المثقف - قراءات نقدية

مكون الشخصية في رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس (6): العلاقة بين الشخصيات داخل المتن الروائي

alhasan alkyriفي الواقع إذا ما تجاوزنا عملية الوظائف كما ظهرت عند فلادمير بروب، وجدنا غريماس يهتم بدراسة العلاقة بين الشخصيات في السرد. حيث نلاحظ أنها تتسم بالصراع. وقد اختزل هذه العلاقة في خطاطته المشهورة التي حدد فيها أنواع العوامل في السرد. ويدعى نموذج غريماس في التحليل بالنموذج العاملي schéma actantiel، الذي نمثل له كالتالي:

 (الذات / الموضوع).

(المرسل / المرسل إليه).

 (المعيق / المساعد).

  يقول غريماس في كتابه "عن المعنى": "إن الكلام عن موقع الشخصية داخل القصة يعني، بكلمة، الكلام عن شخص يعمل عملا ما. وبالتالي يتم النظر إلى هذا الشخص أو ذاك كوظيفة نحوية. فالفاعل النحوي على مستوى الجملة هو الذي يقوم بالفعل وهو ذاته الفاعل الفني على مستوى القصة"(1). وبناء على هذا القول، فالعوامل هي التي تصف وتصنف الشخصيات وفقا لما تفعل وهؤلاء العوامل يشاركون في 3 محاور دلالية هي:

1- محور الإبلاغ: ويتم بين المرسل والمرسل إليه.

2- محور الرغبة: ويتم بين الذات والموضوع.

3- محور الصراع: ويتم بين المساعد والمعارض.

   إن هذه المحاور تعبر عن الرغبة في حالة العلاقة بين الذات وموضوعها؛ ففي غياب موضوع مرغوب فيه لا مجال للحديث عن ذات أو رغبة؛ وعن الصراع في حالة العلاقة الرابطة بين المعيق والمساعد، فالرحلة التي لا تصادف ما يعيق استمرارها ولا من يساعدها على الوصول إلى الهدف لا يمكن أن تسمى رحلة؛ وعن التواصل في حالة العلاقة القائمة بين المرسل والمرسل إليه. و عليه فالتواصل ممكن لأن الرحلة تنطلق من رغبة لتصل إلى أهداف، وما بين الرغبة والأهداف هناك الدافع وهناك المستفيد.

  إن هذا النموذج بعلاقاته الثلاث يضعنا أمام العلاقات المشكلة لأي نشاط إنساني، كيفما كانت طبيعته، وبعبارة أخرى فإن هذا النموذج، بشكل من الأشكال، طريقة في تعريف الحياة ومنحها معنى.

 

1- الفئة العاملية ذات/ موضوع:

   تشكل الفئة العاملية ذات/ موضوع العمود الفقري داخل النموذج العاملي. إنها مصدر للفعل ونهاية له. مصدر للفعل لأنها تشكل في واقع الأمر نقطة الإرسال الأولى لمحفل يتوق إلى إلغاء حالة ما أو إثباتها أو خلق حالة جديدة. وتعد من جهة ثانية نهايته. لأن الحد الثاني داخل هذه الفئة يعتبر الحالة التي ستنتهي إليها الحكاية ويستقر عليها الفعل الصادر عن نقطة التوتر الأولى.

 

2- الفئة العاملية مرسل/ مرسل إليه:

  إن الزوج الثاني داخل النموذج العاملي، المحدد من خلال محور الإبلاغ يتكون من مرسل ومرسل إليه أي من باعث على الفعل ومن مستفيد منه. والأمر يتعلق بمحفلين لا يتحددان إلا من خلال موقعهما من حالتي البدء والنهاية كجزأين سرديين مؤطرين بمجموع التحولات المسجلة داخل النص السردي. وإذا كان هذا الزوج يتحدد من خلال علاقته بالذات لأنه هو الدافع على الفعل، وباعتبار الذات منفذة له، فإن هذه العلاقة رغم طابعها المباشر تتوسطها حلقة أخرى هي الرهان الأساس في أي إبلاغ: الموضوع. أي الموضوع باعتباره رحلة للبحث ومستودعا للقيم وغاية إبلاغية. ويمكن صياغة هذه العلاقة الثلاثية الرابطة بين المرسل والموضوع والذات على الشكل الآتي: يقوم المرسل بإلقاء موضوع للتداول وتقوم الذات بتبني هذا الموضوع والاقتناع به لتبدأ رحلة البحث وبعبارة أخرى نحن أمام مسار يقودنا من الإقناع إلى القبول، فإلى الفعل.

 

3- الفئة العاملية مساعد/ معيق

   إن الفئة الثالثة المكونة للنموذج العاملي تتكون من معيق ومساعد وهي فئة متضمنة داخل علاقة يحددها غريماس في مقولة الصراع. فوفق السير العادي لحكاية شعبية ما، فإن البطل يقوم برحلة البحث عن موضوع قيمة، وأثناء تلك الرحلة يصادف كائنات (أشخاص أو حيوانات أو عفاريت) تقوم بمساعدته للوصول إلى هدفه النهائي. وليس من العسير أن نجد مرادفا لهذه الصورة البسيطة في الحياة العادية لكل يوم، فداخل المجتمع هناك صورة للمعيق وأخرى للمساعد بدءا من حالة الطقس وانتهاء بالقوى الاجتماعية وضروب الصراع بين مكوناتها. وإذا كانت هذه الصورة المبسطة عنصرا أساسا في تكون الحكايات الشعبية، فإنها تبدو وبمظهر أكثر تعقيدا، في النصوص المعاصرة، ولهذا المظهر أثر كبير على طبيعة هذين المحفلين. كما أن له تأثيرا على نمط اشتغال موقع كل محفل على حدة. فمن الواضح أن المعيق لم يعد صورة خارجية معطاة بشكل ضمني أو صريح في العلاقات الاجتماعية فحسب، بل أصبح أيضا صورة داخلية، فقد يكون البطل من خلال مجموع الصور المرافقة لتشكله معيقا لنفسه. فإلى أي حد يصدق كل ما قلناها نظريا حول الشخصية الرواية، على شخصيات رواية "الحي اللاتيني" للدكتور سهيل إدريس؟. على أية حال، هذا ما سنحاول استكشافه بمساءلة الرواية فيما سيأتي من محاور داخل الفصل التطبيقي.

 

*كاتب و باحث في الترجمة و التواصل / المغرب.

..............

[1] Greimas, Algirdas Julien : Du sens: Essais sémiotiques, ed. Seuil, coll. Poétique, paris, 1970

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الكاتب
برغم من قيمة الحلقات المهمة والقيمة بصد رواية ( الحي اللاتيني ) للكاتب الكبير سهيل ادريس , واعتبرها من اهم الرويات العربية التي تتناول قضايا حساسة وحيوية , في العلاقة بين الثقافتين الشرقية والغربية والصراع بينهما في اختلاف العادات والتقاليد بما فيها النظرة الى المرأة , كنت انتظر منكم ان تدخل في صلب الرواية وتحليل شخوصها وبعدهم الفكري والحضاري , وفشل اقتران العلاقة الثقافية بين الشرق والغرب أي النهاية المأساوية بين بطلة الرواية ( جانين مورتيرو ) وبين بطل الرواية الذي لم يعطي له اسما , اما بالنسبة لي فقد تعاطفت مع ( جانين مورتيرو ) اكثر من البطل الذي حاول تبرير جبنه والخضوع للارادة الشرقية ( الاهل ) ان هناك سمات في الوصول الى النهاية المأساوية , هل هي ظروف الثقافة الشرقية ؟ هل هي عدم التكيف والاندماج بشكل حقيقي بالثقافة الغربية , وليس بشكل ظاهري مزيف ؟ هل هي تأثير الافكار الوجودية وفلسفتها على الكاتب , ادت الى هذه العبثية اللامسؤولة ؟ ام هناك اسباب اخرى ؟ ولاسيما تعتبر الرواية من اهم روائع الروايات العربية بكل المقاييس

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

السلام عليكم، أشكرك على ملاحظتك. ذاك ما سيأتي فيما بعد. أفهمك. تقديري.

لحسن الكيري
This comment was minimized by the moderator on the site

السلام عليكم أستاذ لحسن الكيري
بداية أشكرك جزيل الشكر على هذه القراءات المعمقة في رواية الحي اللاتيني والتي هي واحد من المدرنات التي اشتغلت عليها في أطروحتي للدكتوراه ..
ثم أطلب منك تزويدي ببريدك الالكتروني إن أمكن حتى أراسلك للإستفادة من دراساتك في هذا المجال ...
الشكر موصول لك سلفا

فاطمة الجزائر
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2644 المصادف: 2013-12-01 01:41:07