المثقف - قراءات نقدية

قصيدتا المقدسي والحديثي في الحسين والدلات المعمقة

abdulelah alsauqإشارة مهمة: الهم المركزي لهذه المقالة يتمحور حول الهاجس الوطني العراقي بحيث ان قضية الحسين استطاعت توحيد العراقيين على قضية دينية في ظاهرها وطنية في باطنها حضارية في شموليتها.

 

المقالة

 يقينا ان مأساة الحسين رغم ماقيل ويقال فيها وعنها تكوين قيمي مبدئي يمكن النظر اليها من زوايا التقاط متعددة ومختلفة بما يمثل وجهة نظر كل ملتقط ويؤثل مساحة وعيه وعمقها، ونحن اذ نتكلم عن قضية الحسين انما نتكلم عنها كقضية كونية قبل ان نتكلم عنها كقضية طقوسية شكلانية تخص طائفة محددة من اصحاب الحسين، فدائماً ثمة اتساعات في اية قضية تكون على حساب العمق، والعمق في الحسابات المبدئية يتفوق على سعة المساحة مهما بولغ فيها، ولقد تبارى المفكرون بمختلف انتماءاتهم في قراءة قضية الحسين عمقاً واتساعا، ولك ان تنظر الى مشارب واهواء من كتب عن الحسين الشهيد ع بحميمية عالية، فثمة مثلا قصيدة محمد مهدي الجواهري فداء لمثواك من مضجع كتبها متبتلا متفجعا رغم كونه علمانيا، وقصيدة الشاعر اليهودي العراقي التقدمي مير بصري آمنت بالحسين وقصيدة الشاعر المندائي عبد الرزاق عبد الواحد قدمت وعفوك عن مقدمي، وسنتوقف عند شاعرين معاصرين تربطني بهما وشائج متينة وهما الشاعر العراقي المسيحي خالد المقدسي والشاعر العراقي الانباري عمر الحديثي لان القصيدتين غير منشورتين وهما من ارشيفي .

 

خالد المقدسي

وكان الشاعر المسيحي الكبير المغفور له الاستاذ خالد المقدسي قد اعتاد تحية الحسين في شهر محرم بالنثر وبالشعر، وحين يستكثر الجاهلون عليه ذلك يجيب المقدسي ان الحسين شخصية كونية بعامة وقد تربينا في العراق على تمثل قيم المبدأ عند الحسين، اما بالنسبة لي فقضية الحسين قضية شخصية لانني اعتد الحسين نموذجي الراقي الذي افخر به وازهو،إ. هـ . ففي واحدة من قصائد خالد المقدسي التي طلب اليَّ ان احتفظ بها ضمن ارشيفه المشرف وعنوان قصيدته (لك ياحسين) ورؤية المقدسي كمسيحي قريبة الوشيج من الرؤية الخاصة لأنصار الحسين، وفيها تعابير مستخلصة من التراث الاسلامي الصميم، ولو لم تعلم ان الشاعر خالد المقدسي مسيحي لتعذر عليك القول ان الشاعر لم يكن مسلما او شيعيا، ولكن ابداع خالد المقدسي الروحي التقى بقضية الحسين فبات التماهي لغة بين الشاعر والنموذج، رحم الله الشاعر الكلداني خالد المقدسي حين قال وأوفى :

أمن تذكُّر ركبانٍ بذي حَسَمِ أهال دمعي اسقاماً على سقمي

أم مضَّني قرحُ الأجفان حاق بها من وحشة النفس طاغوتٌ من الألم

في فتية آمنوا بالحق ليس له من فديةٍ تفتديه دون بذْلِ دم

أسباطِ بيتِ رسولِ الله محتدهم فخرُ البرايا وصرح العز والعِظَم

العيس تمضي بهم نشوى بحوزتها خباً الى كربلاء الكرب والشجم

فما لروحي قد ضاقت بها كبدي حرى تهيم على الأفلاك والسُدُم

وما لقلبي قد اودى به شجني وهو العصيُّ على الأشجان والغمم

يا إبن بنت رسول الله ما نضبت بي الفصاحة او عزت على قلمي

ولا تلكأ حرفٌ أنت مطلبُه ولا بذكركَ أكدى بالقريض فمي

لكنَّ هول مصاب الطَّف صيَّرني أكادُ من خرسٍ اغتصُّ بالكلم

هي الشهادةُ ياسبط الرسول فمٌ يشق للدهرِفجرَالحقِّ في الظلم

حرٌ يدوِّي على الأرضين يُسمعُها صوتَ العقيدة يُصْلِي الظلمَ بالحمم

نام الذين علت بالغدر رايتُهُم قِرارَ عينٍ وعينُ الله لم تنم

حتى اذا جدَّ وعدٌ حان موعدُه وأنَّ يومَ قصاصٍ ساعر الضرم

تناثرت في الفلا اشلاؤهم جيفاً كما تناثر عهن الشاة بالجلم

يا إبْنَ بنتِ رسولِ الله قد تركت بنا الرزايا عقابيلاً من السَّقم

مازال شعبُ عراق الخير في نكد وأرضه نهبة للطامع النَّهِم

وأهله بين مسحوقٍ ومرتحل وهائمٍ في أقاصي الأرضِ والتخم

وواصبٍ لانصيبٌ في الدواء له وساغبٍ من طواه غصَّ باللقم

ينوء ما بين سندانٍ ومطرقةٍ وصرْحِ قهْرٍ بغيرِ السَّوْطِ لم يدم

له حصاران عبر البحر مجتلب وآخر من نتاج الدار والرحم

متى متى يا ابا الأحرار يغمرنا فجرُ المروءات بالخيرات والنعم

وينجلي ليلُ حقدٍ لا قرارَ له فيكفر الناس بالطاغوت والصنم

 

اضاءات بقلم خالد المقدسي

1/ رحم الله شرف الدين الصنهاجي البوصيري حين قال في بردته:

أمن تذكر جيران بذي سلم مزجت دمعا جرى من مقلة بدم

وهضاب ذي حسم هي آخر محط للحسين ع قبل دخول كربلاء

2/ الشجم - الهلاك

3/ الغمم - جمع غمة وهي الحزن

4/ أغتصُ – أضيقُ، والطف - الموضع الذي استشهد فيه الحسين ع وذووه.

5/ العهن – الصوف، والجلم - مقص يقص به صوف الخراف .

الساغب – الجائع، والطوى - الجوع

خالد المقدسي

ديترويت امريكا كانون الثاني 2001

 

اضاءات وجيزة في قصيدة خالد المقدسي

1/ القصيدة اعتمدت فن المعارضة الذي يعتمد محاكاة الشاعر اللاحق للشاعر السابق في البحر والقافية وشيء من الغائية، وقصيدة البوصيري اشهر من قفا نبك كما يقال فعارضها شعراء مهمون معجبون كثيرون منهم الشاعر احمد شوقي في قصيدة مطلعها:

ريم على القاع بين البان والعلم أحلَّ سفكَ دمي في الأشهر الحرم،، ولعل آخر من عارض قصيدة البوصيري هو الشاعر خالد المقدسي المكنى ابو غادة، وفن المعارضة الذي استهوى جمهورا من الشعراء عريضاً فقد استهوى ايضا جمهوراً من القراء واسعا .

 

2/ / ايقاع القصيدة مقبوس من البحر البسيط :

امنتذك *كرركب *باننبذي *حسمي / أهالدم * عيأس* قامنعلى *سقمي

وللبسيط طاقة على البوح والمناجاة في ايقاع يشيب الحزن بحالة من الزهو، فإذا اضفنا اليه قافية الميم مكسورة او مشبعة، بما يقفل كل نغمات البيت بزم الشفتين اللينتين بما يسمح بتفشي صوت الحرف وهو صوت يكثف النغمات ويختزلها معا تعبيرا خفيا عن الرضا .

3/ تستثمر القصيدة مكنات سؤالات العارف التي تستفز المتلقي وتستحوذ على اصغائه ومن ثم تنهمر الدلالات وكأنها استجابة لسؤالات المتلقي قبل القصيدة والسؤالات اسلوب عربي يجمع بين الجمالي والدلالي مع قدرة على اجتراح الصور الفنية الحركية، والسؤالات دارت حول (أمن أم فما وما متى متى) .

4/ وبؤرة القصيدة تكمن في الشكوى الى الحسين الشهيد مما حاق بالعراقيين من حيف وظلم مصدراه الداخل والخارج على حد سواء .

 236-sayig

عمر الحديثي

http://www.al-nnas.com/ARTICLE/AalSaykh/28a.pdf

شاعر عراقي سليل اسرة دينية معروفة في الانبار معروف تعلقها بأهل البيت، وللشاعر الحديثي اسهامات شعرية تحاور نهضة الحسين ع وللمثال فقد قرأ الشاعر عمر الحديثي في عام 2010 بواشنطن قصيدة كان مطلعها :

أعرني صاحب الذكرى لسانا والهمني الفصاحة والبيانا

لعلّي استطيع بلوغ ومضٍ من النور الذي ملأ الزمانا

اقول به على ظمأٍ مقالاً بليغاً لايطال ولايدانى

وقد استولت على الاصغاء التام في احتفالية النصر الحسيني وكان عمر الحديثي قد اقام تلك الاحتفالية في القاعة الكبرى للمركز الثقافي العراقي بواشنطن، وكان المركز الثقافي قد وضع سيناريو للحفل يتمحور حول شخصيات لها دلالات متماهية مع جلل المناسبة تحدثت عن الحسين من منطلقاتها،وهم الأب فادي عبد الأحد كاهن كنيسة مار افرام للسريان الارثذوكس في فرجينيا والأستاذة زينب السويج رئيسة الكونكرس الاسلامي الامريكي والإمام الشيخ محمد علي الحلبي مدير المركز الاسلامي الامريكي في فلوريدا، وكانت قصيدة عمر الحديثي تبث المعاني الوطنية والروحانية والقيمية، واليوم الحادي عشر من نوفمبر 2013 ينجز الشاعر عمر الحديثي قصيدة جديدة في انتصار الحسين فرأيت من المناسب كتابة هامش على متنها:

1 / يا كربلاءُ ألا اشتدّي عنوان القصيدة المحيل على تناص تراثي معروف وهو ( إشتدي أزمة تنفرجي) والدلالة غير غائبة عن المتلقي فحين تشتد مفردات كربلاء فذلك يعني اشتداد مفردات العراق، وحين تنفرج تلك المفردات فذلك يعني بالقوة المنطقية انفراج ازمة الشعب العراقي الجريح بفعل طعنات تلقاها من اربع جهات، .

2/ واذا تركنا العنوان وفي نفسنا قول المزيد وجدنا قراءتنا للنص قبالة ثلاثة ايقاعات هي ايقاع البحر (البحر البسيط) وإيقاع القفل او الروي (لام مضمومة) وإيقاع الحروف (من المهموس الى المجهور ومن الشفاهي الى الرئوي) وهذه النغمات الجمالية تسعى الى ترحيل الصور الفنية باتجاه الخطرات الدلالية، واذا كانت القصيدة اللامية الحسينية قد اسست لشيء مغاير حقا فهو خلط دلالتي الزمني والمكاني ودلالتي الميلاد والشهادة وهي دلالة يعرفها فقهاء القضية الحسينية فإن القصيدة قد نضحت عبق تلك الدلالة الحسينية قارن :

وأن أدمُع خير الخلقِ من وَجَلٍ

في يومِ ميلادكَ الميمون تنهَملُ؟

3/ وما يهم الزاوية الوطنية الروحانية في طقوسية القصيدة هو توشيج العرى بين جنحي الاسلام وهما الجنح السني والجنح الشيعي، ومثل هذا النحو يعمق الوعي الوطني العراقي .

4/ وإن كنت انسى فلن انسى سؤالي للاستاذ الدكتور مالك الدليمي رئيس جامعة الكوفة وكالة وقد شاهدت ولده علي ابن الثلاث سنوات وقد طال شعر رأسه حتى لكأنه شعر بنت، قلت له دكتور مالك الا ترى الى شعر ولدك المحروس علي قد طال ازيد من المعتاد؟ فتأفف الدكتور مالك وقال اي والله انني منشغل جدا هذه الأيام،، فقلت له دع اخاك يأخذه الى الحلاق، فابتسم وقال هل تظن الحلاقة الاولى بهذه السهولة عندنا؟ فاستغربت وتساءلت عن الصعوبة في ذلك؟، فقال ان حلاقة الطفل الأولى (عندنا) تستوجب حمل الطفل الى قبر سيدنا العباس بن علي بن ابي طالب عليهما السلام، وتكون الحلاقة هناك لكي يتحصن الطفل ببركات سيدنا العباس، فقلت في نفسي كذلك نحن العراقيين ايها الطائفيون المتسخون، والحكاية الثانية التي اضعها على هامش قصيدة الشاعر عمر الحديثي هي إفطار الشاعر السيد سمير الصميدعي (وكان وقتها سفير العراق بواشنطن) إفطاره بين الجالية العراقية الكريمة في مشيغن وكان مدير الحفل وعريفه الاستاذ الاعلامي شريف الشامي وفجأة وخلال الحفل ودون استئذان وقف رجل اعشى وسأل الاستاذ الصميدعي (من هم عمومتك؟) ولعل السائل هدف الى اثارة عرق طائفي في سؤاله المستفز لأن الصميدعي من حديثة، فأصابني وجل من الموقف، وإذا بالأستاذ سمير الصميدعي يجيب السائل المستفز بتلقائية جميلة (انا من البيت الهاشمي صميدع اما عمومتي فهم أهل البيت) عندها تنفسنا نحن الحضور الصعداء، إن المسافة بين كربلاء النجف والأنبار هي ذات المسافة بين فلذة الكبد والكبد الم يأتك نبأ الشاعر فارس حرام ممثل مثقفي النجف والدكتور عادل العبيدي ممثل مثقفي الأنبار والوفدين الكبيرين المرافقين لكل منهما وكيف التقيا وسط الأتون الطائفي وكانت دموع الفرح باللقاء لغة الوطنية العراقية،، قارن:

http://www.altahreernews.com/inp/view.asp?ID=11557

ومن يبحث عن الأمثلة فهي عصية على الحصر، .

قضية الحسين قضية كونية ومن خطل الرأي التوهم بأن قضية الحسين شيعية، لأن مثل هذا الرأي يسيء الى الحسين قبل اي شيء،، وكما مر بنا فغاندي زعيم الهند التاريخي تحدث عنها، والشاعران العراقيان اليهوديان: مير بصري كتب (آمنت بالحسين) وانوار شاؤول كتب (إنه الحسين) والشاعر المندائي عبد الرزاق عبد الواحد كتب في الحسين (قدمت وعفوك من مقدمي) والشاعر العلماني محمد مهدي الجواهري كتب في الحسين (فداء لمثواك من مضجع)، وما وجه الغرابة في ذلك؟،، أذن نحن قبالة الشاعر عمر محمد سعيد الحديثي وقصيدة ياكربلاء الا اشتدي ففيها قراءات شتى دلالية وجمالية:

 

ياكربلاء الا اشتدي

 شعر عمر محمد سعيد الحديثي

حسبي من الشوقِ ما فاضت به المقلُ ومن لظى العشقِ هذا النازفُ الهَطِلُ

ومن معاني العُلا فَخرُ الجنانِ وقد فازَتْ بسيّدِ شُبانٍ لها انتُحِلوا

تمتازُ أنّ لها دونَ الوجودِ فتىً في جَهلنا، بعضُ من ماتوا ومن قُتلوا

ومن عصورٍ تلَت ذاك المقام إضاءاتٌ، لهن ظلام الكون يمتثلُ

ومن معاني الرجولات التي اختُزِلتْ بهِ، إذا قيلَ ذا فَحلٌ، وذا بَطَلُ

وذا همامٌ، وذا شهمٌ، وذا علَمٌ، وذا عَليمٌ، له الألباب لا تَصلُ

يابنَ السماءِ التي لم تٓخبُ أنجمها والنورُ لمّا يزَلْ في الآلِ ينتَقِلُ

والمملكاتُ التي من دونهِ بزَغتْ قد قُطِّعتْ وهو حتى الآن يتّصلُ

يابن العليّ الذي لم يبغِ منزِلةً إلّا تمنّت إلى أبوابهِ تَصِلُ

يا سبطَ سيدِ ساداتِ الخليقة يامجداً بأفئدة الأكوان يَعتَملُ

يابنَ البَتولِ، وهذا ما بحضرتهِ يُعيي التعابيرَ فيَّ العجزُ والخَجَلُ

يا كربلاءُ ألا اشتدّي ففيكِ فتىً ثقلُ الوجود زهى أنْ فيهِ يُختزَلُ

لو عادلوكِ وكُلُّ الأرضِ كفَّتُهُم أمال معيارَها، السبطُ البها كَفِلُ

هذا الُحُسينُ، دمُ الثّوار مُذ خُلِقت في ستِّ أيامها الأكوان يكتملُ

حتى إذا يومُ عاشوراء أدركها تفجّرت حِمماً لا أرضَ تَحتَمِلُ

أنبا بأنَّ مواعيدَ العُلا أزِفَتْ لا يعتري يومها وهنٌ ولا وَجَلُ

لِمْ لا وقد كُتِبَت في اللوح - يا سنَدي أن المعاليَ أنّى رُحتَ تَنتَقِلُ؟

وأن أدمُع خير الخلقِ من وَجَلٍ في يومِ ميلادكَ الميمون تنهَملُ؟

أعجزتني، لُغَتي يا سَيّدي تعِبَت ترقى إليكَ، وتقضي العُمر تَرتَحِلُ

لكنَّ حُبّكَ بي .. مستمكنٌ بدمي ونورُ وحيكَ لي يبقى هو الأمَلُ ..

عمر محمد سعيد الحديثي

 

11/11/ 2013 مشيغن

كاتب المقال عبد الاله الصائغ

السابع عشر من نوفمبر 2013 النجف مشيغن

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2631 المصادف: 2013-11-18 01:39:21