المثقف - قراءات نقدية

ميادة ابو شنب ورسائلها في بريد السنونو .. قراءة نقدية

sardar mohamadنصوص مكثفة لا ترهل فيها والعنوان يصرخ بالمتلقي أولا ً وبعد قراءة ديوان "رسائل من بريد السنونو" للشاعرة المائزة ميادة أبو شنب يلحظ أن النصوص صرخة أنثى بوجه المجتمع الذي استفحلت الذكورة فيه وهيمنت على المجتمع الأمومي ولكنها كأنثى طبيعية وهي محض انسان تحب الحياة وتعشقها تتحدى الذكورة بجرأة.

ففي قصيدة لماذا السنونو؟ تقول:

لأني عشقت بها الإنطلاقا

وعشق الفضاء النقي الرحيب

وحب الحياة وروح التحدي

وجرأة قلب شجي الوجيب

والقصيدة موزونة وهي من بحر المتقارب الحزين.

 

باستبدال عنوان الديوان ليصبح: رسائل من قلب  أنثى أو رسائل من قلب ذكر أو رسائل من قلب مجتمع !! لا أرى فرقا ً

وإن كان الخطاب في الديوان عامة يجري على لسان أنثى تفخر وتعتز وتعتد بحقيقة الأنوثة التي لا يستغني عنها ذ َكر من غير اسفاف أو إيروسية متعمدة غايتها جلب أنظار الذكورة للنص وتحفيزها لدغدغة المشاعر البدائية:

خذ تفاحتي

تلذذ بطعمها

ولا تتردد

وهذا يذكّر بتفاحة حواء وثمرة عشتار التي طلبت من جلجامش التلذذ بها.

بعض الأحايين يجري الخطاب على لسان ذكر مثل:

حبيبتي سارقة بارعة

و

حبيبتي كالليل عميقة

و

أنا صمتك ....  إسمعيني

أنا سطور ماضيك .....أحرقيني

وفي الحالين تعبر عن وجه نظرها وما يعتمل في فكرها.

إن ما يجري على لسانها هو لسان حال النساء جميعا ً اللواتي قهرتهن وظلمتهن الذكورة طوال دهور، وإن أنكرت ذلك عبدات الذكورة فخشين قولة أحبك وأعشقك إذ سيوقعن أنفسهن تحت طائلة عقاب الذكوريين.

نصوصها رسائل من بريد محدد للسنونو الذي هو الذكر أو الأنثى مرسلة للمجتمع بصيغة مباشرة مرات وبصيغ غير مباشرة بشكل أسئلة لا تجيب عليها فتتركها لذهن المتلقي ليقع في حيرة من الأجوبة الكثيرة التي يمكن للمتلقي أن يتخيلها.

إذن هي تترك له الخيار بمقدار فهمه للنص وطريقة تفكيره.

تصدع ميادة بالأنوثة وتفخر بها فلا تغلف نصوصها باستعارات لفظية كما تفعل غيرها من الشواعر فهي تتحدث عن الحب والعشق بصراحة الأنثى الواثقة من أنوثتها التي فرضتها عليها الطبيعة فترى أن لاضير في التعبير عن مشاعرها ولا تعترف بمن يتذرع بالاخلاق والعفاف فنصوصها لا تخالف شرعا ً أو تتصدى لغير الحقيقة والحق الطبيعي لكائن يتمتع بالإنسانية فعندما تقول أحبك أو أعشقك لا تعتقد أن ضيراً سيصيبها أو أن منزلتها في الأعين ستقل ولقد اعتاد الذكر أن يبيح لنفسه ذلك ويحرمه حتى على أهل بيته بل أنه وهو المنادي بالحلال يخاف أن تفلت من لسان زوجته كلمة أحبك َأو تفلت من لسانه كلمة أحبك ِ.

نصوص ميادة ناتجة عن وعي بالتاريخ فلا يعقل أنه بعد آلاف من السنين من صدح عشتار بالحب يعترض الذكوريون والذكوريات على صدح ميادة:

تعال ياجلجامش وكن عريسي

وهبني ثمرتك أتمتع بها

وعندما تدخل بيتنا ستجد شذى الارز يعبق فيه

إذا بيتنا فستقبل قدميك العتبة والدكة

( راجع ملحمة جلجامش ترجمة طه باقر )

 

ولا يعقل أن تناقض ما صدحت به المرأة العربية

كقول ولادة بنت المستكفي:

لحاظكم تجرحنا في الحشا      ولحظنا يجرحكم في الخدود

جرح بجرح فاجعلوا ذا بذا   فما الذي أوجب جرح الصدود

 وحتى الجواري العربيات اللواتي كن يكتبن على خمرهن ومناديلهن أعذب أبيات الغرام والتوله.

كتبت جارية المارقي على قلونستها:

كتب الشوق في فؤادي كتابا ً  هو بالشوق والهوى مختوم

وكتبت جاريه ابن السلمي على كرزنها:

الشمس تطلع للمغيب ولا أرى     شوقي إليك على الزمان يغيب

وكتبت جارية على عصابتها:

من يكن صبا ً وفيا ً   فزمامي في يديه

خذ مليكي بعناني     لا أنازعك عليه

(راجع الموشى للوشاء)

 

سنونو ميادة يكشف قناعه بيسر دون الوقوع المباشر في الخطاب ولا يعترف بالواقع وزمانه لأن ما جرى للأنوثة على مر التاريخ لم يكن قد حده مكان أو زمان، مازجة بين الواقع وما تتخيله بلغة نفيسة والخاصيه الخطابية الخاصة على لسان حبيبها او لسانها تشمل الإناث والذكور عامة أي المجتمع الذي نعيشه وليس لسنونو بذاته وإذا تطرقت للمباشر فيما يفرضه النص فبدون تقريرية معتادة في أغلب نصوص الشواعر.

يكابد القارىء نصوص ميادة لكي يلج بنيتها فيحلل ويستنتج ثراءه في مكابدة لا تقل عن مكابدتها والنتيجة سد ثغرة في نصوصها دون السقوط في هوة النظرة الأحاديه المستندة على فلسفة مسبقة غير ناس التواصل بين مناهج الفن النقدي القديم والحديث.

موقف النقد الثابت في النظر إلى جيد النصوص من رداءتها وصوره البنيويه في التاكيد على البلاغة دون النظر إلى العوامل الخارجية والطبيعة الفردية معا ًوالتي تقلل من الغاية النقدية كما تقلل من فخامة وروعة النصوص.

(راجع آلة الكلام النقدية لمحمد الجزائري).

شعر ميادة يتوجه نحو سر الذات وآلامها، يتجاوز الوجهات الجاهزة والثابتة في أي شعر فلا تخشى صولة فكرها ورأيها  في التعبير بأي كلمة أو لفظة أو خطاب يمكن التعبير به في خدمة النص الشعري وإن كانت فكرته العامة مسبقة والتي هي محور مجموعة النصوص في ديوانها رسائل من بريد السنونو.

في ديوان ميادة يظن القارىء غير المتفرس أنه بوصوله إلى محور النصوص قد وصل إلى شرفة ميادة أو اكتشف محور مجرتها غير أن في أقطار هذه المجرة تدورحوله ألف ألف من الكواكب والنجوم والشهب.

في أحيان تبدو قاسية مع الذكورة والحقيقة أنها تعتد بأنوثتها:

مهما أجمعت كل النساء

أنك عاشق محترف

فلن تكون في ظلالي

إلا عاشقا ً مبتدئا ً

 

وقد تكون قسوتها ناتجة عن سطوة الأنثى وقوتها دون إذلال للذكورة.

لو كان العشق مسدسا ً

لأفرغت رصاصاته النحاسية

في قلبك

أو كان قوسا ًجاهليا ً

لمزقت بسهامه

صدرك

حتى تفهمني

حين أقول... أحبك

 

أو:

وإن أسأت لأنوثتي

تكون قد جنيت على لياليك

وعلى قلبك

وعلى كل الرجال

ولكنها لا تجعل من الأنثى صخرة قاسية،فهي تذوب في الذكر الجدير بحبها:

بانصهار قلبك بحبي

إمنحني كل أنانيتك

ومفردات استسلامك

وأترك محياك

جمرة بين راحتيّ

 

وتزيد فتبدو الأنوثة وقد انهارت أمام الذكورة:

نم ملء جفنيك عشقا ً

أو

إنتصارك معي

يسعدني

لكن تكراره

يثير وحشيتي

لأنني أنانية مثلك

ولا بد ان أتلذذ بخسارتك

أو

معك أكون بلون المطر

ومع صورتك ذات الكبرياء

أكون أجمل متغطرسة

ومع هجرك

أكون كربيع

ينتظر جفاف الشتاء

أو

بعد أن أحرقتني جمرة هواك

علمت مقياس أنوثتي

وباشرت البحث بين وريقات الشجر

خلف الساعات

وفوق كل خيال

عن رجولة أصغر مني

ميادة الشاعرة لا تجعل من الأنثى مثالية ولا من الذكر مثالي وهما متكاملان في المجتمع الإنساني ما للذكر ما للأنثى وليس أكثر ولا يفضل أحدهما الآخر إلا بصدق المشاعر والنيات.

فيك أحيا ربيعا ً آخر

تتوجني مليكة لكل الألوان

وتنصب عرشي على أعلى التلال

فأقسو على كل زهرة حمراء

لئلا تكون أكثر احمراراً من شفتي ّ

آمل أن تكون قراءتي لنصوص ميادة قد أصابت هدفها وآمل من ميادة أن لا يقل حماسها الأنثوي وتكون قوية كقوة سيمون دي بوفوار ونوال السعداوي وأحلام مستغانمي ولا تثنيها ذكورة عن التغني بالأنوثة وتعبر عن خلجاتها بحرية هدفها مجتمع لا تتناصف فيه الذكورة والأنوثة بل تتكامل.

في مسك الختام لنستمتع معا ً بهذا المقطع:

لا تدع سيولك اللعينة

تجرف تبرمشاعري

لهاوية العشق

لأنني مكتفية بالبقاء

على قممك َ.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (11)

This comment was minimized by the moderator on the site

تبقى الشاعرة المميزة الاستاذة الفاضلة ميادة ابو شنب رمزا للمرأة في كفاحها المرير مع الرجل الصحراوي، كما تصفه في قصائدها، المفعمة بقيم التحرر من ربقة عبودية ثقافة التسلط.
طموحة هي للرقي بوعي المرأة كي تتبوء مكانتها الطبيعية، والخطوة الاولى كما ترى الاستاذ ميادة هي معرفة المرأة لقدرها، والتمرد على قيم الذكورة المقيت
احسن الاخ الاستاذ الناقد سردار محمد سعيد اختيار رسائل من بريد السنونو الذي يتصف بنسيابته ورقته، وعمق معانيه.
قراءة ممعنة في نصوص متألقة، شكرا جزيلا للاستاذ الشاعر سردار محمد سعيد اختياراته الموفقة دائما، ورؤيته المتميز في قراءة النصوص
تقديري لكما
ماجد

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

تهنئة خالصة للشاعرة المبدعة ميادة أبو شنب على هذه المجموعة الشعرية المكتنزة بالبوح الأنثوي الرائع, و بصدق المشاعرالانسانية النبيلة, المتجسدة بترانيم حب طاهر لا شائبة فيه...و شكرا لأديبنا و أستاذنا سردار محمد سعيد على هذه الجولة النقدية في رحاب المجموعة, و الوقوف على مصاديق روعتها, و تجليات الابداع فيها...شكرا لكما, و لكما خالص الود و الدعاء.

مصطفى المهاجر
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب والصديق الباحث ماجد الغرباوي
تحية طيبة
جزيل الشكر على تعليقك الجميل
هو إضافة نقدية للنص ولقد صدقت فالأستاذة ميادة نفخر بها ونعتز وهي المناضلة الصبور في التصدي للذكر الصحراوي كما قلت ووجودها معك في المثقف ومعنا فرصة ماسية لترفد وتجود بفنها وأدبها ، وآمل أن تمتعنا بشعر أكثر ونثر أكثر .
في نصي المنشور القليل مما تستحقه وأردت أن لا يغفل عنه الذكور والإناث كما لا يغفل عنه النقاد فالأديبة ميادة ظاهرة تستحق العناية والتأمل .
شكري لك على تعليقك وعلى حسن اختيارك للأستاذة ميادة في تحرير المثقف بيتنا وفضاؤنا الرحب

سردار محمد سعيد
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب الصديق مصطفى المهاجر
تحياتي
صدقت هي مجموعة مكتنزة بالبوح الأنثوي النبيل والنزيه لأنها صادقة المشاعر والبوح بلا تغليف وتمويه فتقول بما يعتمل في قلب الأنثى بجرأه وثقة
لها مني خالص التقدير ولك أديبا ً واعيا ً ونابها ً

سردار محمد سعيد
This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب القدير والمتعدد المواهب
اعترف اني لم اقرأ المجموعة الشعرية للاديبة الرائعة الاستاذة ميادة ابوشنب , لكن اعجبني التحليل الادبي الشفاف الذي لايخرج مناخات كاتبنا القدير الذي اشتهر بها بشكل رائع ,

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الفنان والأديب القدير سردار محمد سعيد
كنت فريسة الانتظار منذ حضور مفرداتي بحلتها الطفولية إلى مختبر الفن والجمال... ومثولها على شريحة مجهرك الأبجدي...
وغدوت مع تقييمك وتحليلك الغائر في وجداني الأنثوي، ريشة في فضاء من أثير البهجة والحبور...
قراءتك التأمليّة نثرت على نصوصي رذاذاً من ألوان النبض وغرست في ظلالها شموعاً مضيئة كشفت تنهداتها المستترة...
تناثرت حروفي نشوة في جنّة نصك... فلملمتها لأغزل منها سرباً من نجمات تتلألأ بوهج الشكر والامتنان لحرفك الشمس
كل الود والتقدير

ميّادة ابو شنب
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الأديب جمعة عبد الله
تحياتي
شكري لتعليقك وثنائك والذي آمل أن أكون كما وصفت.
والله كان بودي القول أكثر فميادة تستحق أكثر ولقد دهشت عند قراءة ديوانها فهو يفضل كثير مما ينقد ويستأهل أن يقال فيه ، وإن كان نصي فيه شفافية فهو من شفافية النصوص الشعرية وحلاوتها وروعتها .
دمت صديقي الذي أراه يعطر صفحتي كل حين
التقدير لك أيها الصديق الصدوق

سردار محمد سعيد
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعرة البارعة لغة ومشاعر ميادة
سلاما ً
جعل الله أيامك كلها سعادة ، ولا شك أن بهذا نتلذذ ونستمتع بالمزيد من روائع صورك الشعرية
كان بودي أن أزيد لولا مخافة أن يقال ( شيلني واشيلك ) أو ( واحد يرفع وواحد يكبس ) كما في لعبة الكرة الطائرة ، والحق أن ما قلته هو استحقاق متأخر لأن جديد ميادة أكثر غنى
دمت للأدب وللمثقف ولأحبائك وحالهم يقول : المزيد المزيد ، ولنلتقيك وأنت تغمريننا بالجديد والمبهر
تقديري وآسف إن كنت لم أستطع بلوغ قممك

سردار محمد سعيد
This comment was minimized by the moderator on the site

قراءة رائعة لمجموعة شعرية ولا أبهى ....
رسائل من بلد السنونو ..
العنوان وحده يكفي ....
لحسنِ حظّي ..استمتعتُ كثيرا بقراءتها نصّا نصًّا ونبضا نبضا...
قولها مثلا:
أهوى الشتاء
بجنون بديهي
فكن أنتَ الشتاء القادم
لأحبك بلا تعب.....

أهم خصائص شعرية الأستاذة القديرة : ميادة أبو شنب
المباشَرة ..من غير لفّ ولا دوران ...
حتى الرمزية في قصائدها لا تتعب القارئ ..ولا تعبث بمخيلته فيختلق تأويلات قد تصيب أو تخطئ ...
والصدق...
أسلوب يرمي بقول القائل (أعذب الشعر أكذبه) إلى الهامش ..إلى الرصيف......
هكذا عرفناها ..أستاذة طيبة...شاعرة رقيقة....وناقدةً كبيرة
مودتي..سردار ..وميادة ..
وتقديري

بوعبدالله فلاح
This comment was minimized by the moderator on the site

شاعر الحرف المناضل مصطفى المهاجر
الكاتب القدير جمعة عبد الله
الشاعر المبدع بو عبد الله فلاح
ممتنّة جداً لمتابعتكم وتوقيع مروركم بأبهى المفردات.
ثناؤكم وإطراؤكم سيمفونية جدول رقراق أطربت سنونوات قلبي وبراعم حرفي وزادت فخري واعتزازي بانضمامي لأسرة أفرادها أفضل قدوة في الانسانية والثقافة والفكر والابداع.
أهدي بساتين عطائكم أغصان محبة يانعة

ميّادة ابو شنب
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقتي العزيزة جداً مها حسين
يسعدني وقوفك على ضفاف نصوصي من خلال قراءة الأديب والفنان سردار محمد سعيد التي زادت رغبتك في الخوض في غمارها.
شكراً لبهاء روحك ونبض حرفك الشفيف
محبتي وتقديري

ميّادة ابو شنب
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2645 المصادف: 2013-12-02 01:14:41