المثقف - قراءات نقدية

السخرية الهادفة في (ضحكة الخاتون) لرغد السهيل

tahseen abas"ربما كان التعريف نفسه للعنوان يطرح أكثر من أي عنصر آخر للنص الموازي، بعض القضايا، ويتطلب مجهودا في التحليل، ذلك أن الجهاز العنواني، كما نعرفه منذ النهضة (....) هو في الغالب مجموعة شبه مركبة، أكثر من كونها عنصرا حقيقيا، وذات تركيبية لا تمس بالضبط طولها". جيرار جنيت

كثيراً ما يصاحبنا الفضول عندما نشتري كتاباً أن يخالجنا التوغل بعنوانهِ لما لديه من تأثير مباشر في استدعاء القارئ إلى كاتب النص أو المجموعة الأدبية على مختلف أجناسها فهناك من الأدباء من يبتكر عنواناً يكون جامعاً لفحوى ما يهدف إليه المنجز الأدبي من جمال في التعبير أو فن في التوصيل ومنهم من يضع عنواناً يختاره من عناوين نصوصه المتواجدة في مجموعتهِ ليكون بيت القصيد المطلوب إيصالهِ إلى ساحة التلقي أو أنَّه الدال على الكائنات الحبرية التي ستتواجد ضمن المنجز أو الرمز الذي تتضح منه ثيمة الطرح، فالعنوان هو كاريزما المعنى ظاهراً وباطناً يتمُّ من خلالهِ تفكيك النصوص وتحليلها ومن ثمَّ إعادتها إلى ما بُنيتْ لأجله.

ففي "ضحكة الخاتون" لرغد السهيل تتضح لنا هندسة تصميم المجموعة على الفكرة الأولى وهي العنوان الجامع لمضامين القصص فلم تحتوِ المجموعة على قصةٍ بهذا العنوان وقد تعمدتْ الكاتبة أن تجعل في نهاية أو مضمون كل قصةٍ ضحكة للخاتون ترومُ من خلالها السخرية الهادفة التي يتحقق بها القصدُ المنشود من الكتابة السردية في كشف المثالب النفسية التي تعاني منها الشعوب الشرقية في غايتين الأولى: إرضاء الذات المُبدعة وإبراء ما في ذمة الضمير، والثانية: محاولة تصحيح الواقع المؤلم والسعي لمُعافاتهِ من العوارض النفسية التي انتشرت فيه .

لذلك نجد الخاتون التي معناها في اللغة التركية هي سيدة من الطبقة الثرية او الطبقة الحاكمة - أخت الباشا - أم الباشا - زوجة الباشا ... تتجول في كل قصص المجموعة لتقرعَ طبولَ العاطفة والعقل والروح فقد كانت (السهيل) هي خاتون المجموعة في جمال تعبيرها وفذلكة توصيلها ودقة أسلوبها في إلقاء الدهشة في قلب المتلقي وإحياء المتعة في تقصي أحداث السرد لتنهي كلُّ قصها ب " شرّ البلية ما يُضحك" فقد أشارتْ قبل نص الإهداء الى معنى بيت المتنبي:

وكم ذا بمصرَ من المضحكاتِ ــــــــ ولكنَّه ضحكٌ كالبُكا وقد تكون الخاتون في المجموعة هي شخص المثقف الذي يُطلُ من نافذتهِ على العالم كما يوحي غلاف المجموعة بوقفة لامرأة ثرية ظهرت على رقبتها ويديها حليٌّ من الذهب أو الجواهر ويمكن تأويل شكل الجواهر إلى مرجعيات المثقف ومعرفياتِهِ لأنه غالباً، لا يمتلكُ غير ثقافاتهِ . فأنا أميلُ هنا للرأي الثاني لأنَّ أغلبية الطبقة الارستقراطية لا تكترث لما يُعانيه عامة الناس ويندر غير ذلك .  

ففي قصة "ظلال الغبار" ص9 كشفت (السهيل) عن انتشار الظن السيئ وتسيدهِ في تحليل الأحداث التي يمر فيها الفرد أو المجتمع كافة.

فبعد أن رأت الخاتون وهي الشخصية المستترة بلسان الراوي، الطفلينِ الذينِ أدهشاها بفطنتهما وذكائهما حيث أرغماها على حبِّهما ؛ جاءت للتتفاجىء برأي أخيها خالد بعد مغادرتهما المنزل وانتهاء عاصفة الغبار.

(علينا يا حياة تغيير مفاتيح البيت . قد يكونان من أفراد العصابات وجاءا إلينا ليتفحصا البيت، طريقة دخولهما غريبة . أشكُّ أنّ لديهما مفتاحاً ..)

فقد وضعها أخوها بين فكي الحدث . أ تّكذب نفسها وما لمست من حقيقة براءتهما أم تعذر طريقة تفكير أخيها لأنه من الرجال فهم كثيراً ما يحلِّلون الحوادث بظاهرها .؟!

(أعرف منطق الرجال . هم دائماً هكذا، منطق جامد لا يتعامل مع الأشياء إلا بظاهرها، ربَّما هم محقون، فبعض المفكرين يقول: إن الأشياء هي كما تبدو بظاهرها) .

لكن في نهاية القصة تحلُّ (السهيل) عقدة السرد حين عجزت الخاتون في إيجاد الطفلة فإذا بجارتها تعطيها معطفها الذي فقدته في رحلة بحثها وتقول لها أن طفلة أتت بهِ وقالت: (بأن تنتبهي فلا تضيعيه ثانية .. لان الجو باردٌ هذه الأيام ..)

أرادتْ (السهيل) في لحظة التنوير التي انتهت بضحكة الخاتون ان تكسر ميثولوجيا الأمثال التي تتبنى (سوء الظن من حسن الفطن) .

أما في قصة " الوجه الثالث للعملة " ص29 تتوغل القاصة في واقع التعليم ومستواه المزري وكيف دخلت فيه اللامبالاة لإخفاق الدولة في إجلاس الرجل المناسب على الكرسي المناسب وذلك لانشغالها بالشبهات والتأويل الذي هو الوجه الثالث للعملة وتركها المطلوب إثباتهِ يتلعثم بفم الحقيقة حيث كانت الشخصيات تتحرك في القصة بتقانة جميلة فشخصية (طاهر) هي ظاهرة المثقف الذي تستغله طلاب الدراسات العليا على حساب عوزه وافتقارهِ المادي ليكتب لهم رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه بأجورٍ تقيه شدة الفقر . وقد مثلت المُدرسة (حسناء) ظاهرة الشخصيات التي تحكم على الأشياء بظاهرها وهذه الشخصية ترتبط بشخصية (خالد) في القصة الأولى .

(تمر المدرسة " حسناء" على حانوت طاهر في المدرسة دون ان تنظر إليه: أنت يا هذا .. ألا تسمع؟ ما بالك أصم أبكم لا تفقه حرفاً؟ أعطني عصيراً بسرعة .)

وقد استخدمت القاصة (الأنفاق الثلاثة) للتعبير عن جهات وأماكن الأقاليم في تقسيم العراق أو أنها أرادت الإشارة إلى المشاريع المفترض تنفيذها . فتضحك هنا الخاتون في داخل الأحداث في كشف الحال الاجتماعي والسياسي والتعليمي في البلد عندما تحدث معركة ينتقل الصراع فيها من الأساتذة إلى الطلاب عن وضعية المنحوتات في الحلال والحرام وتزداد هذه الضحكة اتساعاً في نهاية القصة على لسان أبي يوسف جار (طاهر):

(ماذا تفعل يا طاهر، أ لم تسمعِ الأخبار؟ بعد كلِّ ذلك الجهد والصرف الكبير من الميزانية على مشروع الأنفاق الثلاثة

تم إلغاؤها .. لأنهم يرون أن حفر الأرض يراكم التراب على شكل تماثيل وهذا حرامٌ لا يجوز !) فكسرت (السهيل) هنا الميثولوجيا الدينية المصطنعة من أراء تتعكز على الشبهات لا تفرق بين النية والعمل، بين التمثال كفن والصنم حينَ يُعبد دون أن ينزل فيه سلطان.

ولشفرة (أبو حالوب) ص39 قصة تحتضن عشرات الضحكات التي يرسمها الواقع السياسي المؤلم في العراق فتنقلها (السهيل) لنا بقلمها المتضمن للسخرية المبكية في حقيقة (أبو حالوب) الذي وظَّف نفسه لخدمة العراقيين الأدباء والفنانين فكان لهم خير دار للنشر وخير مركز لتداول إهداءات الكتب حين ينشغلُ البرلمان في إقرار مخصصات جديدة للنواب وحين يتقاسمون قطع الأراضي بينهم و(أبو حالوب) يقع عليه سقف غرفتهِ فهذا الشخص البسيط الذي أصبح ملاذاً للاجئين وداراً للنشر ودليلاً للسائلين تجرحهُ شفرة الحلاقة لان ذهنه شرد لتلبية موعدٍ قطعَهُ مع احد العراقيين .

" ردَّ عليَّ بهدوء: نعم ؛ جرحتُ نفسي . كنت أحلقُ ذقني متعجلاً كي لا أتأخر عن موعد دوامي في المقهى، ولم انتبه إلى شفرة الحلاقة أنها لم تكن مثبتة جيداً ...

يعلنُ البرلمان العراقي إلغاء " جلسة اليوم " لعدم اكتمال النصاب، وتبقى القوانين دون تشريع تنتظر شفرة حلاقة (ابو حالوب). "

وفي خضم المفارقات المضحكة التي افترشتها قصة " فأرة " ص 51 نجد ان هناك أشارات اتخذتها (الخاتون) لكي يشاركها القارئ في تأويلها واصطياد مقاصدها المفتوحة حيث توزعت عدستها السردية بين حركة النمل بعكس إرادة الجاذبية وتوافق تراصفه .

" كان السيد سهيل صامتاً سارحاً يبحلقُ بالسقف كأنَّهُ يقرأ سطورَ النمل عليه، وهي تسير بالاتجاه المعاكس لقانون الجاذبية "

وبين المثقف الممتهن للصحافة الذي أستساغ ضجيج مولدة الكهرباء، وكيف أصبح يتسلى بفأرٍ كان يُشرِبُهُ من خمرهِ فتندمج رقصات الفأرة مع قرقعة المولدة الكهربائية وذات ليلة شتوية ضربهُ بفرد حذائه وراح يبكي عليه لأنه كان رفيقه الوحيد وسط أزيز الأحداث .

" لكنَّهُ في أحد الأيام الماطرة الباردة في بغداد، وما أن ظهرت الفأرة قريباً من إناء الخمر حتى خلع فردة حذائه ورماها نحو الفأرة مباشرة، فسقطت المسكينة صريعة الرقص أو الخمر، "

فمسيرة النمل بانتظام وعدم الاكتراث لقانون الجاذبية هو توبيخ للإنسان الذي يحكم الأرض وهو على فوضى من أمره، نعم أنها سخرية توجه لمن انجذب إلى مصالحه الخاصة فاستثنى المبادئ الإنسانية من اجل الوصول لمرضاة الحاكم الظالم أو المُقصِّر. فلم تستخدم (السهيل) مسيرة النمل لمجرد أنها تحتاج في سردها إلى مركز للإرجاع الفوري (الفلاش باك) لأنه كان بإمكانها استخدام أشياء أخرى مثل عوامل الطقس أو صور معلقة على الجدران .

وأما في مسألة المحرر الصحفي فقد تكون إشارة النص تدور بين الراعي والرعية، السائل والمسؤول، الحاكم والمحكوم حين يتسلى الأول برقصة الألم عند الأرامل والعوانس أو حين يتسلى بعوز المواطن إلى البُنى التحتية في البلد ظناً منه انها ستبقي على حظوظ تواجدهِ ثم يبكي في النهاية على ما فعل! فكثرما يكون القاتل هو أول الحاضرين في تشييع جنازة المقتول.

هكذا تتسلسل المجموعة لكي تتناول كلَّ جوانب الأحداث الساخرة التي أصبحت تعيش في الواقع العراقي، فالخاتون سمر محمد تمنت أن تكون في آخر المطاف هي سمر صالح بعد ما أجهضت كلَّ تنبؤاتها في (هاتف بغداد) ص 73 .

نعم، فالسهيل نقلت لنا الواقع المذبوح بسكين الفوبيا عند أصحاب الشهادات العليا والكفاءات التي تُولد من الانفلات الأمني؛ فهم قُتلوا لمجرد أنهم عراقيون .

" يكفي أن تكون عراقياً لتُقتل" فالخاتون هنا تركت الواقع يسخر تلقائياً من المناخ السياسي الذي اغترفت ريحه العاتية عشرات العلماء من مختلف الاختصاصات ولا أدري قد يكونون بالمئات .

تختتمُ الخاتون مجموعتها البكر بقصة " نجوم على الجدار" وهي واضعة يدها على علة الخراب في المجتمع الشرقي، ألا وهي النزعة الذكورية وكيفية تفكيرها لديمومة سلطتها، فقد تخللت قصتها مفارقات مضحكة فأبت ريم بعد خوض طويل لآخر أمل في الحب ان تبيع لوحتها التي تحمل عنوان (نجوم على الجدار) كي لا تقع ضحية مرةً أخرى فاللوحة تحملُ ارشيفاً وافياً لذكرياتها الأخيرة مع (أحمد) الذي كان يرفض ان يضع الحبيب قراراً مسبقاً يرسمُ طريقاً لعلاقتهِ بعد أن وشمَ ذاكرتها بالقبلات:

" صدِّقيني، عليكِ أن تبدئي العلاقة ومن ثمَّ تحددي مصيرها لا ترسميه مسبقاً " وبعد فترة من الزمن عاد ليقرر مصيرَ علاقتهما .

" سوف تجدين يوماً الشريك والرفيق مهما طال بك العمر، حتى لو صرتِ في الخمسين أو الستين ! "

نعم لماذا لم تُمنحْ ريم القرار؟ لماذا يكون أحمد هو من يشرع قانون العلاقة وهو من ينقض ذلك؟ تساؤلات كثيرة تثيرها (السهيل) عن فيتو المجتمع الذكوري، فقد جعلت الضمير الإنساني هو الحَكم على الجرائم التي انْتُهكت بمدية المشاعر الكاذبة، يُصاحب ذلك كشفها الضمني من داخل السرد عن ازدواجية الرجل الشرقي عندما يتخذ من المرأة قارباً للفراغ .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2676 المصادف: 2014-01-02 01:00:28