المثقف - قراءات نقدية

"وَردٌ وحَسَكٌ" للشاعر بدر العمراني في إحياء الشعر العمودي

mohamadsaed samadiيكاد يجمع النقاد والمهتمون، في زحمة العولمة والرقمنة، على نضوب ماء الشعر ـ إبداعا وتلقيا ونقدا ـ إلا ما ندر ممن سكنته مرارة التجربة والمعاناة، وحرقة الكلمة البيلغة والصور الشعرية الجميلة التي يُطل بها بعض الرواد والرائدات، من حين لآخر، استذكارا بالزمن الذهبي للشعر وإحياءً لجمال القول الشعري وطرب إيقاعه وموسقة بحوره. ويكاد أيضا يعيش الشعر العمودي غربة أخرى في غمرة فيوضات شعر التفعيلة/ الشعرالمتفلت بتعبير عدنان علي رضا النحوي، منذ أواسط القرن العشرين الميلادي، إلى حينه وعلى امتداد المشرق والمغرب. يقول عدنان النحوي: "والشعر العربي الأصيل الملتزم بالوزن والقافية يحتاج حقا إلى الموهبة الصادقة التي يضعها الله فيمن يشاء من عباده، وإلى إتقان اللغة العربية الفصحى، أسلوبا وبيانا وقواعد، وإلى زاد كريم من الثروة الغنية للغة العربية. ولقد أصبح هؤلاء قلة في واقعنا، ينقصون مع الأيام  ولا يزدادون، وأخذ التفلُّتُ من ضوابط اللغة العربية الفصحى يزداد في النثر والشعر..."(1)

وحينما يقع إلى يديك ديوان من الشعر العمودي يغمرك إحساس خاص وحميمية تجذبك جذبا إلى اقتحام عالمه بسرعة ورغبة نادرة قد تخفت عند حضور نصوص إبداعية أخرى. وخاصة إذا كان هذا الديوان باقةً من فرائد القول الجميل وُنتفا من القيم الأصيلة المندثرة والأغراض الشعرية المعتبرة في ميزان النقد وتذوق التجربة وفن القول...

وفي مساق هذا الظرف الإبداعي المؤرق يُطل الشاعر الشاب الدكتور بدر العمراني بباكورة أعماله الشعرية، ديوانٍ وسمه ب "ورد وحسك" ضمَّنه أزيد من ثلاثين قصيدة متوسطات الطول، ولعل " الوردَ" إيحاء لمعاني وقيم الجمال والسعادة، فيما اختار" الحَسَكَ" للمكون الثاني لعنوان الديوان، وهو نبات ذو ثمرة خشِنة تتعلَّق بأَصوافِ الغنَم وأَوبار الإِبل، إيحاءً منه لمعاني التهمم و المعاناة و قهر الزمان التي يمر بها كل إنسان وهو يشق طريقه في مراحل شبابه...   

يتميز الديوان بثلاثة نصوص مقدماتية مهدت القارئ للدخول في عتبة النص الشعري، التقديم الأول لأستاذنا الأديب البحاثة الشيخ حسن الوراكلي أمد الله في عمره، ومن خلاصاته وهو يقيم قراءته لمسودة الديوان قبل طبعه قوله:" ويكفي أن نشير هنا إلى ما ينتظم الموضوعات المذكورة من قيم مجردة، ذات أبعاد إيمانية واجتماعية وعلمية، تنم عن وعي بدر برسالة الشعر في توصيل القول الباني، المتضمن رسالة الاستواء والاستقامة، وغرس خلال مكارم الأخلاق ومحاسنها."(2)

أما التصدير الثاني فلرفيق الشاعر وخِله الأستاذ الأديب الشاعر قطب الريسوني، الذي أبى إلا أن يدبج هذه الباكورة بمقولة نقدية في حق تجربة صديقه بدر، لعله يكون بدرا ـ إن شاء الله ـ متألقا في النادي الأدبي بين رواد الشعر العربي المعاصر. ونجتزئ من تصديره الشاعري الندي قوله:"ولم يخفَ على صاحب(ورد وحسك) أن لكل بداية معاثرَ؛ بَيْدَ أنه آثَرَ التوثيق لتجربة إبداعية لاهثة تتلمس لنفسها في عالم النور متنفسا ومَفيضا، فوضع اللبنة الأولى في صرحه الشعري، وزفَّها إلى دنيا القراء غضة طرية، وليس هذا من عجلة التسَّوُّر ولجاجة الإقدام ؛ وإنما جرأةٌ محمودةٌ ينبغي أن يتحلى بها كل شاعر حريص على أن تصبح كلماته أغنيةً في فم الوتر، أو عبيرا  من ثغر الزهور"(3).

ويستهل بدر باقة ديوانه بمقدمة يؤنس فيها قارءَه بسياق النظم وهواجسه التي سكنته منذ يفاعة العمر، وهو يردِّدُ:

      " هو الأدبُ الغضُّ الجنيُّ أتَتْ به   //    قريحةُ فكرٍ واقدٍ غيرِ خامدِ "

وحينما تشرع في قراءة الديوان تنفُذ إلى سبر أغوار شخصية الشاعر المخبوءة وراء الصدر والعجُز، فتجد في ثنايا قصائده: الإخوانياتِ، ومدحَ الشيوخ وذوي الفضل، دون إغفال الخلان كقطب وعدنان، ومآسي أمته ومعاناتها، والإيمانيات، والنقديات، وبعض الخصوصيات التي عايشها في زمن الطلب والتلقي...

ونقتطف، في هذه الإلماحة، قبسا من شعره يبكي فيه راهن أمته والتشظي الذي تعيشه، والارتهان في حمى الولايات المتحدة الأمريكية التي صورها كأنثى حسناء ماكرة وهي  تراود هجنة فحولة العرب  :" .....

في مجلسِ جمع الأوزاعِ من عرب  لا شكْل يـأْلَفُهم، في شأنهم عَجَبُ

وقد سرى ظَرِبان بينهم سَـــَربا   يُلقي لِقاحاً براهُ الخُلفُ والشجَبُ

يا ويحهمْ كيف أمُّوا للهوى نسقا   في ظل أنثى بنهج ما له نسب

أمريكةٌ دُعيت في كل معضلة    كالربِّ يُقضى لديه الأمر والأربُ

أنثى تُراد وتُرجى في البلا رَغَبا   أمرٌ عُجاب يـُثار حوله الصَّخب

أوْ ما دروا أنها أفعى وإن سفرت  في حُسنها سَرَفٌ يخفى وما حَسِبوا

( إن الأفاعي وإن لانت ملامسها  عند التقَّلُّب في أنْيابها العَطَبُ)(4)

 وفي رياض فن النبويات أزهر الديوان قصيدة بعنوان"حب الرسول صلى الله عليه وسلم إيمان، قال في مطلعها:

  رســولَ الله يـــا رمزَ الســلام   ونور هدى لديجور الظلام

  لـكم فـي القلب حبٌّ سرمــدي   سرى بالروح سبحا في هيام

  يراسلكم عواطـف من شغــاف   ولاءً بــل وفـــاءً للـذمـــام

  فحبكـم من الرحــمن فـــرض    ولا إيمــان معْ بُغض زؤام (5)

وفي وصف غواية الصيف الفتان في مدينة عارية على  ضفاف مجمع البحرين/ طنجة الساحرة بكل مفاتنها، يطل عليها فصل الحر، فتستفز الشاعر فيخاطب الزمنَ البريء المُسخَّر للبرية،  ليردَّ عليه متجهما :

لستُ بالغاوي، أو بيمِّ الهوى أر  مي شباكي؛ بل عبد ربِّ  الجلال

اصطفاني واختار لي الدور غصبا   بين أدوار الدهر دون انتقال

لا تجادل واصمت وكن جد واع   ل :"أنا الدهر" دونما تَعْــدال

فإلاهي راض الأناسي طريقا   الخير والشر لاختيار المآل  (6)

وحينما استفزه معروف الرصافي بكتابه"الحقيقة المحمدية أو حل اللغز المقدس" ثارت ثائرة التجربة الشعرية في كيان الشاعر؛ وانفرط عقد الحروف مولولة صارخة:....

هاذي سُموم رصافي الأصْل نِقْمـَتُهُ  تُعدي الصحيحَ وتُضوي من يُحاديها

تــــبًّا لـــه من حــــقير بِتُّ ألــْـعـنه   لعنا به النفس تزكو فـــــي تماديــها

رباه ذي نفثةُ الإيمان قد زفـرت   من غـَـيْرة سُجِرَت تُذكي أعاديـــها

أرجو لها بـدلا يوم التناد ثـوا   بًا يَــنتهي برضًا يُنـــسِي تناديـها(7)

 وهكذا تتنوع قصائد "ورد وحسك" بين قصائد محبكة ومقطعات قصيرة أوحتها  لحظات  المعيشي واليومي أو مناسبات التكريم أو مجالس الفكر والأدب أو الترويح .. والأمل موصول أن يكون الديوان فاتحة الصفحة الأولى من ديوان القول الجميل لما يُستقبل من أعمال الشاعر .

 

تقديم وقراءة: د. محمد سعيد صمدي

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين/طنجة

 .....................

الهوامش:

1. الشعر المُتَفَلِّت من التفعيلة إلى النثر:8/ مطبعة النجاح الجديدة/الدار البيضاء/ط2/2001.

2. ورد وحسك: 8 / مطبعة تطوان/تطوان/ط1/2013.

3. نفسه: 12.

4. بيت لعنترة بن شداد، والمقطع من قصيدة بعنوان ما بال قومي/ الديوان: 25

5. الديوان:69

6. الديوان:67

7. الديوان:74

  

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

حكمة

inasse
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2636 المصادف: 2013-11-23 12:35:42