المثقف - قراءات نقدية

نصوص الشاعر "رياض محمد" بين ثنائية المعادلة الحياتية: البياض والعتمة .. الجمال والقبح!!

ما بين الوطن والمنفي ومابين  الغياب والحضور، يطل علينا دائما الشاعر (رياض محمد) بقصائده التي تمثل صوتا شعريا مقطرا ومذهلا مبتكرا فى المشهد الشعرى المعاصر،  رياض محمد نشر عدة قصائد   ومن خلال مانشره،  يحاول دائما -عبر شعريته المميزة – أن يعيد ترتيب الحياة من خلال تفاصيلها التى نكاد لانلحظها أو نلحظها ولكن لانتوقف عندها بغرض الوصول لمعيار معادل للحياة المتداعية التى تتخللنا بقسوة مرعبة،   

يرسم الشاعر في قصائده الجديدة لوحات صورية فائقة الدّقة، وهذه الدّقة تكاد تكون اللون الجمالي الذي يغلِّف حروف كل قصيدة، وأحسب أن الشاعر يرتكز على هذه الصّورية بهدف تحقيق المشهد الجمالي الداخلي لدى نفسه أولاً ثم لدى القارىء ـ المُتابع لعملية البناء الصوري المشهدي الذي يُشيّد على مساحة اللغة والوعي في آنٍ معاً. هكذا أرادها الشاعر، لغة مفتوحة، مبنية على تفاصيل الشكل، جازمة بأصول معناها، متوالية الحركات إن في التعبير وإن في التفسير الضّمني للقصيدة.  يعيش الشاعر (رياض محمد)  كل محتويات 

النص، لا بل كل قرائن المحتويات التي تسعف ذاته الشاعرة التواقة إلى إرسال شفافية ورشاقة لغوية وقوة النبض وروح الشعرية العالية في موشور ومنظور  يقطر شعرية المعنى، ويبث النفحة الشذرية في مركب  لغوي - تراجيدي صوفي- في معظم نصوصه، إذ تزخر لغته بهذا الوعي الحاد بالعقل الشعري المركب في توليد الدلالات  وتحولات الذات الشاعرة في محاورها وترسيخ علاقتها بالعالم والأشياء .

  أن مقدرة الشاعر رياض محمد في التلوين والتنويع  تكمن في قدرته الفائقة في التحول من علاقة إلى أخرى، وترسيخ بنيان  الصور  الشعرية  داخل النص الشعري الواحد , , لذا نرى إلى تشكيل  جديد للصورة  واأنعطاف حاد في المعنى والمدلول داخل النص وخارجة يعني ألاطار العام  للقصيدة  "فالشاعر رياض محمد في كل منجز أو نص جديد  يؤكد لنا هويته الشعرية في اقتران ذاكرة الفعل وذاكرة الحلم والخروج من ذاكرة المكان والتواريخ للسفر على متن الشعر وتشعباته وكاشفًا التوازن بين الأسطوري والرمزي, وتتمحور القيمة الشعرية في نصوص الشاعر بين ثنائية المعادلة الحياتية الوجودية  مثل البياض والعتمة والجمال والقبح وهنا في قصيدة (خطوات) يرسم لنا الشاعر  كيف يكون "الحب حين تهرب منه الحاء او "  حين تختفي الباء من البهجة!!)  ويفقد المعنى وهي صورة جميلة فيى كشف السائد من العنف والحقد والكراهية بل  حتى الغيمة التي خاصمتها السماء هي دلالة  واشارة ذكية لحالة الجدب والتصحر في العواطف والمشاعر الانسانية في خضم موجه القتل والحروب والدمار . وينشد قائلا في هذا النص:    

 

خطواتنا التي تركناها

خلفنا ....

تنهض مرتبكة ....

تركض ....

تسابق ظلنا .....

علها تتمسك بارجلنا

من جديد !! ... 

 

ومن ثم يستكمل الصورة الشعرية الجميلة ويقول:

اوراقنا التي بللها

الماء ....

تركت حروفها

تغرق الى القاع ....

فمن يعيد الباء

للبهجة ....

ومن يستعيد الحاء

للحب !! .....

 الحوار المتمدن-العدد: 4269 - 2013 / 11 / 8 - 

 

اعتمد ( رياض محمد) في تشكيل الصورة على مخزونه الفني من خلال خبرته الكبيرة في  العمل المسرحي والسينمائي  وهذا هو المؤدي إلى رسم  السيناريو السينمائي للقصيدة و للصورة الشعرية، فنجد الشاعر  يتحرك باللغة وينهض بها في اتجاه حركي درامي،يشعر به القارئ من خلال أصوات الشخصيات ومن خلال حركاتهم الصامتة التي تتخلل المقاطع الصوتية,  هناك شئ أخر ليست الصدمة وحدها هو شعور المتلقي لمنجز الشاعر بل يشعر

أيضا بإعجاب واندهاش لهذا النظم المبتدع الذي يتحدث عن مواطن حساسة من تجربة الإنسان وقصيدة "قتيل " عنوانأ لقصيدة الشاعر هي استفزاز للمتلقى أو القارئ واستقطاب له من اجل القراءة وهذا الاستقطاب يتم بموازاة دلالات ارادها الشاعر ان تكون بعيدة عن العنوان بشكل رمزي , يمتلك الشاعر (رياض محمد) طاقة شعرية هذه الطاقة الشعرية التي تدفع بالشاعر ان يرتب صوره الشعرية بطريقة الفلاش باك والعودة الى زمن يؤطره بالندم لانه اضاعه بين السياسة والكدح وتلك الصور المخزونة بالقلب دون الذاكرة و(القتيل) الذي انصهر روحه هناك تواق في رسم سنوات العمر الباقية وكما ان الشاعرمن النوع الذي يعتمد في تركيب الصور (السينوشعرية) يكون أطارها الاستلاب والقهر بكل مفاصله وابدع في صياغتها في تلك القصيدة المكثفة يقول الشاعر:

وحيد انا

طائر كسر جناحه

والقلب

ماذا خبأت ايها القلب ؟؟؟

صورا لطفولة بائسة

وشباب ضاع في

الكدح والسياسة

وحبيبة

لم تترك خلفها

غير وجع مميت

وغبار سنواتنا

القمر المكسور

اضاء وجهها

وهي تضحك في عريها

الممتد على طول الارض !! 

 

الحوار المتمدن-العدد: 4280 - 2013 / 11 / 19 -   

من حيث الإبداع الشعري، ينتسب الشاعر رياض محمد إلى تيار الحساسية الشعرية الجديدة التي تنشد كتابة شعرية مغايرة للسائد من قصائد اعتادت على سماعه اذن وحواس الملتقي من جيث النبرة وشكل الخطاب وتحديد الرسالة ومن البدء (من عنوان القصيدة) يقحم المتلقي في التفاعل مع دلالات النص الشعري كي لا يقع القارئ في الالتباس انها القصيدة يوجهها الواضح الملامح وهو مفهوم جديد للشعر، وتحكمها رؤيا مركبة للوجود الإنساني، وتنهل من لغة شعرية تعشق التجريب، ولا تؤمن بالجاهز والنموذج. ولهذا ارى ان ذكاء الشاعر في التقاط الصورة التي تقترب من الهمْ الانساني والذي هو وجع الشاعر نفسه وعلى هذا المعيار تقف قصيدة " دمشق " على ضفة التجربة الذاتية للشاعر ولكنه يجعل من معاناته معادلة الى تجربة شعب عانى ولا يزال يدفع ثمن حريته (للسجان) الذي تلهب سياطه اجساد ابناءها الاحرار مثلما الهبت جسده الناحل وفي هذه القصيدة الراكزة انشد:

  

لم تكن البلاد

غير سجن

ابوابه الاجساد العارية

التي تلهبها سياط الجلاد

وشمس تموز

لا تأبه للرؤوس الحليقة

الظهور تصرخ

والموت الذي يأتي

من كل زاوية

المدن خراب

تهبط الملائكة في الليل

لتقتل في النهار

والقاتل ..... قتيل

ودمشق التي سورها الله

بالخمرة والزيتون والياسمين

 

الشعر والقصيدة هي التي تظل رفيقة الشاعر أينما حلّ وارتحل، وسيظل يحملها في كيانه ووجدانه، ويتحمل دونها الصعاب كيفما كان الحال، لأنها روح الشاعر وملاذه وأنيسه الحميم في كل لحظة، فلا مناص من الشعر مادام يسكننا ومادام للكلمة أقوى سلطة..!!  

وفي قصيدة (بلاد) جسد  الشاعر (رياض محمد) البلاد  بصورة يستحضر الشاعر  فيها صورة الوطن البهي وهوالوطن الحلم الحرُ وليس الوطن الغارق في الوحل والدم والتي اوجز الشاعر في توصيف خرابها (ولم تبق منا...ومن بلادنا ...غير الرماد !!! وهذه الصورة الجميلة " يرسل الشاعر (رياض محمد) هنا رسالة او (مسجات) وهي ان الحروب ودمارها وبساطيل الغزاة وزحف الموت والخراب على مدينته او وطنه بعد كانت في ذاكرته مسورة بالمحبة والخصرة  وهذه صورة شعرية جميلة واستعارة في هروب النوارس ووجعها نتيجة الى  أغترابها وأخترت من هذه القصيدة المقطع الشعري حين يقول: 

وبغداد مثل دجلتها

تفتح ذراعيها

لسكارى اخر الليل

وهم يغادرون حاناتهم !! ..

لم يكن الله

قد غادر البلاد بعد

ولم يكن يعرف

دروب المنافي !! ... 

كانت الناس تحلم

بحياة سعيدة

ورزق وفير !!  ...

والكلاب السائبة التي

اكلت لحم الغزال

تجوب البلاد

بحثا عن فراشة

سرقت رحيق زهرة

في قصر الجلاد !! ....

الافق اسود مثل ارواحهم

والعراق يئن تحت بساطيلهم

والحرب التي على الابواب

الحوار المتمدن-العدد: 4302 - 2013 / 12 / 11 - 21:13

 

رياض محمد الفنان المسرحي شارك في اعمال مسرحية لفرقة (المسرح الفني الحديث) في سبعينات القرن الماضي والشاعرالذي ظهرت بواكير موهبة الشعر عنده في وقت مبكر من دراسته والمُحِبّ للكلمة الطيبة، العاشق للشعر والمسرح، المتيَّم بالموسيقى والإيقاع والنغم، يرافقك ذالك في أيقاع القصيدة، يحاصرك برقّة، ثم يحملك برفق على أجنحة شفافة من البهجة إلى أقصى سماوات الفن والإبداعي وتتنسم من حدائق معرفته الغنّاء، ويغريك بالدهشة . شاعر مولع في الموسيقى الداخلية والخارجية للآلفاظ والعبارات ما يجعل قارئ شعره ينفعل به ويطرب. ولكي ينجح الشاعر رياض محمد في رسم الصورة الشعرية الرائقة يستخدم للوصول الى مبتغاه تقنيات التجريد والتجسيد والتشخيص والمجاز بما فيه من تشبيه واستعارة وكناية وتلميح وغيرها,  لذا نراه يقدم الشاعر رياض محمد في أغلب نصوصة التفاصيل الشائكة للصور مثلآ في قصيدة (غريب) يقول الشاعر: 

لا ترفع صوتك

ايها المذبوح

كي لا تفزع الاشجار

العارية فينا !!..

البياض يطوقنا .....

مثل سجن بلا قضبان !!..

و يسترسل في قصيدته ويقول:  

البحر رمادي

مثل فروة الذئب

روحه تتلوى مثل افعى

الصحراء !!...

والنوارس ضباب

تخرج من احشاء الماء

 الحوار المتمدن-العدد: 4300 - 2013 / 12 / 9 - 14:51

يمكن أعتبار هذا النص الشعري (غريب) قصيدتان يرتكزان على مرتكزين مكملين لبعضهما في المقطع الاول نقطة الارتكاز هي حالة الاستلاب للحرية بكل اشكالها (لاترفع صوتك) وفي المقطع الثاني جنح الشاعر نحو استلاب من نوع أخر الا هو الحلم المسروق وهنا اشارة الى حلم بوطن جميل موسوم بالصفاء والبهاء يحتضن ابناءه الذين تفرقوا في اصقاع الدنيا...؟؟؟  ة

عند النظر في نصوص الشاعر رياض محمد نلتقي بقدراته الابداعية, إنه شاعر مفعم بالآحساس المرهف متمكن من أدواته ببراعة مشهودة. في قصائده تشكيل لفضاء مسرحي حر بكل ما حمل وتوحي الكلمة من معنى!! نصوصه لوحات تشكيلية فنية بصرية منقولة الى البصيرية الرؤيوية الداخلية وبالذائقة المتلقية التي تقتنص الصورة لتقع في الدهشة المشبوبة بنار التجربة المرسومة بحذاقة وحِرفية عالية لتلقي بنا في حالة من الدهشة  والجمال يقول في قصيدته (روح):  

اعزفيني لحنا

ساذوب بين أصابعك

جسدك الكمان

يعزف في روحي .....

نهداك يرقصان

....مثل غجري اسكره اللحن!!

ومن خلال متابعتي وقراءتي للمنجز الشعري ل (رياض محمد) اجده شاعر ملهم شفاف أنيق الحرف وفي ذات الوقت ذكي في تصوير المفردة وكذالك أستلهام التاريج وشخصياته وأساطيره وهذا يبرز في قصيدة (روح) حين يقول:   

تعالي الي

كما انت

حورية من بنات سومر

او ملكة من بابل

او الهة من قرطاج

يعيش الشاعر (رياض محمد)  كل محتويات النص، لا بل كل قرائن المحتويات التي تسعف ذاته الشاعرة التواقة إلى إرسال شفافية ورشاقة لغوية وقوة النبض وروح الشعرية العالية في موشور ومنظور  يقطر شعرية في المعنى، الكتابة الشعرية عند الشاعر- إطلاقًا- ليست نزهة, بل هي استمطار الألم العظيم، والقصيدة هي نداء الباطن الكثيف المكثف بكل حلقات التخيل الذي يرشح عنه الفعل الشعري المتقد, يصدمك الشاعر بقوة أداء قاموسه اللساني الكثيف, في كثافة ظلاله المعرفية في ترتيب بيته الشعري الذاكراتي، وفي النبرة الحادة للسياق الحاد عبر مشهدية شعرية مليئة بكائنات تتحرك بوعيها الاستثنائي على مساحة النصوص.      

 

الكاتب - علي المسعود

كاتب عراقي مقيم في المملكة المتحدة

 ........................

 

من نصوص الشاعر (رياض محمد)

 

دمشق

لم تكن البلاد

غير سجن

ابوابه الاجساد العارية

التي تلهبها سياط الجلاد

وشمس تموز

لا تأبه للرؤوس الحليقة

الظهور تصرخ

والموت الذي يأتي

من كل زاوية

المدن خراب

تهبط الملائكة في الليل

لتقتل في النهار

والقاتل ..... قتيل

ودمشق التي سورها الله

بالخمرة والزيتون والياسمين !! ...

زنازين باردة

والسجان يغني في وحشته

مثقل رأسك

غادره الجسد

كأن الله

كلما اصطفى امة

انزلها الى الحضيض ....!!!!

الزنزانة ....

ضيقة مثل قبر

والزمن الذي اوقفه

المصباح الشاحب في الروح

اسمع وقع خطى

احذية نساء

تضرب في القلب

ودمشق التي اكلت

ابناءها

القاتل

والقتيل

الموت بلاد

وانا متخم بالخوف !!

 

الانوثة الدمشقية

تعبر كوة زنزانتي

الموحشة !! 

هل للكون سماوات ؟؟

وزنزانتي لاسماء لها

لا نجوم

ولابحر

ولا صحراء !! .... 

والخراب

يضرب بمعاوله الثقيلة !! .....

من سيصلح من ؟؟

ومن سيبني دارا للحب ؟؟

كان السجان يغني

كل صباح

كل مساء ......

للوحشة !! .... 

نغرق في الموت اليومي !! .....!

نغرق في جب اعمق

من روح !! ......

والبلاد سقفها سجن

لاتحده حرب !! .... 

 

رياض محمد

شاعر عراقي

مقيم في السويد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2666 المصادف: 2013-12-23 06:13:23