المثقف - قراءات نقدية

قراءة في رواية (صمت فضائحي) للكاتبة سارة شرف الدين

في روايتها (صمت فضائحي) الصادرة عن شركة مطابع السودان للعملة 2013، تحاول الروائية السودانية ساره شرف الدين معالجة الواقع الاجتماعي والدخول الى عوالم المسكوت عنه، من خلال أحداث درامية واقعية اختارت لها فضاء القرية السودانية وفق حبكة روائية وأبطال غاصوا في أعماق المجتمع بقوة.

ومما يُحمد للكاتبة أنها ثقفت نفسها في مجال الأمراض النفسية وطُرق العلاج النفسي كالتفريغ النفسي والتويم الإيحائي وقد أشارت الى ذلك عند تقديمها للرواية، وهذا ياتي دائما في صالح العمل الادبي، بالتركيز على النواحي غير السارة من الأحداث السابقة حيث أنها فيما يبدو تكون الجانب الممثل فعلاً للمرض * (1) وقد نجحت في توظيف هذه المعرفة والثقافة بشكل معقول في معالجة روائية ناجحة لأن القارئ يجد نفسه منساقاً في منطقية الرواية وأجوائها الميلودرامية وحبكتها الموفقة، يظهر ذلك من خلال السرد  "انها عملية التفريغ النفسي وقد يتم ذلك بحقنة فيفقد المريض بعض وعيه .. حالة مابين اليقظة والنوم " * (2)، وهذا مشابه لما فعله الكاتب الكويتي سعود السنعوسي الفائز بجائزة البوكر العربية حيث قام بالسفر والعيش لفترة في بنغلاديش وتوظيف التجربة في روايته ساق البامبو * (3) والرواية العربية الحديثة حسب رأي كثير من النقاد أصبحت تأخذ طرقاً وأساليب مختلفة خاصة في الجانب السردي، " ولعل أهم ما تتتميز به الرواية الجديدة عن التقليدية أنها تثور على كل القواعد وتتنكر لكل الأصول وترفض كل القيم والجماليات التي كانت سائدة في كتابة الرواية التي توصف بالتقليدية،فاذا لا الشخصية شخصية، ولا الحيز حيز، ولا الزمان زمان ) * (4) ، والمتأمل لأساليب السرد والقص في الرواية العربية يجد فعلا التحول الكبير في الأساليب الفنية "عندما نتأمل مشهد الرواية العربية المعاصرة نجد أن الاسلوب السينمائي قد أخذ يتسلل اليه عبر مجموعة من القنوات بنسب متفاوته لدى الكُتاب " * (5)

تدور أحداث الرواية في فضاء القرية الجغرافي وتنتنقل في بعض تفاصيلها الى مدينة الخرطوم، وتنبني على فكرة محورية هي محاربة الدجل والتخلف الاجتماعي والعادات الاجتماعية السيئة المسكوت عنها من خلال الأحداث التي تدور في القرية – قرية المجانين – " قرية معظم شبابها مشغولون بأكياس التبغ وسجائ البرنجي وأنواع أخرى يتعاطونها بعد أن تهبط العتمة جوار الترعة " * (6)، وبين أبطال وشخوص الرواية تدور معارك اجتماعية وفلسفية قوية، فالبطل عجيب يمثل الشخصية المستنيرة التي خرجت من رحم القرية نفسها، وتُشكل معه نهى الطبيبة المتخرجة حديثاً نوعا من التحالف المستنير بينما تربط بينهما علاقة عاطفية تكون سببا في هذا التحالف الحميم الذي يصب في صالح فكرة الرواية ومن جانب أخر فان نفيسة – شقيقة البطل - تقف أيضاً لصالح تلك الأفكار التي ينادي بها عجيب ونهى، ينجح هذا التحالف المستنير في نهاية الرواية في علاج المرضى النفسانيين - رماح، ليلى،الأمين كباشي - الذي يطلق عليهم مجتمع القرية المجانين ويتحرج من ذكر أخبار مرضهم وهذه عقدة الرواية وجوهرها وفي نظر علم النفس الاجتماعي نجد أن " السلوك في حد ذاته ليس منحرفاً أو غير منحرف ولكن التقييم الاجتماعي للسلوك أي النظرة اليه والحكم عليه من جانب من يتأثرون بهذا السلوك هي التي تحدد ما اذا كان منحرفاً أم لا " * (7).

يقول وليم جراهام سمنر رائد علم الاجتماع وصاحب الطريقة الجدلية اللاهوتية " هناك أربعة بواعث عظيمة لسلوك الانسان، تعمل عندما يدخل عدد من الكائنات البشرية في ظروف حياة واحدة وهي الجوع والانفعال الجنسي والزهو والخوف، والحياة تقوم على إشباع هذه البواعث " * (8) وتشير الرواية في بعض تفاصيلها الى الصراع الطبقي المستتر والمقارنة بين الشخصيات في القرية وعقدة اللون الأسود واقترانها بالقبح أيضاً أثار الاغتصاب الاجتماعية، " كان يراقبها مع نفيسة في اعجاب ويتبعها من حذائها اللامع حتى ضفائرها المتوهجة وتنزلق عينيهما تلقائياً نحو أقدامهما الحافية وسيقانهما الغبشاء المتشققة مرورا بملابسهما المبرقعة بمختلف الألوان نهاية بضفائر نفيسة المشعسة بسبب عراكها الدائم مع أبناء الحوش" (9)، وفي موقع آخر من الرواية " عندما تقد لهما والدتهما البلح تأخذ قطعة واحدة على عكسهما حينما يجدا إناء حلوى مشهورا أمامهما فيغرفا منه الى تضربهما أمهما على كتفهما وهي تزيحه وتقول أولاد طبعكم شين " (10)، ويظهر الصراع الطبقي واضحا من خلال السرد وحديث البطل مع نفسه وتمايز الشخصيات داخل الرواية "هم من أبناء الطبقة الكادحة .. نوع مثله تربيا على ثقة عالية بالنفس ودرجة رهيبة من التعفف فلم يشكل الفقر عقبة أما أحلامهم ولم يلبسا قناع ثراء زائف ولم يحتقرا بيئتهما " (11)،بينما يقف في الجانب الآخر من لم يستطع استيعاب واقعه وحاول أن يخرج من عبائته الاجتماعية كالامين الكباشي " لم يتفاجأ حين مرض الأمين فهو في عالمين، عالمه الذي شيده بأكاذيبه وملابسه التي يستعيرها من أقاربه الميسورين وسجائره الفاخر الذي يزيِّن جيبه دون أن يمسه يوماً فقط تظهر العلبة الفاخرة بالقداحة في جيب القميص و لكن هذا العالم ينغص عليه عالم آخر ولد فيه هو ومنه اليه أصله الحقيقي ... " (12)، فمشكلة الامين الحقيقية كانت في رفضه النفسي لهذا الواقع مما سبب له نوعا من الفصام النفسي بينه وواقعه " رفض الأمين لهذا الواقع ومحاولاته الجاهدة للالتصاق بأبناء الذوات جعله يدور حوله كدرويش .... كانت أكاذيبه تكبر كل يوم الى أن انفجرت في وجهه " (13)، وعندما يقرر البطل التشخيص " مرض الأمين دا حق مستشفيات مافقراء .. الامين ما معيون ولا لابسو جان الزول ده عندو انفصام ولازمو علاج " * (14) هنا تبرز مشكلة المجتمع في رفضه للاعتراف بالمرض و تعييره للأسر التي بها هذا النوع من المرض وعقدة الذهاب للمستشفيات النفسية أو العصابية وخوف الأب من العار الذي سيلتصق به وبالمريض " كدا ياعجيب يا ولدي أخرتا عايز تمرق أخوك مجنون تب .. لا ياولدي دي الناس تمسكا علي لي جنا جناه .. " (15) .

أما عقدة اللون والقبح فتظهر على لسان نفيسه عندما تقول " لو كنتي زيي كده خدورية ونخرتك قدر الكدوس كنتيرقصتي عشرة بلدي لما يجيك عريس مغترب .. كانت نفيسه داكنة البشره لها أنف ضخم يفصل بين شفتين مشاغبتين وعيون صغيرة بها أهداب كثيفة كانت خليط بين وجه أمها وأبوها، وجه الأم الداكن وعيونها الصغيرة وأنف الأب الضخم " * (16)، وتبلغ الرواية ذروتها عندما تكتشف نهى عقدة ليلى النفسية الحقيقية من خلال جلسات التفريغ النفسي " كتلني .. كان الحوش فاضي ومافي زول جرَّاني الديوان بكيت .. شرط فستاني ورماني في الواطة بعد داك قفل الباب والدم كبَّى ..و انا بكيت واستفرغتا وهو طالع قال لي قولي لي سفيان دي هدية مني ... " * (17) وفي المقابل أثر هذه الحادثة وردة فعل الاسرة والحبوبة المشهد الذي تسبب في العقدة النفسية فيما بعد لليلى " بكيت وحبوبتي جات من بره لقتني واقعة صرخت ولما كلمتها ضربتني وضربت روحها وشالت التراب كبتها في راسها " * (18) .

الرواية تلخص مشكلة المجتمع على لسان نهى عندما تقول بعد قراءتها لخطاب سمية "تعرف مشكلتنا أننا في مجتمع كل شيء عنده فضيحة " (19)، وبشكل عام هي رواية واقعية حاولت أن تغوص في أعماق المجتمع القروي البسيط وعالجت بشكل كبير جزءً من المشاكل المسكوت عنها، التابوهات الجنسية والنفسية، والكبت والعُصاب الذهني وضعف التنشئة الاجتماعية وآثار الاغتصاب على الفتيات وبفضل دراميتها العالية واسلوبها السينمائي وأحداثها الاجتماعية المثيرة والمفتوحة تستحق أن يلتفت اليها كُتاب السيناريو لبلورتها في عمل درامي سينمائي متميز .

وما يُعاب على الرواية هو بعض الأخطاء الطباعية الناتجة من عدم التنسيق، فنجد الفصل الخامس يفاجئنا مباشرة بعد الفصل الأول، كما أن التقريرية والمباشرة وبروز رأي الكاتب وتعليقه على الأحداث في بعض أجزائها كاد أن يُفسدها خاصة في استهلالية الرواية والحديث السردي الذي يصف جامعة الخرطوم إذ تقول الكاتبة : " جاء التخريج سريعا في كرنفالات تحييها جامعة الخرطوم سنويا في احتفالين منفصليين واحد يقيمه الطلاب ويجدون فيه حريتهم وآخر للجامعة وهو رسمي يتمخطر فيه الطلاب بروبات تميل للأخضر الفاتح .. فجامعة الخرطوم لاتعطيك شهادة أكاديمية فقط بل تصنع منك انسانا " * (20) ويستمر السرد في لغة أقرب الى التقريرية المباشرة في الصفحات التي تليها، وفي موقع أخر تعلق الكاتبة على الأحداث فتقول بتقريرية واضحة  " نحن مجتمع حُشري وطُفيلي ونمَّام وعاشق للمذابح " * (21)، بالرواية كذلك نوع من التعاطف الجندري ضد البطل عجيب في موقفه العاطفي ازاء تصرف حبيبته نهى التي لم تستطع البقاء معه الى النهاية واختارت الاغتراب وهنا نرى أن الكاتبة وقفت موقفاً غير محائد وضد الرجل المستبد في رأيها، لكن بالرغم كل ذلك فقد حققت الرواية هدفها وجاءت حافلة بالمتعة والاثارة .

 

.....................

(1) مرجع في علم النفس الاكلينيكي – د. مصطفى سويف – دار المعارف – القاهرة  1985

(2) رواية صمت فضائحي – ساره شرف الدين– شركة مطابع دار العملة  - صفحة 54

(3) مجلة العربي – عدد يونيو 2013 م – حوار منشور مع الفائز بالبوكر العربية

(4) في نظرية الرواية – بحث في تقنيات السرد – تأليف د. عبدالملك مرتاض – عالم المعرفة  1998 – ص 240

(5) أساليب السرد في الرواية العربية – د. صلاح فضل – دار سعاد الصباح 1992

(6) رواية صمت فضائحي – مصدر سابق ص 8

(7) علم النفس الاجتماعي – دكتور حامد عبدالسلام زهران – عالم الكتب – القاهرة ط 5 1984

(8) تاريخ الفكر الاجتماعي – غريب محمد سيد أحمد –دار المعرفة الجامعية – الاسكندرية 1990

(9) صمت فضائحي – مصدر سابق ص 15

(10) المصدر السابق ص 15

(11) المصدر نفسه ص 17

(12) المصدر نفسه ص 18

(13) المصدر نفسه ص 16

(14) المصدر نفسه ص 26

(15) المصدر نفسه ص 26

(16)المصدر نفسه ص 65

(17)المصدر نفسه ص 91

(18) المصدر نفسه ص 91

(19)المصدر نفسه ص 119

(20)المصدر نفسه ص 95

(21)المصدر نفسه ص 101

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2653 المصادف: 2013-12-10 22:43:32