المثقف - قراءات نقدية

عين السمك الواقع والمتخيل

saleh altaeiقراءة في رواية "عين السمك" للروائي الواسطي صالح عبد المهدي العبودي

خلط تجربة الحياة بتجربة الإبداع في مدونة سردية تمتد على مدى أكثر من مائتين وخمسين صفحة ممكن أن يثمر عن تجربة إبداعية تزينها إشكالية التداخل التي تتولى حلها غوايات السرد من خلال الجمع بين جماليات الصنعة ودلالية المواقف متمثلة بالبنية الرمزية للعنوان التي ركزت على بقعة جغرافية أو فضاءً مكانيا في غاية المحدودية يعرف بين أهل المدينة باسم (عين السمك) وهي الأرض الحرام التي يغطيها فوران مياه سدة الكوت الذي تنفثه على الجانب الآخر ليمتد نحو الجنوب، والتي تموج فيها الأسماك ذات الحجم الكبير جدا القادمة من الجنوب لتضع بيوضها في أيام التكاثر في أعلى النهر ويحرم على أحد أن يمد لها يده لأن كل ما فيها محجوز للرئيس وعائلته وضيوفه، وتحرسه أعين الدرك كشيء ثمين.

إن العنوان كما يراه "لوي هوك": "مجموعة العلامات اللسانية من كلمات وجمل وحتى نصوص قد تظهر على رأس النص لتدل عليه وتعينه، تشير بمحتواه الكلي لتجذب جمهوره المستهدف". وقد كان صالح العبودي موفقا في اختيار هذا العنوان لروايته. كما أثر اختيار العنوان على مجال تركيب الرواية ونمطها لأنه أسهم في اختيار أنساق صياغة أحداثها المتلاحقة من خلال الخلط بين الحقيقة والخيال من جانب، والسرد الروائي والتوثيق التاريخي من جانب آخر، وهو ما أعطى الصورة في الرواية حيويتها ولكنه أثر كثيرا على بنائها السردي.

لم يخلق الروائي عوالم من خياله الخصب، ولكنه من خلال تشويق السرد والتعمق في تفكيك الجزئيات التي نعرف نتفا عنها راهن على ملكة حب الاستطلاع في كل منا ليتابع معنا اللعبة إلى النهاية بعد أن أحال الواقع وأحداثه الساخنة إلى نمط حكائي مستلب من داخل عقولنا التي تختزن ذكريات تلك الوقائع والمواقع والأحداث، ولكن الميل إلى الاهتمام بالجزئيات الصغيرة يشتت الانتباه أحيانا فتصعب متابعة الأحداث.

إن الرغبة في توثيق الحياة الشخصية للكاتب حينما تتداخل مع الأحداث اليومية المحيطة بكل سخونتها وحركتها وتفاعلها وتأثيرها تمتد أحيانا إلى أبعد مما يمكن قوقعته فيما يخص الذات حيث تفرض اللحظة الزمنية وجودها وتسلب من الذات تفردها بما يبدو وكأن الحياة الشخصية نفسها ذابت في زحمة الزمن العام وتحولت اللحظات المتنافرة إلى أوقات حميمة يتشاركها الكاتب مع جميع الذين عاشوها، وربما لهذا السبب بالذات خرجت رواية عين السمك من إطارها الأدبي لتدخل عالم الأدب التوثيقي من أوسع أبوابه ولاسيما وأنها انضوت على كم كبير من الأسماء الشخصية والمكانية الحقيقية وعلى أحداث عاشها أهل المدينة سوية، وعاشها الكاتب شاهدا " بصريا وسمعيا" كما قال في مقدمته، فأنتجت مجموعة البنى المختلفة بناءً لم ينجح في التجانس بالرغم من أن السرد التاريخي كان ولا زال منهلا للجمال يقتبسه الروائيون لتجميل أعمالهم.

نجح صالح العبودي أحيانا في دفعنا إلى التوقف عند بعض الصور لنتأملها بعمق، فالأمكنة لا تغير مواقعها والأزمنة تحصرنا في وحدة أفقها ولكن نظرة كل منا إلى الزمان والمكان تختلف حسب الزاوية التي نقف عندها وانعكاسات الضوء والظل على المسافة الفاصلة بيننا وبين مركز اهتمامنا فيختلف الشكل الغرائبي في خيال كل منا، ربما ليتحول إلى الصورة التي نريدها نحن، الصورة المحببة إلى نفوسنا أو التي ترتاح لرؤيتها قلوبنا ونشتهيها بعمق، ولكنه لم يستمر في هذا النجاح.

 

إن رواية (عين السمك) ليست فعلا خارج قوانين الطبيعة وليست صورة فنطازية بقدر كونها حكاية تتجمع فيها كل أيام الانتظار بكل ما تحمله من شد وتوتر وربما خيبات أمل تسبب بها حلم لم يتحقق ورغبة خلص العمر وهي لما تزل عالقة في الخيال، ومع أن الألم لا يطاق إلا أن تجمع هموم الآخرين في قلبك فضلا عن همومك يجعل قتامة العمر مرة علقما محصورة على عتبات اليأس تلح على المرء أن يقتحم الهيجاء بلا درع ولا سلاح إلا بقايا أمل بعيش بضعة أيام أخر، وقد أسهم التوثيق التاريخي للرواية في تجسيد صور يشعر كل منا أن بعض ما فيها يعنيه وحده، وقد تمتد الخصوصية لتشمل منطقة أو محلة بعينها، وربما تذهب أبعد من ذلك لتغطي شوارع الجنوب كله، ولكن التوثيق التاريخي بالرغم من أهميته بدا غريبا داخل الرواية وكأنه كان يبحث عن مكان آخر لنفسه وسط هذا الضجيج.

ربما بسبب المكابدة والمعاناة التي عاشتها مدن الجنوب تاريخيا وتأصل التناقض الاجتماعي فيها بسبب الفقر الشامل والتداخل الطبقي بين حياة ابن الريف وابن البادية وابن الصحراء مع ابن المدينة، والعمق الدلالي لتاريخ هذه المدن الذي يعود إلى بدايات التحضر البشري مع كل ما يمثله الحاضر من تخلف وتأخر وخمول، والتنوع الفكري الذي يمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ثم الازدواجية الغريبة التي تدفع السكير إلى الاغتسال وصيام شهر رمضان ليعود مع مدفع إفطار آخر يوم منه إلى مائدته وكأسه يعاقر الخطيئة، ويدفع المرأة التي تبيع جسدها إلى رجل غير زوجها السكير إلى الصلاة بخشوع والدعاء كمن لم يرتكب ذنبا، وآخرها التنوع الفكري من الديني إلى اللاديني، ربما بسبب كل هذا نجد مدن الجنوب العراقي مترعة بحكايات وأساطير وخرافات مفعمة بنوعين من الحياة أحدهما علني مكشوف واضح كالشمس والآخر خفي لا يكاد يرى، لا تستشعره سوى العين الفذة التي تخترق حجب المستور لتوثق لحظات الهمس في سرير الخطيئة بالرغم من تغليق الأبواب والسرية التي يحاط بها اللقاء. ونجد هذا الموروث يتداخل مع خيال السرد لتقول الرواية ما لا يقوله التاريخ حسب رأي الكاتب البرازيلي "كارلوس فونتيس" فالتوظيف التاريخي أو أرخنة الحدث سرديا تحسب للرواية وليس عليها وقد أفادت رواية أمريكا اللاتينية من هذه الخاصية الفريدة فانطلقت من محليتها الضيقة لتغزو العالم كله وتبرز أسماءً مغمورة لكتاب محليين ما كان لهم أن يعرفوا عالميا لولا توظيفهم لهذا الموروث المثقل بالأساطير المحلية الذي وجد فيه النقاد العالميون مادة دسمة تصلح للدرس والتفكيك. لكن انتحال صالح العبودي لدور المؤرخ في سرد وقائع من تاريخ المدينة الحديث ابتداء من صفحة(92) ولغاية صفحة (159) كاد أن يخرج الرواية من خانة الأدب؛ ولم يدخلها إلى دنيا التوثيق التاريخي، فبدا وكأن مهمته قد تحولت إلى عمل تاريخي روائي سردي بكل ما يحمله السرد التاريخي من جمود. ولو نجح الروائي في توظيف التوثيق التاريخي بشكل أكثر ليونة وارتباطا بأحداث الرواية لكان قد تخلص من كثير من الاستطراد الممل، مع أن السرد الذي جاء بعد التوثيق التاريخي أوضح أن كل تلك الصفحات جاءت مقدمة لقيام أحد أبطال الرواية واسمه محمود في صباه برمي (الزهر) تلك المادة السمية التي تصاد بها الأسماك في عين السمك وإلقاء الشرطة القبض عليه. وفي الصفحات التالية استغل الروائي هذه الذكرى ليعود من خلالها إلى السرد التوثيقي التاريخي والحديث عن انقلاب 1963 والمظاهرات المناوئة له والاعتقالات؛ فبدت الرواية وكأنها تحمل أكثر من ثيمة لكل منها خصوصية لا تربطها بغيرها، ولكنه نجح هذه المرة في توظيف التوثيق التاريخي لخدمة النص بعد أن ربط تلك الأحداث بالملف الأمني (الإضبارة الأمنية) لبطل روايته محمود [ص 175] من خلال حديثه عن مرحلة ما بعد التغيير في 2003 وحصول المواطنين على أضابيرهم الأمنية من مقرات الأمن التي تركها رجال الأمن وهربوا.

وفي لقاء الذكريات الذي جمع محمود بأصدقائه القدامى حاول صالح العبودي مزج حالة العبث التي يعيشها محمود مع عشيقاته والتي قادته إلى الإفلاس؛ بحالة العبث التي يرى المناضلون القدماء أنها فرضت عليهم بعد التغيير.

كما أن الروائي صالح العبودي أبدع في توظيف حالة المدن الجنوبية التي أنهكها الكبت بوصفه معاركها "مثل الملح للطعام تندلع لأتفه الأسباب تحدث فجأة كشرارة ثم ما تلبث أن تصبح حريقا يملأ السماء" [ص19] الذي أراد من خلاله التأكيد على أن الإثم هم مشترك بين كثير ليس من سكان العالم فقط بل ومن أهل تلك المدن، والإثم لا يترتب على العلاقات الجنسية وحدها وإنما يشمل كل مخالفة للسنن والقوانين من خلال الجملة التي أطلقها على لسان الشيخ زاهد: "ليس هناك من فرق .. كلاكما تقترفان إثما" [ص 64] الشيخ الذي كان هو الآخر من الآثمين لأنه كان يرطب الأجواء الملبدة بغيوم المشاكل بين محمود وعشيقته وداد مقابل مبلغ زهيد من المال.[ص66]

رواية عين السمك التي هي أولى روايات الأديب القاص صالح العبودي بعد أن أبدع من قبل في كتابة القصص منذ عام 1975 وبالرغم من المآخذ التي سجلناها عليها تبدو عملا يبشر بمستقبل كبير، فالنجاح لا يأتي عادة من أول مرة ولكن المرة الأولى تكون عادة مفتاح النجاح للقادم من الأعمال.

إن ما أراده صالح عبد المهدي العبودي من روايته (عين السمك) أن تقوله للجميع: تعالوا لندفن الماضي ونحفر قبرا لمستقبل لا نعرف كنهه، ونعيش لحظتنا بسلام، فالحياة أعز من تضيع من اجل ماض مهدور ومستقبل مجهول.

صدرت رواية (عين السمك) عن دار عدنان في أواخر عام 2013 تزين غلافها صورة لسدة الكوت دون أن يظهر فيها مكان (عين السمك) الذي تحمل الرواية اسمه.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2703 المصادف: 2014-01-29 09:14:01