المثقف - قراءات نقدية

قراءة في أرملة العنكبوت قصّة قصيرة للأديبة هيام الفرشيشي

ridah aziz"أرملة العنكبوت" قصّة قصيرة للأديبة هيام الفرشيشي رسمت خيوطها المتشعّبة أوتارا تعزف نغمة حائرة بين خيال ينطلق إلى غياهب الأسطورة وواقع يشدّ الإنسان لأرض ترتاح تحت ظلال المبهم..

العنكبوت أرملة بإرادتها فهي تبسط فراش العشق لذكر تقوده الشهوة نحو حتفه فيرتمي في أحظان مخلب ليشبع نزوة قاتلة ينتهي بعدها جثّة هامدة بلا ذكرولا تأبين.

هي أنثى آسرة تلفظ خيوطها من أعماق الروح المتمكّنة لتلتهم الأرواح التّائقة إلى الإنعتاق .. خيوطها تتراوح بين الحرير والأسلاك فهي {شباك لاتختلف عن ألياف الحرير التي تنتجها دودة القزّ .. ولكنها حيكت بروحها الآسرة} وهي فكرة تعملقت في أذهان القرويين فكبّلت خيالهم وحدّدت ممرّات النّور فيه إلى نهايات محدّدة وحرّرته في مسافات معدّة مسبقا بقوانين لا يجوز تجاوزها لأنّها الطّهارة وما عداها دنس{عنكبوت دنس تضخّم شكلها وهي تواصل أسر الأرواح المدنّسة{

والطّهارة العنكبوتية أراحت القرويين من عناء البحث عن آفاق أخرى قد توقعها في دنس محتمل

هم أدرى النّاس بعواقبه الوخيمة لعلمهم بأنّ ضحايا العنكبوت {مسخوا لأنّهم كفروا بالنعمة} والإستقرار نعمة ولو كان في المستنقعات والوحل والكفر إثم لا يجوز وفاعله تحلّ به النقمة فكل من قال {تبّا للعنكبوت} أضحى جثّة هامدة تسافر به أمواج مياه النهر المتواطئة...لذلك إختارت النسوة {جز صوف الغنم ألاّ تحلّ عليهم النقمة)

العنكبوت أنثى وو غازلة الصّوف أنثى وكأنّ رحم الإعمار إستحال رحما للموت.و سطوة العنكبوت تغزلها النسوة في خلوة الخرافة..{كلّ واحدة بيدها المغزل لفتل ألياف الصّوف مع بعضها لتشكّل خيطا من خيوط حكاية العنكبوت المسخ} وهن بارعات في نسج الصّوف الحكاية حتى لا ينسلخ خيط عن المسار الدقيق، الثّابت. واضح معالم فخيط الصّوف وخيط الحكاية متصلان ومرتبطان بحرفيّة توحّد المصير {تربط الخط لأول في السدية كما تربط العنكبوت الخطّ الأول من شبكتها بورقة توت أو زيتون...} والخرافة إستثمار تحميه السّنون وتؤجّحه مواطن العتمة و{وطن بلا ملامح} لذلك وجب توريط الأطفال في الحبكة بالإستماع والإتعاظ

{ليدركوا مصير هؤلاء الغرباء في حكايات النسوة}

و كل قرية في الخرافة تعيش من غربائها إما الضّحايا أو المجرمين فأرملة العنكبوت ابنة القرية التي فرّت منها إلى أعالي الهضبة لتتحوّل من فتاة تهواها العين وتريده القلوب إلى عنكبوت مسخ مرعب ومخيف {مسخت عنكبوتا في ذلك البيت المهجور} بعد أن تحوّلت قبل ذلك إلى قنّاصة للعابرين {إمرأة شبقة تعاشر الغرباء}

وحتّى رفيق دربها لقي حتفه على سرير اللذّة تماما كذكر العنكبوت يسير إلى حتفه بقلب عاشق .. ولمزيد العتمة وإيغالا في تعقيد الخرافة وعملقة الرعب يكون ضحايا الأرملة دائما من الغرباء ولقطع حبل الخيال عن الواقع واليأس من إعمال العقل لفكّ الرموز كان لابد من من إتلاف الشّواهد فكان أن تتفسّخ ملامح وجوه الضّحايا فتتحلّل في مياه النهر أو تحرق بنار الإتلاف والإعدام الضروري لخلود الخرافة .. والخرافة أسيرة لخيوط العنكبوت التي هي صناعة فريدة فهي {طبيعية، قويّة، صلبة} وهي{رقيقة، شفّافة، رهيفة، ليّنة} تكوّن {روحا ملتفّة يصعب تمزيقها)}

ظلا الرّعب والعتمة لم يمنع القاصّة من إجتثاث الأمل من رحم العدم فالبيت المهجور حوّلته هيام الفرشيشي إلى أولمب للأمل تحجّ إليه العصافير كل صباح

لتعود مثقلة {بألحان تنساب في الرّوح تحاكي لغتها المنغّمة)

تحكّمت هيام الفرشيشي في ألياف القصّة فتحوّلت {عنكبوتا} رائعا يتجوّل بانامل راقية بين ظلام الخرافة ونور العصافير المنشدة لألحان الأمل..

 

بقلم الفنان المسرحي  الاستاذ رضا عزيز

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2639 المصادف: 2013-11-26 12:21:50