكم أو تصور معين في حق أي شخصية قبل اكتمال الحكاية، فسيكون قد أخطأ في حقها، ولم ينظر إليها ككل متكامل، بل اقتصر على قسم منها فقط. علما بأن الشخصية كما أشرنا إلى ذلك سابقا كمورفيم فارغ تملأه مختلف الحالات والتحولات السردية. وهي من ثمة تشكل محايث لصيرورة النص، وكل قراءة لا تدخل في اعتبارها هذا المفهوم الشمولي المتكامل ستكون قد قصرت في حقها، واختزلتها في بعض حالاتها دون تحولاتها أو العكس، الشيء الذي يعد تشويها لصورتها الحقيقية.

إذن، الشخصية الروائية ليست سوى تشكل نصي، وأن الفراغ السيميائي يأخذ شحنته من النص. بمعنى أن الشخصية تعتمد على تسلسل الخطاب أو الكتابة لتنهض وتكتسب بالتالي قوة تمكنها من أداء دورها في الحكاية، بحيث إن كل ما يصب في هيكلة الشخصية لا يخرج عما هو ثقافي ولساني. من هنا كانت الشخصية كائنا غير خارج عن اللغة وبالتالي عن النص. لأن الشخصية في الرواية لا تنمو إلا في وحدات المعنى، أي من الجمل التي تنطقها هي، أو ينطقها الآخرون عنها، إن لها بنية غير متعينة، إذا ما قارناها بالشخص البيولوجي الذي يملك ماضيه المتماسك والملازم له.

انطلاقا من هذا المنظور الجديد للشخصية لم يعد هناك مجال للسقوط في مقارنات بين الشخصية وبين ما هو خارج عنها، أي ما هو غير لساني ولا نصي، لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة تتمثل في إسقاطات ساذجة ومحاكمات ليست بريئة في حق الشخصيات، ما دامت مثل هذه النظرة تدخل في اعتبارها الأشخاص وعلى ضوئهم تحاكم الشخصيات هذه الكائنات التي لا تملك حقيقة خارج النص، إنها ليست أكثر من ورق أو كائنات أدبية. لذلك يجب علينا اعتبار الشخصية الروائية ككائن من كلمات، بمعنى كبناء لساني قبل أن يخضع لاستقصاء نظام سيكولوجي. على أننا، نطمح لاختصار الشخصية في نسيج من الكلمات، حتى وإن كانت توجد بالكلمات. غير أن هذه الكلمات وحدها لا تخلق الشخصيات، كما أشار إلى ذلك خورخي لويس بورخيس في قوله: "نعم إنها، أي الشخصيات توجد بالكلمات ولكن ليس هذا ما يصنع شخصية حقيقية"( )، وإلا أصبحنا أمام شخصيات مرصعة بالكلمات لا روح فيها ولا قوة كأنها دمى. إن الشخصية، بالفعل تنهض على أساس الكلمات، ولكنها تلتقي بما هو سيكولوجي، اجتماعي، ثقافي، فلسفي،الخ.

وأخيرا، يمكن أن نستخلص أن الشخصية الروائية مرت في القرون الأخيرة بثلاث مراحل كبرى: المرحلة الأولى تمثل مستوى التوهج والعنفوان والازدهار، وترتبط بازدهار الرواية التاريخية والرواية الاجتماعية خصوصا. ولعل أكبر من روج لهذه الشخصية وصرفها مصارف لا حدود لها الروائي والكاتب الفرنسي بلزاك الذي كتب زهاء تسعين رواية نشط نصوصها أكثر من ألفي شخصية. وما شاه في ذلك جملة من الكتاب في الأدب الفرنسي نفسه مثل إميل زولا وجوسطاف فلوبير، وسطاندال، وفي الآداب الأخرى مثل الأدب الإنجليزي ولتر سكوت والأدب الروسي تولستوي والأدب الألماني كافكا والأدب العربي نجيب محفوظ الذي يعتبر أكثر الكتاب الروائيين العرب غزارة وأكثرهم تعدد رؤية وأشدهم تسجيلا للحياة الاجتماعية والتاريخية المصرية. ثم لما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها ألم على الرواية العالمية عهد الاهتزاز والتشكيك في قيمة شخصياتها وصدق تمثيلها لصور الحياة الاجتماعية. وبذلك كانت مرحلة وسطى تقع بين عهد رواية الشخصية ورواية اللاشخصية. إنها مرحلة التشكيك والهز والمساءلة والخصومة بين من لا يبرح متعصبا لضرورة قيام الشخصية في الرواية بوظيفتها الاجتماعية، وبين من شرع ينادي بإبطال دور هذه الشخصية في العمل الروائي والعمل باللغة قبل كل شيء. وممن مهد لهدم أركان الشخصية الروائية والتشكيك في قيمتها الاجتماعية، طائفة من الكتاب العالميين في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية من قبيل: أندري جيد وجيمس جويس وفرجينيا وولف. تم  لم تكد الحرب العالمية الثانية تضع أوزارها، حتى كانت فكرة التجديد الجذري في كتابة الرواية قد تبلورت في أذهان كثير من الكتاب في فرنسا، على وجه الخصوص، فإذا مدرسة للرواية الجديدة تنشأ نشيطة، متمردة على الحياة، رافضة للتاريخ، ومنكرة لوجود الشخصية على أنها تمثل صورة من صور الحياة الاجتماعية. فنادوا بأن لا شيء يوجد خارج اللغة، وأن الشخصية ليست إلا مجرد عنصر من عناصر المشكلات السردية الأخرى، ولا ينبغي لها أن تتبوأ تلك المنزلة الرفيعة التي كانت تتبوأها خطأ في الرواية التقليدية البناء. وقد ازدهرت هذه المدرسة الروائية التي عرفت تحت مصطلح "الرواية الجديدة" في فرنسا خصوصا، وذلك منذ منتصف القرن العشرين. وممن يمثلونها: ألان: روب غرييه وناطالي صاروت وكلود سيمون وميشيل بيتور وصمويل بيكيت.

 

*كاتب و باحث في الترجمة و التواصل – الدار البيضاء – المغرب.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2625 المصادف: 2013-11-12 22:48:53