المثقف - قراءات نقدية

قصيدة (الحب) للشاعر ماجد مطرود .. قطعة الجليد التي تطفئ لهيب الروح

ali almasudلست شاعرا ولست منظّرا للشعر ولا ينبغي لي ذلك، لكني قارئ مهتم، والكلام صعب و الكلام على الكلام اصعب كما أشار التوحيدي – فكيف إذا كان الكلام شعرا وتطلب الأمر منك الكلام عن الشعر؟. لا شك أن صعوبة المهمة ستتضاعف. وعندما أتناول هذا النص المنتقى من مجموعة الشاعر ماجد مطرود الثانية (لاشئ ..هناك) وهو شاعر عراقي (مقيم في بلجيكا) أحسّ أن فيها شيئا من صدق العاطفة ومن تلك الموسيقى الخفية التي ليست تماما الموسيقى التي يتحدث عنها منظرو قصيدة التفعيلة التي كثر الكلام بشأنها وازدادت غموضا مع كل حديث عنها إلى درجة الإبهام مثل الكثير من النصوص التي كتبت في هذا الباب، الشعر رؤيا لا تتحقق إلا في وجدان المتلقي إذا صفى مصباح روحه، وفي قصيدة (الحب) التي جعل الشاعر مدخلها مقولة جبران خليل (للعظيم قلبان، قلبٌ يتألم وقلبٌ يتأمل) هذه الرؤية الجبرانية تتفق تماماً مع أنصار الشعر للشعر، إن قضية الشعر للشعر ليس يقصد أصحابها أن يستخدم الشاعر براعته في النظم كي يمدح أو يذم، أو يرفع أو يضع، أو ليساير من يشاء متى شاء له هواه ومطامعه، فيمدح اليوم ما ذمه امس، ليظهر براعته في اللغة، أو ليصل لإغراضه الخاصة به.. فهذا ينافي التجربة وصدقها، وينافي رسالة الشعر الوجداني من سبر أغوار القلب الإنساني والتعرف على أدق خلجاته، وكل ما يعد مقوماً من مقومات حياته وسعادته في الأرض وقد جاء اختيار الشاعر ماجد مطرود لهذا المدخل (مدخل جبران) لانه يتفق مع جبران على أن الشعر مصدره الإلهام وفي رأيه ” الشعر .. الحق”. وبهذا الخصوص يقول جبران: ” الشعر في الروح فكيف يباح بالكلام؟ والشعر ادراك الكليات فكيف نظهره لمن لا يدرك سوى الجزئيات؟ والشعر لهيب في القلب أما ألادراك و ألاحساس به قطعة من الجليد التي تطفئ هذ اللهيب !!!، فمن يا ترى يوفق بين لهيب وثلج؟

و الشاعر ماجد مطرود يجسد ذالك حين يصف الحب في قصيدته:

 

الحبّ هو الله، أرادته وحكمته

الحبّ هو الشيطان

أقصد المكان والزمان والحيوان والانسان

الحبّ هو القلب ولوعته، العقل ومأتمه

وهو القرآن والتوراة والانجيل

 

الشاعر ماجد مطرود شاعر غزير الثقافة ذو امتدادات عميقة ووارث لحضارة عميقة و عظيمة وله ألمام في ثقافات الامم وذكي في تطويع اللغة و قادر أن يفجر مفردات اللغة لتصوير افكاره ويرتكز على فلسفة عميقة غنية تخرجه من القول الضحل الفاني الى القول العميق الخالد وبالتالي فالشعر عنده ليس كما نريده أو نريد له، فهو فيض تلقائي للمشاعر القويَّةِ يَأْخذُ أصلَه مِنْ العاطفة المتأملة ولكنه ليس غارقاً في طين اليأس والعتمة والشهوة إلى حدود فقدان الرجاء من انطلاقة متألقة له بل مجموعة متناقضات فهو ( أنتصار وأنكسار وهو النار.. و الهواء و الماء و التراب) !!!!، فالشعر هنا حياة تجدّد فينا الرغبة في الحياة، وتدفعنا في تيار الحب إلى مزيد من الحب و أني أرى الشاعر ماجد مطرود قد نجح في ذالك من خلال قصيدة (الحب) حين يقول:

 

بعضهم قال ..

من السماء جاء معلقاً في قلب آدم،

خافقاً في ضلع حواء

بعضهم قال ..

من روح الله تسلل خلسةً

في لحظة الخلق والماء.

 

بعدها يضعنا الشاعر امام تعريف للحب بشكل شفاف و حس مرهف و تناسق بديع في المعنى

 

ألحبّ هو العين والاذن والفم واللسان

الحبّ هو القلب والعقل والكفر والايمان

هو الانكسار والانتصاروالبوح والنشوة وسرّ الأسرار

الحبُّ هو النار والهواء والتراب والماء

الحب هو الجزء والكلّ والفنون والجنون.

 

إذن، الشاعر لا يعمل على أفكار وتوجهات و شعارات كانت موجودة ليأتي هو ويطبقها دون العمل على اعادة خلقها من جديد وبالتالي عليه أن يخلق مفاهيمه الخاصة من خلال تفكيره الخاص وتوليده للأفكار والإبداع . وفي النهاية ارى ان المتلقي في حيرة من أمره أمام هذا التشكيل المنزاح عن معهوده في لغة الاستخدام من قبل الشاعر (وهذه الملاحظة تندرج على جميع قصائد ديوانه الشعري – لاشئ هناك)، وليست الحيرة هي وحدها ما يشعر به المتلقي بل يشعر أيضا بإعجاب واندهاش لهذا النظم المبتدع الذي يتحدث عن مواطن حساسة من تجربة الإنسان لا يتم تداول الحديث عنها كثيرا في الخطابات العملية الأخرى وتلك المواطن تضم الحب والثورة والحزن والأمل والحنين والذكرى والخيبة و الانكسار .. وغيرها من الموضوعات التي تمس الوجدان وتشغل التفكير . من هنا ينال الشاعر ماجد مطرود رضا المتلقي والجمهورويكسب تصفيقهم عند سماع شعره وقراءته،

 

علي المسعود

..............................

 

نص قصيدة الحب

للشاعر – ماجد مطرود

 

(للعظيم قلبان، قلبٌ يتألم وقلبٌ يتأمل)

جبران خليل جبران

 

انتَ تدري .. لأنّكَ ترى وتتذوّق وتشمّ وتسمع وتلمس

وانت لا تدري .. لأنك تشعر وتحلم وتنتصر وتنكسر وتحاول

فتبكي وتعوي وتزأر وتصرخ ..

الحبّ كينونة الكائن ونجواه

البحر وضجيجه، هدوء النهر ومجراه

 

الحبّ هو الله، أرادته وحكمته

الحبّ هو الشيطان

أقصد المكان والزمان والحيوان والانسان

الحبّ هو القلب ولوعته، العقل ومأتمه

وهو القرآن والتوراة والانجيل

 

ظهر الحبّ أول مرةٍ في دلمون

وآخر مرّة في بابل واليوم يئنّ في الأرخبيل

يسمونه العلماء والتاريخيون والجغرافيون والفلكيون بالحب الكبير

ودائماً يخفق الاثريون والمؤرخون في تحديد تاريخه الطويل

 

بعضهم قال من السماء جاء معلقاً في قلب آدم،

خافقاً في ضلع حواء

بعضهم قال من روح الله تسلل خلسةً

في لحظة الخلق والماء

 

المراهقون بألوانِهم السود والبيض والحمر والصفر يسمونه الحب المستحيل

المراهقات يسمينّه الغرام

خطباء المساجد يسمونه الهيام بالجنة

عامة الناس يسمونه(النار

السياسيون والاقتصاديون والمفكرون يسمونه الانتصار

بينما الفلاسفة والادباء والفنانون يسمونه الهوى والفنون

 

الحبّ هو العين والاذن والفم واللسان

الحبّ هو القلب والعقل والكفر والايمان

هو الانكسار والانتصاروالبوح والنشوة وسرّ الأسرار

الحبُّ هو النار والهواء والتراب والماء

الحب هو الجزء والكلّ والفنون والجنون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2703 المصادف: 2014-01-29 21:15:14