المثقف - قراءات نقدية

قراءة اولية في لوحات الفنان التشكيلي سردار محمد سعيد

mayada aboshanab2حين يقع الفنّان تحت أسر صورة وجودية أو إحساس جامح، تتسارع دقّات قلبه .. يثور شاهراً فرشاته ليحرّر أنفاسه اللاهثة بنقل تأجّج انفعاله إلى الألوان والظلال .. تتآمر معه على حصار الصورة في إطار اللوحة .. فينجو منها ليقع في أسر صورة أخرى أشدّ سطواً...

بعبارة أخرى: كل لوحة تشكيليّة تجسّد تجربة حسيّة ذاتية، يترجمها المبدع إلى تجربة تعبيرية فنية تخضع لمقاييسه الجمالية والمعرفية الخاصة .. المستقاة من التراكم المعرفي ووعيه للبيئة والكون كله وتفاعله معهما.

عبر عمليّة التشكيل خاض الفنان سردار محمد سعيد تجربة استكشافية للّون، الشكل، الخط والاتجاه تبعاً لطبيعة الموضوع الفنّي ألتي حددّت لريشته همزة الوصل بينهم تبعاً للأسلوب الفنّي: واقعي، سريالي أو تجريدي،  الذي أتخذه كجسر عبور إلى أفضل نتيجة تعبيرية مكلّلة بعنصر الدهشة، تماماً كولادة نص أدبي شعراً كان أم نثراً.

تأمّل لوحات الفنان سردار محمد سعيد يُنتج قراءة قصص  لخلجات نفوس نساء واقعيات أو خياليات .. بسيطات يتنفسن في الظّل (ضوء خافت وألوان باردة وداكنة) .. أو نساء من مشاهير التاريخ والأساطير أسماؤهن تقترن بالجرأة والتحدّي (ضوء ساطع وألوان فاتحة وساخنة) ...

ففي منجزه الإبداعي يسعى جاهداً لاكتشاف عالم الأنثى .. الظاهر منه والباطن، إعلاء لقيمتها الإنسانية والإجتماعية. ويتعمّد عدم تحديد ملامح الوجه ليقول لنا: المرأة هي المرأة في كافة أرجاء الأرض .. بلواعجها وهواجسها.

عدم تحديد ملامح الوجه أو تصوير بعض الشخصيّات من الخلف، يثير الإدراك الحسّي للمشاهد ليشاركه عملية الإبداع .. دون مقاومة ينجرف المشاهد لإتمام الجهة الأخرى من الشخصية، ملامح الوجه التعبيرية، مستعيناً بوضعيّة الشخصيّة ولغة الجسد والزمان والمكان، وربما يقوده الفضول إلى التعمّق أكثر والإصغاء لثرثرة القلوب القابعة في تلك الاجساد.

كما أنّ التقاط الصور للشخصيات بعيداً عن صخب الحياة وضجيج الواقع .. في لحظات الوحدة .. لحظات الصمت والتفكّر والتأمل والإنتظار، يدعو المتلقي إلى خوض تجربة الصمت .. وفي لحظة الصمت تتزاحم الأفكار في الذهن.

منح الدلالات للمكان والزمان وحجم الشخصية والمساحة التي تشغلها في اللوحة يُفضي إلى التعريف بالشخصيّة، إلا أن بعض الشخصيات تحضن غموضاً يحرّك فضول المتلقي.

فرح الفنان بالانتصار على التجربة يتجلّى بالتوزيع المتوازن للضوء والظّل .. للألوان الفاتحة والغامقة .. الساخنة والباردة واختيار المكان والوضعيّة الصحيحة للشخصيات .. مما يبعث الراحة والسكينة للمشاهد ويشجّعه على التوغّل في قراءة لغة الجسد في كل لوحة ..

 

فيما يلي محاولة استنطاق بعض اللوحات:

غفوة: لوحة واقعيّة تصوّر امرأة غافية بوضعيّة أنثويّة بعد عناء يوم طويل. السكون والظلمة يخيّمان على المكان. الالوان الباردة والداكنة للجدار تشي بالبساطة الشديدة.

التوازن في اللوحة تحقّق بوجود الجسد متكوّراً في مركز اللوحة، وعلى الجدار إطاران يرجّحان الكفتين ... إطار تعتريه الرتوش .. حلم صعب المنال، وإطار (نافذة مشرّعة على الواقع) تطلّ منه الحقيقة الواضحة كون القمر يصرّ على الظهور رغم ظلمة الليل الحالكة.

 

شهرزاد: لوحة سرياليّة لملكة الحكايات .. رمز الجرأة والتحدّي .. عينان واسعتان لا يعرف الكرى طريقاً إليهما .. الشَعر المتناثر تماهياً مع عقل يقلّب صفحات الليل بحثاً عن حيلة للإنعتاق من موت يتربّص خلف وجه الفجر .. الموت الحاضر على شكل أفعى طويلة تدنو أكثر وأكثر من جيدها .. لكن الأمل بالخلاص يضوع من الزهرة الكبيرة.

نسيج متناغم من التقنيّات الفنيّة مثل استخدام الألوان المائيّة الشفافة، التنقيط والكتابة. فالكتابة باللغة العربيّة فنّ ينسجم مع الفنون التشكيليّة كونه يعتمد على نفس العناصر الجماليّة: الخط، النقطة والدائرة. إن كتابة أبيات من قصيدة "دع عنك لومي – أبو نواس" وغيرها من الأشعار، بخط الثلث والخط المغربي تُهدي المشاهد المزيد من المعلومات عن مضمون اللوحة .. المزيد من نشوة الفوز بالمعنى.  

 

تآلف: في مواجهة هذه اللوحة السرياليّة نصطدم أولاً بوجه أنثوي خال من الملامح (ليشمل عدة مفردات مؤنثة) ويحدّه شعر ينسدل كشلال يضجّ بالحياة ويختلط بريش الطائر الذي ينشد الأمان.

الأنوثة هي البشرية والإنسانية التي تتآلف مع الطبيعة والألوهيّة .. التآلف نقرأه بقرب الجسدين أو حتى التحامهما معاً.

فكان اختيار تقنيّة الخطوط القصيرة بقلم الحبر اختياراً موفقاً إذ عزّز رمزية التآلف. فجاءت الخطوط المتراصّة تعبيراً عن الظل .. والخطوط المتفرّقة تعبيراً عن الضوء.

 

تشتّت: لوحة تجريديّة تنسجم مع خطوط قلم الحبر المتلاطمة .. هي وليدة تجربة وقف بها الفنّان عند مفترق من الحيرة بين خيارات صعبة. وأثناء تجسيد المعاناة تحوّل الشعور من الخاص إلى العام .. من التشتت العابث بوجدان الفنّان إلى قلقه من تشتّت الشعوب، ضحايا الحروب والفتنة، ونطّلع على فداحة القلق كون القطع المتناثرة تحتّل الحيّز الأكبر من اللوحة.

لأول وهلة تبدو القطع المتناثرة ورقيّة لكنها تحمل بين طياتها ظلّاً ثقيلاً ينمّ عن ابتعادهاعن الأصل مُرْغمة .. وكأنّ الأصل، الذي يحتلّ الجزء الأعلى من اللوحة، لأنه الأهم، يملك جاذبيّة (الأنتماء والوطنيّة) لكنّ إعصار التشتّت أكثر جبروتاً، يقذف بها إلى المنفى المجهول (الجزء الأسفل من اللوحة والأكثر سوادا).

 

شموع شكر وامتنان نضيئها للفنان المبدع سردار محمد سعيد لإمتاعنا بهذه اللوحات التي تحمل بين طياتها عصارة تجربته التشكيليّة التي تحمّل وزرها وحده وشاركنا بلحظات النشوة.

ونتمنى له المزيد من التألق والإبداع

 

للاطلاع على معرض الفنان التشكيلي سردار محمد سعيد

http://almothaqaf.com/index.php/galleries/81175.html

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (16)

This comment was minimized by the moderator on the site

لفتة نقدية رائعة جسدتها انامل الاستاذة الاديبة الفاضلة ميادة ابو شنب، حيث راحت تحلق في معالم لوحات الفنان التشكيلي سردار محمد سعيد، لتكتشف لنا خفايا الريشة الفنية، وما جسدته من حقائق وتعبيرية تثير مشاعرنا ووعينا لمراجعة حزمة مفاهيم ظلت راقدة تغريها الحقيقة.
ريشة الفنان ادة تعبيريه تعادل نصا كاملا وتزيد عليه من خلال لغة الضوء واللون، وهي نقطة الافتراق. وفي معرضه الفني ابدع الاخ الاستاذ سردادر محمد سعيد بتجسيد عوالم ربما كانت خافية، ايقظتها ريشة الفنان، بدقة وآناة.
تحية للاستاذة الاديبة ميادة التي لا تبخل علينا بابداعاتها رغم مشاغلها الكثيرة، وانشغالاتها المتواصلة. وتحية للمبدع الاستاذ سردار محمد سعيد
ماجد

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذي الفاضل الباحث القدير ماجد الغرباوي
هل تسمح لي أن أعبّر عن فخري واعتزازي... شكري وامتناني ... فرحتي ونشوتي بلغة حروفها الأبجدية تتعدّى المئة حرف؟ ... لقد ضاقت أبجديتي أمام سعة آفاقك ورقي ذائقتك...
أقدّر عالياً متابعتك وارشادك وأشكرك بعدد حروف مفرداتك النديّة
محبتي وتقديري

ميّادة ابو شنب
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي المبدعة الشاعرة ميادة وأكثر من هذا الإنسانة الطيبة لإلتفاتتها النقدية العميقة هذه
وتحياتي للأستاذ الباحث الجليل والصديق ماجد الغرباوي الذي لا يتوانى عن المتابعة الأنيقة
أنا شاكر فضلك وثناءك ونقدك الذي أكون جاحدا ً لو لم أسميه نقدا ًمفعما ً بالحيوية الفنية المقتدرة .
وعلي أن أقول أكثر لولا أنني مشغول بكتابة نص عن شعر ميادة وأخشى او أضفت من صيغ الضعفاء على أن هذا رد جميل لجميل والحق أنه جاء صدفة لا أكثر
وعلي أن أقول أن صفاء هذا النقد فضلا ً عن لغته الشاعرية أذهلني بسبب الفكر الفلسفي الذي هو غير خاف على الألباب.
ولقد استفدت منه لأكون أكثر حرصا ً في تناغم الأبعاد والحجوم والنقطة والخط وصلتهما الجدلية بالموضوع .
ألف تحية لقلم جميل جليل لا حرمنا منه ولروح وضاءة وثابة .
شكري لك ِ ، شكرعييت عن وصف له يناسب المقال
دمت ِ للمثقف والثقافة والنقاء وتقديري الأكبر

سردار محمد سعيد
This comment was minimized by the moderator on the site

الفنان والأديب الرائع سردار محمد سعيد
الشكر وكل الشكر لفنّك الخاشع عند عرش الجمال... هبّ كنسمة ربيعية شاكست سحائب رهام معتّق ترفّع عن لذّة السقوط وفاء للفردوس المنتظر...
الصمت الصامد في لوحاتك أثار قلمي حدّ الثرثرة... حتى أنه تمرّد على النقطة ... وهذه خلاصة حواره مع فرشاتك الماهرة...
شرف كبير لنصوصي المثول بين يدي مبدع يغرس النبض في الألوان والحروف ... وصدفة سعيدة بتزامن رحلتي الاستكشاف.
كل الود والتقدير

ميّادة ابو شنب
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعرة والناقدة القديرة الاستاذة ميادة ابو شنب
لقد جعلتني قريبا من لوحات الاستاذ سردار بشكل اكثر وضوحا ولونت انطباعاتي ببريق تحليلك الأخاذ فألف الف شكر

سلام كاظم فرج
This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذي العزيز الأديب سلام كاظم فرج
هذا ما أتلقفه من فضاء انسانيتك وإبداعك اللامحدود... فشكراً لكلماتك النابضة محبّة تساند خطواتي الأولى.
محبتي وتقديري

ميّادة ابو شنب
This comment was minimized by the moderator on the site

المبدعة الفنانة ميادة أبوشنب
قراءتك للوحت الفنان سردار محمد سردار رائعة جذبتني إلى اللوحات الجميلة....اطلعت عليها على الرابط المرفق
شكرا جزيلا أنت فنانة حقا
تحياتي

فاطمة الزهراء بولعراس
This comment was minimized by the moderator on the site

أختي الغالية الأديبة القديرة فاطمة الزهراء بولعراس
قصصك الواقعية تتشكّل أمامي كلوحات واقعية ... فأنت فنانة مقتدرة في مدرسة الحياة.
زنبقة بيضاء لنقاء قلبك
محبتي وتقديري

ميّادة ابو شنب
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعرة القديرة ، والناقدة البصيرة الأستاذة ميادة أبو شنب المحترمة
السلام عليكم والرحمة مع باقات من الورد الزكية
ميادةٌ أوصلت تصويرها الصورا
وعاش سردارُ يهدي رسمهُ القمرا
ونحن تبهرنا الرؤيا وأخيلةٌ
وريشةٌ (تألفُ) (الغفوات) والسهرا
تحليل رائع بعينٍ بصيرة متأملة ، ورؤية طموحة ثاقبة ، مرحى للأستاذة الميادة ، ومبروك للأستاذ الفنان الشاعر سردار محمد سعيد

كريم مرزة الاسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الكريم الشاعر الشاعر كريم مرزة الأسدي
الميادة تصغي بانبهار لأنغام جدولك الشعري الرقراق ...
لا أجيد العزف على الأوتار لأرد بما يليق بلحنك السامق
أهدي حروفك المضيئة قطرات من ندى الياسمين
الشكر الجزيل لمتابعتك وتشجيعك الذي يعني لي الكثير

ميّادة ابو شنب
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديبة القديرة ميادة ابو شنب المحترمة


تحليلك رائع وجميل
واللغة التي تكتبين بها سلسلة ورائعة
فأنت المبدعة دوما
تحياتي وتقديري لك

عامر هادي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الكريم الشاعر القدير عامر هادي
لأن حرفك ينهل من ينابيع الجمال تتوالد منه أرق المفردات
ممتنة لمتابعتك وأعتزّ برأيك
ودي وتقديري

ميّادة ابو شنب
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعرة القديرة ميادة ابو شنب
تحليل رائع من شاعرة وناقدة
للفن التشكيلي وباسلوب ولغة سلسة تتم بواسطتها
ايصال الفكرة الى ذهن القاريء بسهولة ويسر
دمت مبدعة
مودتي وتقديري

سالم الياس مدالو
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الناطق بلسان الطبيعة سالم الياس مدالو
إطلالتك أضافت مسرّة وبهجة.
أشكر بهاء روحك على رونق الحضور.
مودتي وتقديري

ميّادة ابو شنب
This comment was minimized by the moderator on the site

نص فني عذب ورقيق مثل كاتبته، يأخد القارئ حتى النهاية .. وهذا طبعا من اختصاص الشاعرة التي تحلق بالقراء نحو عوالم سحرية ومجازية، شكرا على مجهودك سيدة ميادة

حمودة إسماعيلي
This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب القدير حمودة إسماعيلي
تقييمك السخي وسام مرصّع بمفرداتك النابعة من القلب، على تجربتي الغريرة، أعتزّ به جداً.
أشكرك على الحضور الشفيف
مودتي وتقديري

ميّادة ابو شنب
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2634 المصادف: 2013-11-21 05:18:45