المثقف - قراءات نقدية

مظفر النواب (7): الإنفعال الصاخب المُعدي

husan sarmakعندما يتراجع مظفّر النواب أمام المثكل وقتيا فإنه يتراجع كأسد جريح . كان الهاجس الطاغي لدى السياب في شعره هو الموت الوشيك والهشاشة الوجودية أمام الفناء . والأشد من ذلك هو ما أثبتناه في كتابنا: "التحليل النفسي لرسائل بدر شاكر السياب " من سيطرة الخوف من شبح الموت على السياب منذ مراهقته المبكرة . تجلى هذا الخوف في أحلامه وقصائده المبكرة ورسائله إلى صديقه " خالد الشواف " وهو في مرحلة الدراسة الإعدادية . ولهذا يعتبر بعض النقاد وهم محقون أن السياب "انتحر" ولم يمت في الواقع . لقد اندحر وتحطمت إرادته المقاومة فركب الموت على ظهر وجوده وساقه مستسلما إلى ظلمات العالم الأسفل. لكن النواب وهو في أشد حالات المرض التي شاهدتها بعيني كان باسلا في الحفاظ على كبريائه العزيزة . كان حين يُسأل عن وضعه الصحي وعليه أعراض متعبة من مرضه المزمن، يرد: زين .. وفي أسوأ الأحوال يقول: زين .. ومو زين !! . حتى في الأوضاع التي يتسيّد فيها تأثير المرض كحقيقة ساحقة ويكون فيها المصير أشبه بصفعة على خد وجود الفرد الرقيق المهادن والمستعلي احترازا من المهانة، يحاول إنصاف ذاته الجسور فيحتفظ بنصف من كفة الصراع . النواب هو الشاعر الذي لم يندحر أبدا أمام مخالب المثكل الباشطة . كل من سبقوا مظفر أو عاصروه في الشعر العامي أو الفصيح بشقيه (العمودي والحديث - شعر التفعيلة) مرّوا بحالات مراوحة بين الإقدام والإحجام تكللت بالإقرار، المستخذي أحيانا، بحقيقة الموت ؛ الحي الذي لا يموت كما وصفناه بحق . إلّا مظفر النواب: فهو الإنسان الذي يطوّع معادلات الفناء رغم علمه بحتميتها وقدريتها التي لا تُرد ولا تتزحزح . ولا يمكن الحصول على صورة كاملة تعبر عن هذا الحال العجيب إذا لم نمض وبصورة متسلسلة من عيش حچام واسعيده في أتون تجربة المواجهة مع رموز القمع ؛ الشرطة - المسخ التي لا هي كلاب ولا هي رجال . تلك التجربة التي تنغزل فيها خيوط الشروط الحركية والصوتية والضوئية واللونية - وهذا التظافر التعددي هو جوهر الفعل السينمائي - والتي تتصاعد حسب الحركة الموجية المتناوبة بين صعود وهبوط جزئي لا يصل القعر الانفعالي أبدا -لأن عتبة - threshold انفعال روح الشاعر متوترة دائما وعالية المستوى حتى في حالة المناجاة الحلمية الشعرية، ومختلفة عن عتبة انفعال البشر العاديين . تابع مشهد الاستنجاد بنخوة حچام ومحاولة استنفاره لخوض المواجهة المسلحة وإثارة غيرة الحديد واستثارة روح البنادق والأهم بذور تجربة ما بعد الموت في المقطع الذي سنشير إليه في أثناء السياق:

(- يا ابن الحرة هذا عراگ      

   وفز غرنوگ

واتعايطن بالليل البرانو .. حده حادي النوگ

- آنه اختك

- ولچ سعده ! يسعده اشجابچ لموتي؟

وشبگها وعاتباها

       وريح التفگ اعله صدره

             ولنّه صاح الموت

                               بگرينوف

- لا يرتاع گلبچ آنه عد عيناچ

...........................                                                                                                                                                                                      ...........................                                                                                                                  ............................                                                                                                                 ..............................                                                                                                                    حتى لو خذاك الموت  

خزرها .. وگام گومة حزب للكلفات

يخسه اللي يگلك عن شعبنه يموت

                               ساعة  

                           وتضحك الرايات

كل خيمه وراها اثبات

كل شيلة علم لا بد وراها رجال

كل ميت مثل حچام يشيل جبال) .

وفي ثلاث مواضع تتكرّر مفردة (التفگ – البنادق) وهي:                                                                          

أ‌-       (وريح التْفَگ اعله صدره .. ولنّه صاح الموت)                                                                              

ب – (ساعه والتُفَگ والليل والحوبات، متغاوين)                                                                          

ج- (شگولن للتُفَگ لو ناشدن عنك) .                                                                                    

ولو أمعنا النظر في الاستخدام الأول سنجد أن الشاعر استخدم صيغة للمفردة (بسكون التاء والگاف وسكون الثانية أشد وقعا) تجعل جرسها عنيفا يتناسب مع حركة الريح السابقة - كأنها نفخة قوية - ومع صيحة الموت المخيفة اللاحقة . أما في الاستخدامين الثاني والثالث فإن الحالة أقل عنفا واحتداما - في الأولى نوع من التغزل بالأمل المقبل، وفي الثانية حالة من الرثاء الهاديء ضمن سياق أسى شفيف ولذلك استخدم المفردة نفسها بضم التاء وبفتحة أكثر امتدادا إذا أمكن القول واجتماع الضمة والفتحة رفع من رخاوة النطق . وفي استخدام الأبيات الأخيرة مسبوقة بالحرف "كل " سترتبط إحالاتنا الذاكراتية تلقائيا أو بفعل قوة الحرف القرين المحايث لحركة الذاكرة بـ (كل روح ومراضعها .. كل إيد وأصابعها.. إلخ) . لكن الأهم - في اللعب المناور مع سلطة الموت هو أن حچام لا يموت بعد الموت - وهنا يتجسد الدور" العلاجي " للإبداع -، فحسب نداء اسعيده تبقى عيناه مفتوحتين حتى لو كان ميتا كما أسلفنا .. ونحن نعلم أن العلامة الأولى للموت هو جمود البصر وانفتاح العينين وعدم استجابة القرنية للحركة المفاجئة - لهذا تهز الأكف أمام عيني الميت المشكوك في موته أو تلمس قرنيته حيث تنغلق الأجفان في حركة انعكاسية لاإرادية - وكأن اسعيده تعالج الداء بالداء كما يقول طيب الذكر " أبو نواس" .. إنها تقلب علامة الموت إلى علامة للحياة تتصالح فيها وبهذا تلغي عملية الفناء من أساسها حين تحول مظاهر فعل الموت إلى خصائص لنقيضها . والشاعر الصانع - ولنقل بكل رهاوة " الصانع الأمهر " وهو الوصف الذي أطلقه ت . س . إليوت على " عزرا باوند " في إهدائه قصيدته الشهيرة " الأرض اليباب " إلى الأخير - يواصل - تذكّر أيها القاريء عصا لعبة عدو البريد الشعرية التي ابتكرها مظفر - الشاعر استثمار انفتاح عيني حچام بعد الموت حين يجعله (يخزر) أخته، وفي الخزر أقصى حدة للغة البصر الزاجرة: (خزرها .. وگام ..) وتتصاعد لعبة تكثير أفعال حچام (الميت) نوعيا لتصل أقصى صورها الدفاعية الخلودية في جعل حچام الشخص الميت الذي انتهى فعله إلى الأبد قادرا على حمل الجبال - البيت الأخير من المقطع السابق - . وإذا التفتنا إلى صورة " فز غرنوگ " فإننا سنشخص سمة أسلوبية مهمة في شعر النواب . فقبل القصيدة النوابية كانت القصيدة ممركزة الاستجابة ضمن دائرة الشاعر الفرد أو دائرة وجود موضوعه المحدّد .. كان الانفعال آليا يحصل في أعماق " الماكنة " البشرية على أساس قاعدة السبب والنتيجة .. حيث تلقمها الحياة بالخطوب والآلام لتنتج المعاناة وصور الانكسار النفسي .. يتحدث الشاعر عن هموم حبيبه وابتلائه بهجرانه وغوايته .. يصف أرضه وآلامها كما يصف ما يجري في صورة ذات إطار صارم عليه أن لا يتجاوز حدوده إلى المكونات القريبة منه لأنه يعتقد أن لا علاقة لهذه المكونات بما يجري في داخله .. وباختصار لم يكن احتدام الانفعال الداخلي" مُعديا - infective " . في قصيدة مظفر أصبح الانفعال الذاتي " مُعديا "، وهي عدوى مباركة تشمل بتأثيراتها الموجودات التي تحيط به، حيّة أو جامدة . والأهم من هذا هو " القصدية – intentionality " في هذا الابتكار الأدائي، حيث أصبح الشاعر " يتعمّد " توسيع دائرة انفعالاته لتصيب بعدواها مكونات البيئة المحيطة بالشاعر أو بالموضوع الذي يتناوله .. مع مظفر بدأ ما يمكن أن نسميه " تأثيث المكان " الانفعالي ؛ حيث تتسع دائرة حساسية الاستجابة العاطفية العارمة (الإسقاط – projection) لتحرّك رد فعل مماثل - قد يكون أكثر عنفا من ردة الفعل الأصلية - في أوصال الحيوان، وحتى المواد الجامدة . لم يكن الشعراء، قبل النواب، يدركون أن المشاعر يمكن أن (تُسقط) وأن الشاعر بإمكانه أن يقوم، من خلال العملية الشعرية، بخطوة " إحيائية " يبث فيها روح الحياة في أوصال الحجر أو الخشب مثلا، أو " يشخصن " ما هو غير مشخصن: (رد الهور: يا حچام، يا حچام .. يا ح.. چ .. ا…… م ... طارت غاگه مكسورة جنح بالزور ... فزت گبله البرنو .. لگطها ابساع) .. وكأن نداء الهور الذي دوّى استجابة لنداء اسعيده قد أيقظ الطائر الذي تلبس انفعال الحالة الإنسانية الآىسية ؛ حالة اسعيده التي حاصرت شقيقها فلول الشرطة، الحالة العامة المنكسرة التي تجسدت في جنح الطائر المكسور .. أو: (هذا عراگ .. وفز غرنوگ .. واتعايطن بالليل البرانو ..حده حادي النوگ) حيث تعود حركة استيقاظ مفاجئة لكائن لا بشري مشبع برائحة الماء والاسترخاء اللذيذ ليكون الشارة المنذرة بعمل بشري مسلّح يمزق وحدة البشر والأشياء ويهشم أواصرها . وعند هذا الحد تنتهي الحركة الثالثة الكبيرة والتي - وفق أحكام النظام الموسيقي الذي يعرفه الشاعر - يجب أن تصل أدنى مستوى في الصمت كي تبدأ الحركة الكبيرة الرابعة، لكن الحركة الأخيرة وهي في طريقها إلى أن تهوي إلى مستقرها تتلقفها أنامل السارد الثانوي ويرتفع بها قليلا ممهدا لحركة أخيرة، لحركة ختامية لا نعرف مضمونها ولا شكلها لأن من المفترض أن تنتهي القصيدة بالإعلان الختامي المتفائل بعد أن قُتل حچام وانبعث: " كل ميت مثل حچام يشيل جبال " - والكثير من نصوص مظفر لا تستطيع توقع صيغتها النهائية مثل توقعك لنهاية القصيدة الكلاسيكية، هو الذي أدخل عنصر المفاجأة والنهاية غير المتوقعة في القصيدة العامية أو لنسمها " لحظة التنوير " كما هو مألوف في فن السرد، وعن طريق المفاجأة يتلاعب بأعصاب القاريء وتوقعاته التي كانت مسترخية في ظلال النهايات الكلاسيكية -، هكذا ينهض ذكاء الشاعر وتشفّيه المهاري فيتسلم صخرة السرد وهي تتهاوى نحو قعر الحكاية ليلتقطها قبل أن تستقر وتهدأ و " تبرد " الحركة، ويرتفع بها ممهدا لـ حركة "سيزيفية" مقبلة لأن جهده التوليدي الخلاقي لا يكل ولا يمل ولا يقر:

(وقصتنه بعدهي بأول القصة

وگع حچام ومات الصبح . والتمت علينه الشرطة

والحوشيّة

وسعيده خذوها اميسره

لسجن "الرفاعي "

           وخيّمت ليلة حزن

                                 سنتين !!)

هكذا نبدأ رحلة صعود جديدة لذيذة العناء . وهنا تتضح هوية جديدة للسارد - الأنا الجمعي المتكلم - من خلال: (قصتنه، و.. التمت علينه) . إن تعبير (قصتنه بعدهي بأول القصة) .. هي الخطوة التمهيدية التي تستدرجنا بفعل ذكاء الشاعر نحو اللعب الخلودي الدفاعي .. وهو لعب - على أية حال - كي نعيش ومنذ نصف قرن - بل أكثر من ذلك زمنا – في الظلال الباردة المنعشة لشجرة مظفر الوارفة . لقد عاش شعب كامل - وهذه ميزة لم يتمتع بها أي شاعر "حداثوي " قبل مظفر ولا بعده - في ظل الفعل النفسي والجمالي الخلودي (الدفاعي) البهي لمنجزه . كل ما قدمه الشاعر من أبيات متراصة لم يكن أكثر من مداورة يائسة لأننا نستطيع تفسير استخدام وصف: " تبقى عيونك امفتحات "، من باب الربكة النفسية والوقوع في شباك المهدد المطارد نفسه، لكنها بالنسبة للشاعر خطوة حاسمة ، لتحصين الذات في وجه المثكل .

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

انني فخور جدا بالعراق ليس لانه بلدي العظيم بتراثه ومرتقبات ايامه وان كانت بل فخور به لانه انجب حسين سرمك حسن .

د. ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

المبدع الكبير الدكتور ريكان ابراهيم.
"لو دَرَه البلبل بڇاويه (بكاءه) غِنَه (غناء)
يبلع لسانه ويموت.."
لم أستطع البكاء..
غنيت فقط.. لغنائك..
لكلماتك الخالدات أيها الكبير الشريف
دمتَ أيها العلم العراقي الخفّاق
أخوك حافظ ودّك: حسين
ملاحظة:
بيت الشعر العامي الرائع هذا للشاعر الكبير الراحل "علي الشيباني"

حسين سرمك حسن
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2692 المصادف: 2014-01-18 00:11:39