المثقف - قراءات نقدية

مكون الشخصية في رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس (4): بناء الشخصية الروائية

alhasan alkyriفي الواقع، يختلف الروائيون في ما يتعلق بمسألة بناء أو رسم شخصياتهم/ Les personnages؛ فمنهم من يعبر عن عواطفها وجل أفكارها وميولاتها مع تحليل تصرفاتها. ومن ثمة فإنه يوظف نفسه مسؤولا عن عامليتها ووظائفها في كل حركة. في حين نجد بعض الروائيين يعطي الحرية المطلقة لشخصياته لكي تعبر عن نفسها من خلال وظائفها داخل المتن الحكائي. إن الروائي بهذا الوصف كالرسام يحتاج إلى المهارة الفائقة في تعامله مع الألوان واللوحة. وذلك لكي يشرك معه القارئ المتوهم ويقنعه من جهة أخرى بنقل الشخصية الروائية من الواقع الحقيقي الكائن إلى ما هو ممكن ومتوهم. ومن الفضاءات المحدودة بالزمان والمكان إلى فضاءات رحبة، شاعرية في مجملها. وهكذا فإن مسألة اختيار الشخصية ليست بالأمر الهين، لأنها تحتاج إلى كثير من التريث والدقة وليس بالأمر العجيب أن تكون الكيفية التي يختار بها الكاتب شخصياته هي القول الفصل والكلمة الحاسمة التي تجعل المتلقي يصفق لهذا الكاتب ويدير ظهره للآخر، لا لشيء إلا لأن الأول أصاب والثاني تعثر فاضطرب إزميله فاختلت معاييره.

وعموما فالكاتب ينتزع شخصياته من أرضية الواقع. إذ ينتزعها من بينها ربما، ويزرعها بكل مهارة وحذاقة في عالم أحداثه وأفكاره ثم يعمل على أقلمتها داخل تلك الطقوس. وهذه العملية يمكن عكسها، إذ يمكن أن يخرج لنا شخصياته من الكتاب ثم يجلسها بيننا. إذ كثيرا ما نقرأ عن شخصيات تكون طبق الأصل لبعض النماذج التي نعاشرها في حياتنا. وهذا ما جعل الشخصيات، حين يستحضرها الكاتب داخل الرواية، تصل مشحونة بروح التمرد لأنها تمتلك المتوازيات الكثيرة مع أناس مثلنا.

وعليه، فخلق/بناء الشخصيات الوهمية هو لب الكتابة الروائية، وإمكانات هذا الخلق لا تنضب؛ بحيث لا يمكن أن تكون حرية الكاتب مقيدة ولا مشروطة إلا بالفكرة الأساسية التي تحركه وتدفعه نحو الكتابة. أما فيما عدا هذا فهو حر وحريته شبه لا متناهية. حيث يمكن أن يجعل شخصياته في بداية الرواية إنسانا ثم تتحول إلى حيوان كما نجد عند كافكا في رواية "المسخ". فالبطل غريغوري يتحول من إنسان موظف ومتزن إلى خنفساء. وقد سئل الأستاذ عبد الكريم غلاب ذات يوم من قبل إحدى الصحف الفرنسية حول كيفية اختيار الشخصيات، فكان من جملة ما قاله ما يلي: ".. تطل علي من خلال الإنسان الذي أعايشه، وكأنه كلامهم يقتحم خلوتي ليفاجئني. كلمة تفاجئ عيني مفرغتين على الورقة البيضاء وأرفع رأسي لأراها تصدر عن شخص يلبس بذلة زرقاء، ملطخة بالسواد، أو جلباب فلاح تطل منه ركبتاه أو سروالا ممزقا وبين أصبعيه عقب دخينة واليد الأخرى ممدودة تطلب العطاء. أو سيدة ترفع قامتها فلا تستقيم، فقد ظل ظهرها منحنيا تمسح الأرض في مغنى عائلة مترفة. وليس من الضروري أن يكون البطل عاشقا، له فتاة أحلام، وأن تكون لحمة الرواية عقدة جنسية"(1).

وإذا كنا قد أسهبنا في الحديث عن الشخصية فلأنها أول شيء يطالعنا في الأعمال السردية على الإطلاق، ولا تتوارى، إلا إذا انشغل الكاتب بتوصيف الفضاء مثلا. ورغم انشغاله هذا فهو دائما يقدم الإطار الذي يلائم الشخصية ويساعد على القيام بأدوارها. لذا فإنها تمتد على طول النص الروائي ناشرة دلالتها. إذ لا وجود لشخصية بدون وظيفة أو عمل أو فعل؛ فهي لا تنتهي ولا تختفي إلا بانتهاء فعل القراءة. لذا قيل، إن نهاية الحكاية هي البؤرة الإستراتيجية لتطابق كينونة ومظاهر الشخصيات. لكن ورغم هذا، فقد ظهرت أعمال روائية لا حدث فيها ولا شخصيات كما نجد عند ناطالي صاروت في مؤلفها" فاكهة الذهب".

 

ذ. لحسن الكيري

كاتب و باحث في الترجمة و التواصل/ المغرب.

.................

1-  غلاب، عبد الكريم: في حوار له منشور بجريدة "العلم" المغربية، العدد 9024، بتاريخ 05/09/1975.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2637 المصادف: 2013-11-24 01:02:32