المثقف - قراءات نقدية

سيموطيقا الذات وغربة الوطن .. قراءة فى ديوان: رجل لم يخلق بعد للعراقية رحاب حسين الصائغ

rehab alsyeqتساوق الشعرية الجديدة بين الذات وغربتها، وبين الوطن واغترابه، وهى عبر ذلك تراوح بين الذات والمجتمع، وبين الذات والعالم كذلك، كما تنزع إلى سموق كوني يخلّق التجربة ن ويقبض على جذوة الشعر ليعيد رتق شراع الحلم فتنكشف أسرار الكون والذات على عوالم في أغوار النفس أكثر إشراقا، وأبهى سموقا .

وفى ديوانها (رجل لم يخلق بعد) تمازج الشاعرة / رحاب الصائغ بين الوجع الشهي، والوطن المشتهى: بين الذات الهائمة فى محراب العشق والمتعطّشة لدفء يعيد رتق الوجع، وبين الوطن الذي تتوزّعه عذابات الفقد والحرمان والغياب ن وتجعلنا نتساءل في حيرة عن هذا الرجل الذي لم يخلق بعد !! هل هو الفارس المشتهى لقلبها المعشوشب بالجمال والحب؟ أم هو الفارس الذي سيعيد للوطن سموقه وقامته الباذخة ؟! .

ان شفرة العنوان تحيلنا الى ثنائية ملغزة قد تبدّت في الإهداء: (قبل مليون عام / ترتشف هذه القصائد من دمى / أخرجتها من جعبتي / في هذا الزمن / كي تعيش معي المحنة).

إنها إذن قصائد المقاومة، وهى قصائد أسطورية كتبت قبل مليون عام مشبعة بالدم، وهى هنا تخرجها لتأنس بها لتشاركها المحنة والنكبة التي عانتها العراق من جراء الظلم والاستعمار والقهر الامبريالي الأمريكى للذات والمجتمع، وكأنها - هنا – تتشبث بالأمل لتصبّر النفس على احتمال المرارة والألم .

وفى قصائدها نلمح العشق الممزوج بالحزن، والألم المتطلّع الى أمل يعيد للجسد المتهالك نضارته التى بدا عليها الذبول، تقول فى (قراءات زرقاء اليمامة):

آهات البياض جن ليلكها / ثمة موج انطفأ / أصبع، زند، كف، أصاب العراقيون غثيان / وشقّ أقصى الخريطة / خدوش أعور كنس المكان / من بني أزرق، اصفر، أسود / والجواري نائمون فى توابيتهم / ساهمون بسلطانهم / يسكنهم تناسل الأخطاء / يرممون خاصرتهم بالتمائم /يتمطّون بهزيع أعزل) .

أنها تصف النكبة، حيث تناسل الأخطاء والجواري النائمات فى التوابيت وحيث الغثيان أصاب كل العراقيين .

انها شعرية الألم، لا تفصح عنها الا بالرمز المغلق، ربما من فظاعة المشهد، ربما لهول الفاجعة على الشاعرة التى أرادت للقصيدة الهذيان والدخول فى غموض الرمز المستغلق، لأنها لا تريد كشف المستور، بل تدلل الى فظاعة الجرائم التي أركبت فى العراق، وهى بهذا الرمز تعيد إنتاجية المشهد الغرائبى، وربما المقذّذ أيضاً لبشاعة المحتل ومعاملته للنساء / الجواري .

وفى 0 احتفال اللؤلؤ 9 تشعر ببارقة أمل إلا أنه ينطفئ بسرعة، تقول:

ربما خلع وطني أنشوطته / السوداء ../ من ألم بها / لأيام شكلت من الفرح / ناسية أننى عراقية / ووجعي مرَصّع بتكهنات / ظلامها دائم التّربّع / فوق أى حنين / لبارقة بيضاء / يحمل براكين متفجرة / كلنا / أخله / داخله .

انها انكسارات الذات أمام فجيعة المشهد العراقي الذي امتلأ بالندوب من جرّاء الخوف والفزع، تقول:

من يدلني على رحم / أسكنه حلم / أريد له العيش / بعيداً عن سكاكين عراقيتي / الذي توهّج بندوبه / سطع بانقلاباته / ضجّ بتلاحم مشرّد / لفّته عباءات نرجسية /تلبّستنا بخوف عظيم .

ان الشّعرية – هنا تتبدّى من الجمل المفارقة الدالة على الإحزان الهائلة، والخوف الذي وصفته بالعظيم والفاجع، وهى عبر هذه الإيماءات الإجرامية تفضح العجز والوهن، وتشير الى التخاذل والانقلابات، بل وللنرجسية التي أثارت الخوف لديها فجعلتها تتمنى – عبر الحلم – الولوج إلى رحم تسكنه، أو كهف بعيد عن هذا التمزق للوطن وأهله، وذلك العجز الشديد والنابع من العجز العربي أيضاً .

وعبر هذه المأساة الهائلة تعود بنا الشاعرة الى أيام الطفولة، حيث العشق الممزوج بالحزن، وكأنها تتنبأ بما سيمرّ بالعراق، فنراها تطوى قلبها الحزين، وهى كالعاشقة العليمة بقلب فارسها، تحلم وتتشبّث بالحلم، وتطرق كل الأبواب وكأنها تلوذ بالحب لتتناسى الآلام، أو لعل الحب يضمّد جراح الوطن في قلبها، وهى لازالت تحاول، وهى تعرف أنها تطرق الزجاج، وأبواق السراب، تقول:

أمد للسراب بعداً جديداً

تنتعش بقايا روح

وتؤسس لعطشى أشجاراً

فروعها الخضراء تنطلق

وراء الغثّ من الحلم

أشعر بوحي الروح

يرفرف فى سماء النهار

فأقول:

ربما..

ربما..

ربما !! .

انها تؤسس جغرافيا جديدة للحب، الا أن الحب يهرب أيضاً، وهى المتعطّشة الصابرة تنتظر مجىء الحلم والفارس الذي لا يجيء .

هذا ونراها ملتاعة، تبحث عن حلم مفقود، أو رجل لم يخلق بعد، تتشهّاه وترسم صورته،إلا أن انكساراتها تلقيها الى سراب، أو صحراء ليس بها مطر لجسها الذي تيبّس من فرط الحرمان، ويتجلى ذلك في قصائدها: (نفق فى الفضاء، التواء الحنين، أريدك عنواني، نفد الرصيد، موت الأرجوان، عنق النهاية، قرص مرن لصوفي ... ألخ) .

وفى قصيدتها (آهات تكسّرت) نرى الوجع الشهي يصنع احتفالاً لعطش يتفجّر من جسدها الطافح بالحب والنّشوة، لكنها تفيق على وجع الآهة، وقطرات الدموع، تقول:

حفلة لينابيع تتفجر

في جسدي

والمصب لغة أرهقت ظلي

أزهار حمراء

فى شبق حدائقي انتشرت

وسهام أنجم في أقاصي الظلال

على عطرها تناثرت هواجسي

من الحب المقطر المجفف من خيوط البكاء

على حواف القلب تقطّعت

آه ..

أقولها ليس لمرّات .

ان الصورة – هنا – تصنع من الجسد مادة للخطاب الشعري الدافق بأثير امرأة تطفح عشقاً وشبقاً للذة حانية لا تجيء، لذا نراها:

يزمّ جسدها ألف آه ..وآه

وتلتقط ظل أنفاسها

من كعب عصفور جرح فى المنامٍ

ولثم حلمه المطوي

وراء الضياء .

إنها امرأة الحب الباذخ، تلك الحانية على الحب، تهدهد الحنان، وتتذرّع بالحلم، الا أنها تتوجّع، وتشكّل الصورة المطبوعة لديها أريجاً يخشّ القلب،ويندلق فى الروح، ويخضوضر في القلب الأرجواني، تقول:

يا امرأة تحتفل بينابيعها

فى أقاص موحشة

لم يسمع هجير احتفالها

غير بعض الحشرات

لا تعبث بعذابها

ولا توقد لمولدها عوداً

جافاً من أعواد المساء

والقمر فى الجهة الأخرى

يجر الغواية فوق العشب الباسق

كأمطار غزيرة يدفع هطولها

بمرارتي ألف آه .. وآه .

فأي جمال نراه لهذه الصور الشعرية الباذخة لامرأة تتعطش لارتواء بعد جفاف صحراء جسدها المقشعر، والتأئق لحنان يعيد لبستان العشب نضارته ودفقه الأثير، ولكنها مع ذلك تتقاسمها مرارة الغربة والدموع فى (موت الأرجوان) فنراها كصحراء يابسة تفتح صدرها لغنج الكثبان، بينما يذوب جليد صيرها من حرارة الأحزان، تقول:

قلبي أصبح جمجمة أكلها الطير

وترك هيكلي معلقاً

أصابه الانبهار من انهمارك

ضلوع قلبي

ولا يشبهه أي انهيار

تقطّع جليد الصبر

وذاب من حرارة الحزن .

أي حزن هذا الذي تكابده تلك المرأة ؟ وأية معاناة تحمّلتها وتجرّعتها من أجل حبيب لا يجىء، ومن أجل وطن ممزق تشوبه الغيوم، بل وتراه يسقط مثل أحلامها التى تلاشت كذلك وسقطت مع جليد الصبر بفعل حرارة الأحزان وصهدها .ان تجربة / رحاب الصائغ هى تجربة عاشقة تشرنقت بفعل الحرمان، رأيناها تجوب الصحارى والقفار، وتعبر الأنهار والبحار، وتلوذ بالذات، وتبحث عن الدفء لكنها لا تصل الى المرفأ، بل تتكسّر صخرة أحلامها على الواقع الفظيع الذي لا يعيرها التفاتاً، تقول فى (عنق النهاية):

(كم من الغابات زرعت جنتي / وكم من الأعشاب حلقت فوق تربتها / وكم من الأحزان تكالبت / كثعالب / كم من الحصى رميت / فى بحيرة الأمل / لا أحد غير / همهمات تنكبّ مثل ألمي / وتلمّ ثقلها لسكب / حرارة مرارتي كقافلة)

انها تنصهر ألماً واشتياقاً وحناناً، ومع هذا نراها متماسكة اذ لديها الأمل كذلك تصنع قصيدة الصورة / الميديا لتدخلنا عبر المشهد يات إلى غرف اللذة الباذخة، حيث الكون امرأة غطّت بالشهوة،واستطال فحيحها النوراني لتضخ العطر من جسد المساء، وحيث الرجل / الحلم مغيّباً طوال الوقت فنراها – عبر ايروتيكية غير مبتذلة –تعيد نفخ الرماد لتصوّر جوع المرأة الفيزيائي، عبر معيارية الصورة وجمالياتها الفائقة، وعبر زفرة الأنثى وشهيقها، وماء رغبتها الذي ينمّ عن عطش للحنان المفقود الذي يحيلها إلى أرض جرداء تتقشر ذراتها وتتوف لتكسر مياه الشوق فوق فسيفسائها المزركشة، أو تنورتها التي تهتكت وتاقت، تقول فى (قطران الندى):

ناغيته بحب سميك / شرعت أهدل الرغبة / على تمثال جسدي / فاح عطر أزقتي / حول شهواتي النارية / فتحت باقى النساء / شبابيك معابدها الملثمة / انتحرت بجوار الجسد / أبرياء نحن النساء من نشوتنا / هياكلنا الطازجة المجمدة / نارها تحرق التنور بأزيز الخوف / تنكمش على حوا فينا / ثناياه الملتهبة / بينما يداعبنا الجوع / لك ثم لك .. ثم لك / ناغيته بسلبية الخيال م ذكورة متأنية وأنوثة نائمة / على حوض التشييع / يغمس القمر منتحباً / يصب على قوارب جسدي / ربيعاً ثملت زهوره .. عندما / انحصر على خصري ألف عبارة / ليس البحر سحري / وقذف زبده ألوان الطيف / حين ضمني لاهثاً / يريد / إسكات انفلاتي من أغصانه / أحاطني حبل مسكه / طبع على قيثارة اللهب / ترياق لحن غجري / رغم سكون التضاريس / نالنا التعب .

انه اذن رجل ميت (على حوض التشييع) وهى التي تودعه بفحيحها، وتريد أن يغمرها بالترياق (رغم سكون التضاريس) إنها فجيعة الأنثى فى الذكر، مركز اللذة التى فقدتها، والحقد الذى تملّكها فلم تعد تأبه الا لأنوثتها الطاغية وحرمانها، لقد أرادت إذن إطفاء الشهوة مع الجسد الساكن، وهى فى هذه المشهدية التي يقشعر لها البدن نراها – بشفقة – تداعب الجوع الجسدي، وتريد الارتواء رغم سكون التضاريس لديه، أو فقده للفعل الذكوري، وهى التي شبهت الأمر بالقطران للندى، وليس العسل بالطبع، لذا فهى تنتقم لأنوثتها الطاغية الباسقة، بينما تغور تضاريسه المادية (الآلة المعطّلة عن الضّخ)، وفى عذا التصوير نراها تكسر التابو لتبوح عن مكنون الأنثى وعاطفتها، وشهوتها الجسدية والعاطفية تجاه الرجل الذى فقد ذكورته، أو الذي راودها (على حوض التّشييع)، وهى مع هذا فى (شذى بابلي) تفلسف الحب فتقول:

القلب ما ان يخفق / ينهار كل جدار / بين السماء والأرض .

انها فلسفة الحب تتجلى فى سحر صورها العذبة، وهى العاشقة الفيلسوفة، الطافحة بالمحبة، والمتعالية الى سموق الشهوة، تتطلع الى (آلهة النت) خارج حدود المكان:

عسى أن تشهق نخلة

وتأتى بالراعي إلى

برّ الهمسات !! .

انها تنادى الشمس لتزيل حواجز الثلج، ليغمر الدفء قلبها والعالم والكون والحياة .

ان الشاعرة / رحاب حسين الصائغ تفلسف الحب والذات، وتصنع للوطن عباءة من صوف المفردات، تتدفأ بحطب الحب المحترق كالوطن المحروق، لتلوذ بحضن آمن فى رحم بعيد طاهر، يعيد النضار للبستان، والدفء للأحضان التى لم تعد تحتضن غير السراب، وهى مع كل هذا الحرمان والألم لا تفقد الأمل، بل تبحث عن فارس يعيد رتق شراع السفين، أو عن (رجل لم يخلق بعد)، تصنعه من خيالها، وتدلق ذاتها عليه، أو ترميه كبذرة وتهطل عليه 0(على حد تعبير صديقي الشاعر / سعد جاسم فى ديوانه الرائع) .

انه الهطول الفيزيائي للذات الخائفة من المجهول، والتائق لحبيب لا يجيء، وهى مع هذه الانكسارات والحرمان العاطفي نراها تزرع صحراءها بالحب والنخيل، وتهرع الى الصبر ليكسوها حلّة باذخة ليقيها من حرمان الذات لتتطلع الى مستقبل حالم مع فارس أحلام قادم، أو رجل تصنعه من شهقة فمها العطري ككرز بابل، أو أحلام ميدوزا، أو أسطورة الحب فوق جسر دجلة والفرات.

وبعد: أترانا فككنا شفرتها ؟ واطّلعنا الى خبيئتها، وسمقنا الى تنورها المتوهج؟ أم ترانا مررنا كفراشة نور فوق مباسم حروفها محاولين تقديم بعض وميض يجلى الخبيىء من عسجد زمردها الشعري الباسق والرائع والمدهش والجميل أيضاَ ؟!! .

أقول: لقد عرّجنا فى هذه العجالة عبر براق النور الى بعض مفاتح الجمال والشعرية، عسى دراسة أخرى تكشف المخبوء من كنز اللغة، وجماليات الصورة، وسلاسة الخطاب، وتناغم الهارمونى الدافق للصور المتدفقة كشلال يملأ عتبات وحواشى القصائد المتوهجة ن ببوح أنثى دافئة عبر لغة تحاور الروح، وتخاطب العقل بهدوء فتأخذنا معها الى مروج العطر، وأريج الحدائق الشعرية الباسقة .

انها شاعرة تقبض على جمر المفردات لتشعل نيران قلوبنا بمحبة رهيفة، وبوح أنثى يطنّ طبلها كطنين النحل عبر صحراء العالم ليحيلنا الى جمال الصورة، وعفويتها، وصدقها لبتعبيرى الناجم عن لغة تكسوها بصدرها المتوهج بالحنان والدفء للكون والعالم والحياة.

 

حاتم عبد الهادي السيد

رئيس رابطة الأدباء العرب - مصر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2653 المصادف: 2013-12-10 01:09:25