المثقف - قراءات نقدية

العرض المسرحي جمال الليل .. قراءة نقدية

(ان الكلمة في الحياة هي دوما وسيلة يحاول بها الانسان اجراء هذا التغيير اوذاك في وعي المتلقي) .. بوريس زاخوفا

(لا غرض لإيقاع الكلام إلاّ أن يمثل إيقاع الفكر) .. بريجسون

في مسيرة نقدية اراها متواضعة تأصلت لدينا منهجية معينة بتدقيق الفرز والتمحيص اساسها الظواهر والقضايا في عملية وصفية تحليلية تستمد مادتها من ارشيف تجريبي ذو دلال ومقاصد لا يخرج عن دائرة الفكر المنبعثة من صيغ تعبيرية وفنية حتى ارتسمت مواطن الجمال امام اعيننا فاشرنا لها باصابعنا وعن ابجديات فنية فنشرناها للملأ واحساس ارهفنا قلوبنا له فطبعناه في ذاكرة من يؤمن بحرفنا .. والحال هذه اعطانا القدرة على التاشير بالقلم الاحمر لكل انحراف عن جادة الجمال من خلال الرصد والمقاربة والمقارنة هذا ظاهرا اما باطنا فرفضنا للتفكير الفج السمج جعلنا نقع عليه بسهولة ويسر اينما حل.

في مسرحية (جِمالُ الليل) تاليف عمار نعمة جابر واخراج خالد علوان التي عرضت في محافظة ميسان وعلى خشبة مسرح النشاط المدرسي تمثيل الاعلامية ولاول مرة طيبة احمد بالاشتراك مع .. مكي حداد,صلاح مهدي,جبار مشجل,علي دواي ومجموعة من الشباب المتميز .. الاضاءة ابراهيم فريح .. الموسيقى والمؤثرات محمد الرسام وبادارة الاستاذ علي الربيعي .. في هذا العمل اراد الكاتب ان يرسل صورا موحية دافقة تتشضى من اعماق النفس الانسانية محاورا بها اغوار انفعالات المتفرج بان صنف لنا الناس في لحظة الطف لحظة الممايزة فجعلهم طوائف متعددة .. طائفة يتناوشها نزوعان نزوع دنيوي متعملق ونزوع اخروي متدني وفي لحظة الفرقان جذبتها القوة الاكبر قوة حب الشهوات فسقطت حتى اذنيها خاسرة خائبة في وحل التخاذل فغدت جيفة لا تسر الناظرين .. وطائفة كانت ترغب بالدنيا ولكن بدرجة اقل من طلب الاخرة فبلغت جرف الامان والفوز ولكن بعد صراع شديد بلغت فيه القلوب الحناجر ومعاناة شديدة اقضت مضاجع اصحابها فكانت النهاية سعيدة .. وطائفة لا يعرف التنازع طريقا اليها موطنة نفسها على امر واحد اما مع الحسين او ضده وهي التي كانت متواجدة منذ اول وهلة في المعسكرين معسكر الحسين ومعسكر بني امية .. اما من سلطت عليه الاضواء بشكل مكثف في المسرحية من الطوائف السالفة الذكر فهما الطائفتين الاولى والثانية لنشهد اخيرا خطابا متعدد المعاني والرؤى والغايات ساحته الخشبة ابطاله المخرج والكاتب من جهة والمخرج والمتفرج من جهة اخرى.

كان الكاتب مفضوحا ما بين وجهه كمراقب ذو كاميرا عدستها الحياة وقناع المسرح المتكاثف الوجود قبالة المتفرج حتى بدت المسافة الفاصلة بين الاثنين من الشفافية بدرجة لا تذكر حيث تاكدت المشارب الايديولوجية والعقائدية لديه من خلال ماركسيته الاجبارية وفرضه لحقيقة هو يؤمن بها دون ان يعطي للمتفرج من خلال مفصليات الحكاية التي سردت امامه فرصة لتدوين افكاره او مساحة لطرح رايه اذ لم يكن هناك حجاج فكري وادراكي واقتناع ذاتي من القوة بمكان ما يستطيع به الكاتب ان يكون محايدا لا ان يسقط تحت تاثير هذا ما الفنا عليه ابائنا وان تواجد ثمة حجاج ما فانه لايرقى لان يكون صدمة وصعقة لمن لا يعرف معنى الحسين او حتى من يعرفه لكنه يعيش في غفلة عنه وفي رايي المتواضع ان قيمة المسرح هي بالتغيير والتاثير وزحزحة الافكار الفاسدة والاخذ بيد المتلقي لمرافيء النجاة فكريا وسلوكيا مع تثبيت اركان ما متوافق عليه مع الغاية والصيرورة الايديولوجية وكل ذلك خاضع لعمق الحوار مع المشاهد في اخذ ورد.

الحسين عليه السلام حقيقة تتجسد كل يوم في ابجديات حياتنا فجميع من حل في محطة القطار التي مثلت بيئة العمل كان يعاني التيه عن حقيقتة كمنقذ للبشرية فالمحطة هي تيه الامة .. الامة العاق التي تخذل ابطالها وترددها في حسم امرها اما مع او ضد او لا هذا ولا ذاك وهذه المتاهة والسكك العديدة وغرائبية المحطة وقاطع التذاكر والمسافرون كل تلك العناوين هي في حقيقتها متاهة الكاتب والمخرج والممثلين والجمهور بما كونهم بشر فكل منهم له نصه الذي يكتبه بانفعالاته وشجونه وقهره فالكاتب لديه النص الثابت والمخرج له نصه الذي يريد ان يطل به على جمهوره والممثلون لهم نصهم الحركي والادائي والجمهور كذلك يريد ان يقول قولته فصنع له نصا وربما نجد اختلافا كبيرا بين كل هذه النصوص من ناحية الاسقاطات الواقعية والحقيقية لياتي دورنا المكمل لهذه الانفعالات كناقد محاورين كل هذه النصوض ليكون لنا نصا يمكن ان نجلو به الكثير من التعمية والغموض لدى هذه النصوص.

اراد الكاتب ان يضغط مرحلة مهمة من التاريخ في اطار واحد اكده عنوان العمل جمال الليل مما اعطى انطباعا بمعالجة جزئية مختزلة .. قصة العمل تتلخص زمنيا في ليلة عاشوراء الحسين وتداعيات خطابه لاصحابه بان يتخذوا هذا الليل جملا للابتعاد عن ارض المعركة والحفاظ على انفسهم ان كانوا يفضلون الحياة على الموت هذا زمن المسرحية وهو زمن متوقف ظاهريا وان كان له مصاديق زمانية حركية ممتدة لم يُفَعِلها الكاتب.. اما بيئة المسرحية فهي محطة قطار تستقبل الفارين من كربلاء وتودعهم وكذلك تستقبل المتوجهين صوبها وصوب الحسين لنصرته بادارة قاطع التذاكر وهي بيئة واقعية نعيشها جميعا كل يوم وكما قيل سابقا ان زمن الحرب يعلمنا دائما في أي معسكر نكون.

كانت هناك رغبة ملحة للكاتب ان يتواجد في نصه بعض التماسك والترابط العضوي بين الحدث والشخصية والغاية والصيرورة الفنية من خلال تلاحق وتصاعد العمل وهو تقليد مسرحي معروف بان ينطلق العمل من قمة بطيئة الحركة ترتقع تدريجيا حتى تصل الى قمة انفعالية تتمثل بحتمية غير مفروضة الا ان تراخي بعض الحوارات وتماهي الشخصيات وتكرارها اثر في هذا النسق بعض الشيء حتى كاد ان يسقط في شكلنة الايقاع التقليدي فلو انه استعمل تشبيهات واستعارات حديثة جديدة معاصرة لانعش المخيلة وتجرأ لاشعال المسائلة للذات وبالتالي كسر طابع الرتابة الذي كان للمخرج دورا في تنحيته من خلال اداء الممثلين وادارتهم من قبله .

اراد الكاتب ان يعزز موضوعة العدد والنصرة في تاصيل فكرة ما تتمثل بانه لو كان مع الحسين قوة اكبر لكان الموضوع مختلفا وهذا ما لا نقبله على اعتبار ان الحسين ليس بهذا الضعف كي يبحث عمن ينصره وبهذه الطريقة المتوسلة من خلال التركيز على عبارة (الا من ناصر ينصرنا) أي النصر العسكري واكمال العدد.. لا فالموضوع ليس بهذه السذاجة رغم ان الرجل الاول كان قد ذكر في دفاعه عن رؤاه متمردا على المؤلف في تكثيفه فكرة النصرة العسكرية (هو سيموت في كل الأحوال .. سيموت بنا أو بدوننا).. وحتى لو تاكد للرجل الاول ان الحسين سينتصر فسيكون فعله كما هو الانهزام والتردد وهذا القول يجب ان لا يكون من نصيبه أي من نصيب الرجل الاول كان الاجدر ان يكون من نصيب الثابتين على النهج الصحيح ومع علمهم بمصير سيدهم فهم متوجهون لمشاركته الموت كما في الرجل الثالث.. فالقوى الاستعمارية الاستكبارية جعلت نفسها في تموضع مضاد لكل حسيني قرُب او بعُد زمانيا ومكانيا فتمثلت بيزيد وقواته فلو تسنى للحسين ان يجمع شتات اصحابه جميعهم ويقف مقابلا لجيش يزيد بنفس العدة والعدد فهذا مالا يقبله الاستكبار العالمي وبالتالي تجييش الجيوش العالمية برمتها للقضاء على هذه الثورة واخمادها مما يقودنا لامر لا يصح تجاهله فرضيا ممثلا بالحتمية الالهية وقول الحسين (شاء الله ان يراني قتيلا شاء الله ان يراهن سبايا) اذن مقتل الحسين واهله واصحابه والهزيمة العسكرية الكبيرة في صفوف جيشه الذي ناهز السبعين رجلا ليس مرده قلة العدد وان المتخاذلين لو كانوا معه لكان هناك كلام اخر فهذا قول غر لا يعي قضية الحسين فكما قلنا انفا ان الحتمية الالهية والحتمية الاستكبارية لدى اعداء الدين والحسين عاملان حسما القضية لكن تفرعها الاخلاقي والانساني يحمل كل هذه الطوائف المتخاذلة عن نصرته ذنبا كبُر او صغُر وبالتالي يجب ان لا نعطي صورة مشوشة بخصوص الحسين وفي موضع معرفي كبير كالمسرح.

بما ان العمل حداثوي بروح تاريخية يتكيء على موروث ميثولوجي كان يجب ان لا يُحصر الحسين بموضع الضعيف وباحتياجه للنصرة بل وجب ان يتطرق النص لقضايا معاصرة تلامس سلوكنا الانساني وتخاطب شخصياتنا التي يختمر في عقلها وقلبها هذا الارث الميثولوجي وتفعيل الخطاب الاني بطرح نصرة الحسين من خلال سلوك الانسان بما هو انسان دون التصنع بموالاة مشوهة غايتها الشكلانية دون الجوهر فخروج الحسين هو لتعميق انسانية الانسان وهل الحسين وثورته الا الحرية  وهل الحسين وثورته الا الانسانية فاقتطاع الكاتب لجزئية بسيطة من تاريخ ثورته على مر الدهور بنصرة عسكرية اكدها عنوان العمل الذي لم ياتي شاملا بل هو مدعاة للقبول والتراخي والتماهي مع الانكفاء تحت جنح (جمال الليل) وهو الخطاب الحسيني بابراء ذمة من يريد التراجع بعيدا عن المعركة وارضها كي لا يسجل عدوا للحسين وثورته وذلك في ليلة العاشر من محرم مما حدا بالكثير ان يستثمروا هذا الخطاب لامتهان التخاذل حيث وجدنا لهم عناوين كثيرة في هذا الزمن مكتفية بالمشي والطبخ واللطم وترديد قصائد باسم الكربلائي ومتابعة محاظرات الريزخونية نتيجة لـ (جمال الليل) في زمن بات يستهجن الظاهر دون الباطن لان العالم اصبح اكثر وعيا وتالقا ونحن نسير القهقريا في ظل ترجمات عقيمة لحقيقة الثورة والرفض.

حام الكاتب حول قضية الحسين الا انه لم يصل لمحطة الكشف عن هوية الحسين الحقيقة وهذا ما يقع به اكثر من كتب عن الحسين لعوامل عدة خلل في السرد وضعف في خلق الشخصيات مع تجاهل الحبكة الرابطة القوية وان كشفها في باديء الامر متمثلة بالقطار القادم وهذا ما لا يقبله السياق العام والمعتاد لكتابة المسرحية .

صراع الشخصيات لم يبلور لانتقالات متجددة في نسغ ومسار الحدث حيث بدت ثمة سلبية واضحة لتلك الشخصيات ولم تجد لها ما يواجهها بعنف لترتخي اوصال العمل امام هذا الانفراد السلبي وان كان هناك بعض الايجابية في شخصيات مناوئة الا انها لم ترقى الى ان تُكمل حلقات الصراع.

من شروط تقنية الحوارات في النص المسرحي وكما اراها ان لا يكون حوارا بقوة ما لتجد حوارا اخرا بدرجة اقل وضعفا اكبر بل يجب ان يتجاوزه لياخذ التصاعد الفلسفي مداهوفق مبدا اظهار الابهى.

كان على الكاتب ان يستغل الفرصة في هذا العمل الفرصة الفريدة للانطلاق بعملية صياغة جديدة للتاريخ ساحتها الحسين ليتنقل ما بين الحتمية ورفضها لكنه لم يقبض على اللحظة المعاصرة وخاصة من خلال الحوار الذي بدا ركيكا في بعض الاحيان ومختزلا في احيان وميتا في احيان اخرى اسعفته قدرة المخرج والممثلين لتخفيف بعض لزوجته المعفو عنها .

التحرر المامول من نمطية العلبة العراقية الشيعية الحسينية لم يتوفق بها الكاتب في ارتحالات فضائية عالمية تاخذ باليد لولوج عوالم متسعة من الرفض لكل القيم الفاسدة المتمثلة بالقهر والظلم والانحراف والجهل .. والاندماج والانصهار بقيم كونية مبداها الحب والتسامح والعدل وتعبيد طريق اللاعودة للعبودية مما يدعونا للقول ان الكاتب تخلى عن الشعبية العفوية التلقائية التي يجب ان تتوافر في الاعمال المسماة (الحسينية) لكن بشكل عام استطاع المخرج ان يوقف زحف الكاتب في فرض سيطرته على العمل بان اكد نظرية ارسطو في الاندماج الكلي مع واقعية السرد واسقاطاته باعتبار ان الحسين لا يمثل زمنا بعينه فكل ارض كربلاء وكل يوم عاشورا ولا يخلو زمن من حسين ويزيد وهذا ما لمسناه في نهاية العمل من خلال قيام طفلين صغيرين بالبحث عن طريق الحسين وبهما اشارة كبيرة وجهها المخرج يمكن لنا ان نقول عنها انها اشارة كونية لا تختص بزمن او مكان او دين او مذهب او قومية.

تخطى المخرج الاستاذ خالد علوان انجازاته السابقة وانجازات من سبقوه حينما استطاع تطويع النص وفكرته وادوات المسرح واستنهاض كل صغيرة وكبيرة فيه كي يحلحل الجمود والرتابة الكلاسيكية التي غلفت اكثر الاعمال المسرحية المنضوية تحت يافطة (المسرح الحسيني) ليخلق صورا واعية يكتنفها الجمال شكلا ومضمونا حيث لمسنا نوعا من التحرر والانطلاق المسرحيين من براثن وسجن المباشرة نحو فضاءات التجديد والحداثة المبنية على اشتغالات الماضي ليس بما هو ماض صرف بل بما هو فاعل متفجر تدور في مدار ارهاصاته المعرفية المضامين الخالدة للحدث والفعل الانسانيين اللذين من اجل تاصيلهما لدى المجتمع خُلق الحدث المسرحي العام .

ثمة جذوة انتشلناها من خبايا ابداع هذا المخرج تمثلت بهذا التمرد القائم على تمرد اخر وذلك من خلال اشتغالات السينوغرافيا وادواتها المتعددة وهي بالتاكيد وان كانت لها عناوين حرفية واسماء لامعة امتهنت هذا الصنف من ادوات المسرح متمثلة بمحمد الرسام (موسيقى ومؤثرات)وابراهيم فريح (اضاءة) و (ديكور) لكن الواضح والملاحظ ان تاثير المخرج كان جليا على تقنية تلك الادوات حيث استطاع خلق موسيقى وايقاع هارموني داخلي لم يكن اثرا مفتتنا ومتقولبا على نمطية الاخرين بل شيء قائم بذاته لتهتز كل مكنونات الروح للمتلقي لتشرق في نفسه جماليات لا تعد ولا تحصى وان تصادمت مع جماليات خارجية وهنا تتضح فكرة الجمال بمواجهة جمال اخر فهذه الضدية التي يتخوف منها الكثير من المخرجين في تولدها لدى المشاهد .. خشية غير مبررة.. انما تكون لدى خالد جماليات متجانبة ليست مكملة لبعضها متعاكسة الظلال على اقل تقدير لكنها تُرجمت على وجه الاستقلالية والتفرد عُرف بها تفكيره الفذ وهنا تكمن ابجدية التاثير المتلازم مع الابداع وبالتالي استطاع المخرج ان يبعث برسائل دغدغة حسية كان يتعطش لها جمهور النخبة القت على عاتقه مسؤولية كبيرة بان يتحلى بالتفاعل الوجداني مع انفجارات العقل والتفكر وان يعي كل الرسائل التي انطق بها خالد علوان ميت النص وتخشب الفضاء الخارجي لتكتمل جمالية الصورة التي افقدها اصحاب التشابيه نظارتها وفعلها الحسي والانساني المعرفي.

ما اثارني حقيقة هو تفكيك النص لدى المخرج حيث استطاع وبحرفية فائقة اسقاط زمن السرد على زمن العرض والعكس صحيح من خلال طبيعة الشخصيات وازيائهم وادائهم حيث تخلصنا معه من شكلنة الازياء التاريخية التي اضرت بعين المشاهد كثيرا لانها كانت ستجعل ثمة فاصل روحي وزمني ومكاني بين المشاهد وما يعرض وكذلك الاداء والاسترخاء المعفو عن التشنج وبالتالي تحقيق اكبر درجة من الاقناع من خلال الشخصيات التي تتفجر حقيقة وكل يقول هذا انا حينما يواجه بسؤال القاه الكاتب بصوت المخرج على الجمهور, من انت واين انت فيما ترى وتشاهد لذا لم يسقط الكاتب او المخرج في الرمزية المؤطرة بالتعمية والغموض وهذا ما يجب مراعاته على كل من يلج باب المسرح ان يمسرح الحقيقة وينتزعها ولو من خرم باب لتصبح واجهة كبيرة تشمل الكون باسره في دفع المتفرج بصياغة الحدث المسرحي من خلال تفاعله الفكري وتشبيه نفسه باحد الشخصيات او حتى لو كان تمنيا وان لم تتطابق التوجهات للمشاهد والبطل وهذا ما نسميه مسرحيا .. بالانغماس العقلي في طيات العمل مما يقود الى ان جعل المشاهد بطلا للعمل المسرحي مدعاة لرفع العقبات امام المخرج لوضع ما يراه مناسبا من الوان تجعل ثمة تموسق روحي بين الظاهر والباطن بين المرئي والمخفي.

الايقاع الصوري وتتابع الصور وكيفية اشغال الحيز المنقطع ما بين صورة واخرى اجاد المخرج في ادارته من خلال فكرة المجاميع التي لم تترك ما يؤثر على هذا الايقاع المتمثل بالصورة وحيويتها فكان المخرج كالمياه الجارفة وهي تاخذ في طريقها سكون المصدر أي النص الى حركة الفعل أي الممثل ومفصليات العرض ليضفي عليه ايقاعا داخليا جديدا والابتعاد عن الايقاع التقليدي وهذه الادلجة النظرية تبدو منفصلة ظاهريا عن العرض لا يستشعرها الا من تعمق في خبايا العمل السمعيبصري من المشاهدين ليشهدوا ارتحال النص عبر التاريخ ميثولوجيا وسيسيولوجيا لا تنقطع مقاراباته النفسية.

بما ان زمن العرض قد صادف ايام تعد بالعرف الميثولوجي والسيسيولوجي العراقي اياما حسينية مما اختمر ذهنيا لدى المتفرج ان العمل حسيني الطابع والهوى .. كذلك قفز الكاتب مباشرة فوق سطح الاحداث بالتذكير بان السكك والمتخاذلين الذين ساروا عليها لها علاقة بالحسين وهذه المباشرة كان لها بعض الحرق للفكرة والاطروحة ليستسلما عنوة تحت سياط الكاتب دون ان يستمرا في حفر خندق لهما في مخيلة المشاهد.

الاقتصاد والتقشف بالديكور كان واضحا لا لاعتبارات مادية فمديرية النشاط المدرسي مؤسسة حكومية تتوفر لها ميزانيات مادية كبيرة لكن الفعل الجمالي الذي اعتبره هوية للمخرج خالد علوان منذ ان عرفته صاحب مدرسة مسرحية منفردة في محافظة ميسان جعله يتفنن وبرقي كبير في رمزنة المكان وشكلنة الرؤى والاحداث من خلال ديكور بسيط جعله يعلو فوق صباغ العروس صاحبة الشعر المجعد والجسد المتسخ واللون الاحمر يلتمع غباءا في وجه مختل التقاسيم وهذا ما اشرته لدى بعض المسرحيين الذين وان تكثفت لدينا نظرية الرفض لاعمالهم بسبب هشاشتها الا  انهم اهتموا بالبهرجة الغير محمودة الا ان مخرجنا الجميل خالد علوان استطاع ان يجمع كل الوان الطيف الشمسي في لوحة جميلة متناسقة الالوان وهي تعكس درامية النص وتبرر طبيعة الاحداث وطبيعة الشخصيات .

كان المخرج ناضجا اورفيوسيا بامتياز وصاحب صناعة تشكيلية معتدة هاجسها الجمال بخيال متوثب ساحر امتع العيون والعقول والقلوب .

اداء الممثلين قتل رتابة بعض طبقات النص وحوارته المثقلة بالتقريرية والخطابية.

مارس المخرج عملية تنظيمية فائقة الابداع للمجاميع التمثيلية من خلال التوزيع المدروس للعناصر وانفعالاتها الانطباعية للحدث الذي يجري امامها مع اداء جميل تحلى به ممثلو هذه المجاميع من خلال المواكبة دون التوقف او التراجع في الحوارات الذاتية او المقابلة للشخصيات الاخرى رغم وجود بعض الهفوات اللغوية لبعض الممثلين وخاصة الشباب منهم الا ان الشيء المهم الذي ادهشني رغم تقدم العمر ببعضهم الا انهم كانو من الخفة والدقة والجمال بمكان ان استحوذوا على كامل اصغائنا ولفت انظارنا وخاصة بعملية لطم الارض وتعفير الجبين بانغماس تراجيدي يعكس المواساة وهذا شيء من العرف والموروث الذي لا يمكن تجاهله ومن هؤلاء الممثلين الذين لا نجهل تاريخهم الفني المميز الاستاذ كريم صدام والاستاذ علي دواي ابو اكرم.

الغاية والهدف والرؤية الاخراجية لمخرج الروائع خالد علوان تكمن بان الحسين وقضيته والموقف منهما امران مصيريان يولدان بلا وسائل في فكر وضمائر وقلوب كل باحث عن الحقيقة والحياة وسط كل جبال الموت المتراكمة التي تجاوزت بعلوها كل الهضبات المنظورة لتبصق بوجه العدم ويبقى لها فيضها الخالد معينا لكل ثورات العقل والروح الانسانية على مر الاجيال فوجدنا الممثلين الرائعين زين العابدين واخيه علي ولدا المخرج خالد علوان وهما يحملان علم الثورة الحسينية يبحثان عن طريق الحسين ليشير لهما احد المترددين باتجاه طريق الحسين .. فطريق الحسين يلتقط الناس التقاطا كالطير وهو يلتقط الحب من بين ركام الحصى طريق الحسين يعرف اهله واصحابه وهو قائم مع الناس من المهد الى اللحد وهذه اكبر رسالة يرسلها المخرج بان الفوز والنصر وتحقيق الاهداف ينطلق ويعود للناشئة الذي بهم تعمر البلدان والقلوب وهذا ان دل على شيء فانما يدل على ان المخرج مزارع فذ ينثر بذوره في كل الاراضي العالمية خصبها وجدبها راغبا باستحالة الكون الى ارض للسواد تسر الناظرين وهنا تتاكد قيمة المخرج الذي ارسل في نهاية المطاف رسالة مفادها ان الشر الى تناقص وزوال وان العالم يسير نحو دور اكبر للانسان في تحسين هذا العالم.

اذا اردنا ان نحدد شخصيات العمل وارجاعها الى ذواتها تاريخيا مع قول الحسين ليلة العاشر (ان هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا)سنجد ان الرجل الاول وبطل العمل والذي استطاع ان يؤدي دوره الفنان القدير جبار مشجل اداءا جميلا راقيا ينبع من ثقافة وحرفية لا تتواجد الا عند من وطن ادواته على شيء اسمه الابداع وهذه الشخصية لها وجود تاريخي الا وهو عبدالله بن الحر الجحفي الذي عرف عنه الدعة وحب الدنيا لانه ابن ترف ومال لذا وطن نفسه على الهرب من الحسين ومسالة بقاءه على خشبة المسرح وحيدا وهو يرشد الاطفال على طريق الحسين ومتابعته لاخبار المعركة من خلا الشخصيات القادمة للمحطة كل ذلك ينطبق على هذه الشخصية التاريخية والتي كان لها دور بعد استشهاد الحسين في النصرة والشهادة من اجل الحق المتمثل بابي عبدالله الحسين فكان المخرج ذكيا جدا بان ابقى الرجل الاول على خشبة المسرح كي يؤكد حقيقة ندم وعودة الشخصية التاريخية الى حضرة القبول الحسيني وبذل نفسه رخيصة من اجل هذا المنهج أي ان تعبيرا ما قاله خالد علوان للجمهور بان بقاء هذا الرجل على الخشبة له ما يبرره مستقبلا ..اما قاطع التذاكر الذي ادى شخصيته الفنان مكي حداد العارف بادواته الاحترافية المتموسق كليا مع العمل وتداعياته وصاحب الظل المميز في كل اعماله .. فهو التاريخ البليد الذي كان يعرف من هو الحسين وما هي طبيعة ثورته الا انه متردد في انصافه ليبقى يراقب ويعطي النصائح العامة بوجوب نصرته لاعتبارات عدة اهمها الهاجس الانساني والاخلاقي الملازم للتاريخ المعتدل الا ان حلقة ما غير مكتملة لهذا التاريخ وهي مكوثه الغير مبرر مع وجود كل هذه القطارات المتوجهة للحسين والعائدة منه لكنه حزم امره اخيرا في عملية ذكية للكاتب بان جعله ينتفض على كل المعوقات فيتجه للحسين سالكا طريقه منصفا الحسين لاعنا كل من تخاذل عن نصرة الحق وبهذا الخصوص اجدني ملزما بالقول ان سوى هاتين الشخصيتين الرجل الاول وقاطع التذاكر والطفلين لم تتواجد قوة يمكن لها ان تتشظى حيث بدت بقية الشخصيات وكانها حشو لاسباب كثيرة اما لتكرارها في العمل نفسه ولطبيعة حواراتها المتماثلة وطريقة خروجها وعدم استقلاليتها عن باقي الشخصيات كما انها لم تنفعل بانفعالات درامية فيما بينها مع خلوها من مساحات لترجمة سبب هروبها من ارض المعركة بسرد الواقع السلبي لها او ذكر سبب مقنع لتوجهها لنصرة الحسين .. ودور المراة كان له ان ينفعل باكثر مما شاهدنا ففيها تكمن تصورات وخبايا كان يمكن لها ان تعلو بالعمل في فضاءات ارحب وابلغ دراميا وفكريا لكن الكاتب حجمها في شخصيتين وان اختلفتا مآلا الا انهما لم تنهضا بالعمل صولفيجيا لكن والحق يقال ان الممثلة طيبة احمد رغم علمي بانها ترتقي الخشبة لاول مرة الا انها كانت متمكنة من ادواتها اللغوية ولها حضور مسرحي واضح وان اشرنا نقطة بخصوص القائها السريع وصوتها الحاد الذي اقترب من جواب الجواب مع ملاحظة ما يجب بهذا الاتجاه ان يكون الالقاء في عمل تاريخي من هذا النوع ذو مستوى للصوت قرار او وسط القرار.. والرجل الثالث الذي ادى شخصيته الاستاذ صلاح مهدي ظلم بها الاستاذ بسبب عدم فاعليتها وليست لها تلك المساحة الكافية من الفعل الحسي والدرامي لكن الممثل تمكن وبخبرته الرائدة ان يضفي ثمة توهج رفع من رصيد الشخصية الابداعي ... لتمتد حقيقة النجاح فتطال الكبيرين كريم صدام وزميله الاخر علي دواي فكانا قوة هائلة استطاعت ان تدعم العمل بشكل دفع به الى الامام وبزخم كبير .. واكتملت صورة الابداع ببقية الممثلين الشباب.

الانارة والموسيقى مثلت حالة من التوافق السحري بين كل مفاصل العمل واعطت جمالية فائقة شدت المشاهدين لمتابعة الحدث بشيء من الترقب والذهول.

اخيرا لا يسعني الا ان اقبل تراب اقدام هذه الثلة المشرفة المشرقة المتجددة الناصعة البياض من فناني ميسان الذين ابدعوا باقصى ما يكون الابداع وهذا ليس غريبا عنهم.. ابداع هزنا فكريا وجماليا فارتحلنا معه في فضاءات واخيلة شتى وبالتاكيد سيكون القادم اكبر واعمق وانضج وهكذا يلعب الميسانيون على اديم الوجود في اثبات الوجود وبطريقة الاساتذة.

كما لاننسى بالذكر كاتب العمل عمار نعمة جابر والذي تمكن من نفض الغبار عن جدوى واهمية العمل الحسيني برؤى وافكار حداثوية نشد على يديه وانامله الجميلة وسيضاف كل هذا النجاح الى ارشيفه المتميز.

 

كاظم اللامي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2665 المصادف: 2013-12-22 00:53:29