المثقف - قراءات نقدية

تطاول على المقدس أم توظيف فني للتراث؟ .. سعدي يوسف في قصيدته الجديدة أنموذجاً

karim najiلا أنكر مكانة الشاعر سعدي يوسف في الأدب العربي الحديث، فهو شاعر جيد له بصمته الواضحة وله أسلوبه وطرائقه، وله محاولاته التجريبية الممتعة، وألاعيبه الفنية المدهشة ولاسيما في المراحل السابقة، وله محاولاته الجريئة التي يقتحم فيها مجاهل وزوايا وميادين قد يتردد الآخرون قبل التفكير بالتوغل فيها.

بعد هذه المقدمة التي أردناها مدخلاً هادئاً إلى موضوع ساخن، نعود إلى مسألتين مهمتين في الموضوع (التجريب، والمقدس) ومساحة الحرية وحدودها في التعامل معهما. فالتجريب من الأمور المحمودة في الأدب، وبخاصة عندما يؤدي إلى نتائج لا تخلو من جِدّة وإبداع وإدهاش .. والتجريب جميل عندما يقوم به أديب بارع يمتلك أدواته ويمتلك معرفة وافية بالأسس والأصول الرصينة المتعارف عليها في الفن الذي ينوي التجريب فيه .. ويكون أكثر جمالاً وأهميةً وفائدةً عندما يتجه المبدع نحو البنى والتقنيات والجوانب الفنية لأنها الحقل الذي تتجلى فيه مهارات الأديب المجدد المبدع، وهذا لا يعني أن التجريب غير موجود أو غير مرغوب فيه إذا اتجه صوب الجوانب الموضوعية، أو أنه سيكون عديم الجدوى والفائدة في الأفكار والمضامين.

أما المقدسات فهي متعددة نسبية تختلف وتتنوع من مجتمع إلى آخر، وتتفاوت درجات أهميتها بحسب سعة انتشارها بين الناس وبحسب تسلسها في سلم مقدساتهم، وتأتي الرموز الدينية والقيم الأخلاقية في مقدمة المقدسات عند الأمم. فالنبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- يتربع على قمة هرم المقدسات عند العرب والمسلمين جميعاً، على اختلاف بلدانهم وطوائفهم واتجاهاتهم... وهم يمثلون عدداً كبيراً من المجتمع الإنساني. وهو أيضاً رمز ديني وقومي وأخلاقي، فهو النبي المرسل، وهو أبو الأمة ومؤسس كيانها السياسي والحضاري بعد أن كانت قبائل متفرقة، وهذا يكفي للقول بأن الرسول الكريم خارج حدود المساحات الحرة التي يمارس فيها الأديب لعبته الفنية، وتوظيف التراث، والتناصّ، والمشاكسات الأسلوبية والمضمونية...

يتضح من هذا أنني مع وجهة النظر التي لا تقيد الأديب بالدين والأخلاق ولا تقيس جودة نتاجه على وفق ذلك، ولا نريده أن يكون ناسكاً أو واعظاً، ولكن لابد من حدود لكل شيء، ولابد من مستوى من الالتزام ومراعاة مشاعر الآخرين الذين تربطه بهم صلات أخرى غير هذا الرمز المقدس الذي لا يقدسه الشاعر. وأود أن أقول بوضوح أكثر بأن الأديب – وإنْ سلّمنا بحرياته الشخصية- إلا أنه مطالب بمراعاة الأمة والتاريخ والبلدان وهي أمور لا يستطيع نكران انتسابه إليها، ووجود صلات وروابط متعددة معها.

من الواضح أن الموضوع له جوانب متعددة، ومداخل مختلفة، تتفاوت بحسب الزاوية التي ينظر منها الكاتب إلى الشاعر وإلى قصيدته الأخيرة التي نشرها بتاريخ (16/ 11/ 2013)، وليس من المناسب الإحاطة به من جميع جوانبه في مقال واحد، لا بد أن أتوقع وجود آخرين يكتبون الآن في الموضوع نفسه، ولذلك جعلت اهتمامي ينصب على ما تقدم وما ذكرته وجهة نظر قابلة للقبول أو الرد، فالحرية لا تعني الانفلات التام، وعدم التزام شخص برمز يقدسه السواد الأعظم من قومه لا يبيح له التجاوز عليه. عدم تقديسك لهذا الرمز شيء والتطاول عليه شيء آخر، فالأول يخصك أما الآخر فهو مشترك بينك وبين الآخرين، وعليك أن تحترمهم، ولا تنسَ القسم الذي يحبك منهم في أقل تقدير، ولا تنسَ أيضاً بأن عدداً غير قليل من عمالقة الأدب العالمي يراعون القيم الأخلاقية. هذه وجهة نظري التي يشاركني فيها عدد غير قليل من محبي الأدب، لا أتعصب ولا أتهجم على أحد، ولكني لست معه، وأراه ليس مضطراً على ما أقدم عليه، وأنه لم يوفق في اتجاهه.

أما الدوافع والأسباب المحتملة فهي جانب مهم أتركه للقاريء الكريم. ولكن ثمة أسئلة تدور في ذهني وفي ذهن غيري عن تلك الدوافع. أَهي فنية أم فكرية؟ هل يبحث عن إثارة واهتمام؟ أيكون السبب الإفلاس والتراجع الفني، أي أنه لم يعد قادراً على إثارتنا فنياً بجديد يقدمه فلجأ إلى قضايا مثيرة بذاتها؟ فمن الواضح بأن الإثارة هنا ليست بسبب مهارات تجلت داخل النص  بل هو خارج النص، أي في الشخصية الموضوع. هل يبحث الشاعر عن معجبين في بقاع بعيدة؟ هل نلمح تقارباً في الثيمة التي تمحور حولها نصه مع القضايا التي يركز عليها الملحدون والكتابات الغربية المسيئة للرسول؟

وفي الختام نتساءل؛ هل كان لفقدان الهوية والسياسة المتعثرة والنظام العربي في هذا الزمن الرديء  أثر مباشر أو غير مباشر على الشاعر؟ أقول هذا وفي في ذهني صور بعض الزعماء العرب عندما حاولوا الحصول على نفوذ إقليمي أو دولي عبر التقرب إلى أعداء الأمة أو مجاملة الذين يوجهون الإساءات المتلاحقة إلى رموزنا وتراثنا. فهل أصبح أولئك الساسة قدوة سيئة انعكست آثارها على الأدب والفن.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2635 المصادف: 2013-11-22 01:05:53