المثقف - قراءات نقدية

نبيل سليمان في "مجاز العشق": الرواية التي رأت كلّ شيء (1)

husan sarmak(المستعد للشيء يكفيه أضعف أسبابه) .. )ابن سينا

(يا لَهْفِي على طَلِيَّةٍ بمائةِ ألفٍ، وفَرْجٍ في جَبهة الأسد، حتى لا يشربَ الرَّاحَ إلاّ كريم، ولا ينكِحَ إلاّ شجاع) .. (الجاحظ)

(ولكن من أجل تفادي تحول الفنان إلى مومس تتاجر بموهبتها، يتعين على الفنان أن يتصرف دائما إنطلاقا من ضميره كفنان: يقينا أن هذه التوصية ليست سهلة، وإن الفنان إذا ما تبعها سيجد نفسه على حبل مشدود مضطرا إلى افتعال توازنه، لأنه في كل لحظة يجازف أن يقع وينكسر عنقه . ولكن، أفليس علينا أن نقول أن الطرق الخطيرة هي الطرق الأكثر قابلية لأن تُسلك؟ إن التشدد والدوخان هما قطبا إلهامنا اللازمين)

(إنغمار برغمان)

 

- هي التي رأت كلّ شيء:

يفتتح الروائي "نبيل سليمان" روايته "مجاز العشق" في طبعتها الرابعة (تموز 2010) (1)، بقسم عنوانه "كالمقدّمات"، ويختتمها بقسم "كالخواتيم" . في "كالمقدّمات" نصوص تحمل مفاتيح مكتفية بذاتها، وتبدو – أقول تبدو – عند النظرة الأولى غير وثيقة الإرتباط بما بعدها، وهذا يُثبت أن الإستهلالات – بكل أنواعها – ليست مفاتيح لأبواب أو "ثريّات" لسقوف النص كما أشاع البنيويون . لكن حين تُكمل النص وتنشىء "الصورة الكلّية – الجشطلت"، تتألّق أنوار تلك الثريّات المفترضة لتضيء زوايا النص المُعتمة - كما هو متوقع في الأعمال المحكمة - وعلى أيدي الكتّاب المُقتدرين .

يتضمن قسم "كالمقدّمات" نصّين هما: "عابرة"، و"عابر"، بُنيا – اسلوبياً ومضمونياً – وفق بناء النصوص السومرية القديمة نسبياً من الناحية الإشارية الشهيرة: "هو الذي رأى كل شيء"، وقد حوّرها الكانتب إلى ضمير الغائب المؤنث في النص الأوّل "عابرة":

(هي التي ترى كلّ شيء إلى آخر تخوم الدنيا

هي التي تعرف كلّ شيء وتتضلّع بكل شيء

سيّدة الحكمة التي بكلّ شيء تتعمّق ...- ص 12)

وهي سمات السيّدة الأولى في الكون: إنانا / عشتار / مناة .. وغيرها من المسمّيات حسب البيئة الحضارية ؛ سيّدة الخصب والنماء والولادة والحياة .. والمياه .. هي سيّدة الكون بأكمله، وفي كلّ وجوه عمليّاته من خصب وتكاثر وحمل وولادة وصحّة ومرض وحياة وموت لأنها سيّدة المياه:

(تنقشُ في لوحٍ من الماء كلّ أسفارها

خذْ خذي الرقيم اللازوردي

واتلُ اتلي بصوتٍ عالٍ

عن التي

تعبرُ المحيط المترامي إلى حيث تشرقُ الشمس

ترتادُ اصقاع الأرض

تستردُ ما خرّبه الطوفان

تبحثُ عن حياة) (ص 11) .

وسنرى لاحقاً أهمية هذه الخاصية الجليلة، وهذه السمات الكونية البنائية الحاسمة حين تُستعار من قبل الروائي لموضوعة حكايته المركزية، ولفعل بعض شخصياته الرئيسية، وصراعاتها، وانشغالاتها الكبرى . ولو لاحظت السطور الأربع عشرة السابقة، فلن تجد فيها تعبيراً "شعرياً" متماسكاً سوى في القول أن سيّدة الحكمة هذه (تنقش في لوح من الماء كلّ اسفارها)، أمّا البقية فهي ذات طبيعة نثرية وصفية وعملية إذا دق الوصف . وفي الختام المتسائل للنصّ:

(هل مثلها في أيّ مكان؟

هل يحقُّ لغيرها أن يقول أنا أنثى: أنا رواية؟)

ختامٌ تنتقل فيه الإيحاءات إلى حقل "الحداثة" النصّية حيث الوجهة الأساسية التي ترى أن كل أنثى حُبلى بروايتها من ناحية، وأنّ فعل الأنثى هو فعل "حكائي" ثانياً . الأنوثة هي حكاية الكون الاساسية، وسيّدة رواياته، هي الرواية المؤسّسة الأصل . أمّا كل الحكايات الأخرى – ومهما كانت أهميّة مضموناتها الحيويّة، وتغرّباتها المظهرية – فهي اشتقاقات وذيول للحكاية الأصل: حكاية الأنوثة / الرواية . ولذلك لن يعود غريباً أن يقوم الروائي بـ "قلب" المعطيّات التي تأسست في الذاكرة الجمعية، نقل امتياز "هو الذي رأى" من الذكورة في ملحمة جلجامش (ملحمة "هو الذي رأى" كما تُسمّى عادة) إلى الأنوثة في ملحمة الحياة السرمدية، هذا "القلب" الذي افتتح به "المقدّمات"، وعاد إليه الآن في النص الثاني "عابر":

(هو الذي رأى كلّ شيء إلى آخر تخوم الدنيا

هو الذي عرف كلّ شيء وتضلّع بكل شيء

سيّد الحكمة الذي بكل شيء تعمّق – ص 13) .

وتلاحظ هنا – سيّدي القاريء - تكرار السمات الأساسية الإبتدائية لكل من الطرفين: عابرة وعابر (والتكرار والإعادة واستباق النتائج هي من سمات النص السومري الأسطوري القديم)، إلى أن تأتي الاختلافات الجوهرية التي تعني الكثير، فالعابر جاءنا بنبأ زمان "ما قبل" الطوفان، ونقش في لوح من "الحجر" كل أسفاره، في حين أن العابرة كانت تجيئنا – لاحظ استمرارية فعل الأنوثة في الحاضر والمستقبل (المضارع)، واختلافه عن عن ماضي تاريخية فعل الذكورة – بنبأ عن زمان "ما بعد" الطوفان، وتنقش في لوح من الماء كلّ اسفارها . وتتجسد جسامة مهمّة الأنوثة هذه في رصد وملاحقة أنباء هذه العملية المدمّرة: الخراب الذي سبّبه الطوفان .

تبدأ الذكورة – حسب النصّين – من النهاية: لنسمّها وفق قاموس نبيل سليمان: الخواتيم، في حين يبدأ فعل الأنوثة من البدايات والأصول المؤسسة: ولنسمها – حسب المرجعية نفسها - "المقدّمات" . فهي تسترد ما خرّبه الطوفان - وهذا جانب من "المهمّات" الكونية الإضافية - وتبحث عن حياة جديدة . هذا الوجه الإيجابي الفعل، والإستكشافي، الذي يواجه الخراب ويقاوم الفناء . إنّ "الحكاية" البشرية، حكاية المصير الإنساني والصيرورة المعذّبة تبدأ من "ما بعد الطوفان" .. من قاع الخراب والدمار، فيصبح من حق الأنثى أن تقول: "أنا رواية" . وإذا كانت الذكورة تنقش على الحجر تعبيراً عن "الثبات" والتصلّب والإختراق، فإن الأنوثة تنقش في الماء رمزاً للإحتضان والديمومة وعطايا الرحم الأمومي المنعم . وفي التحوّل نحو الآخر / الضمير "الجمعي" المُخاطب، يتجلى العطاء: خذْ، خذي، اتلُ، اتلي .. للتغنّي بالولادة الكونية الجديدة المضنية الساعية نحو الشمس لاسترداد ما خرّبه الطوفان، وبناء حياة رخيّة آمنة . في حين يمثّل التحوّل إلى الضمير الجمعي تجاه سيّد الحكمة شكلاً صارخاً من أشكال التسليم والطاعة والرضوخ:

(هل مثلك في أيّ مكان؟

هل يحقّ لغيره أن يقول:

أنا الملك الحقُّ؟) .

إنّ حكمة الأنوثة عملية مستمرة (فعل الحاضر والمستقبل كما قلنا)، وخطابها "داخلي"، باطني، عميق .. "يتعمّق" بكل شيء في فعل دينامي خلّاق حيّ .. هو خطاب الحكاية الداخلي .. وحكمة الماء . أمّا حكمة الذكورة فهي عملية تثبيت على متصّل الزمان (فعل الماضي)، وخطابها "خارجي"، ظاهري ومكشوف ... "تعمّق" بكل شيء وتثبّت على كينونة الأشياء .. هو خطاب الحكّاء الراصد المراقب، وحكمة الحجر . ومن المفروغ منه أن مسيرة الحياة الحافلة تثبت أن كليهما ضروريان، ولكن الفارق بين ضرورتيهما هو كالفارق بين ضرورة صاحب الجلالة المقبل الذي كان "جنيناً"، وضرورة الرحم الحاني المعاني الصموت الذي جاء عبر مخاضاته .

لنضع هذه المعاني التي حملهما نصّا المقدمات: "عابرة" و "عابر"، لتشكل واحداً من "الإطارات" المهمة التي سوف تحدّد مسارات جهدنا التأويلي لوقائع الحكاية المقبلة، أو "المتون" كما يسمّيها الروائي، والتي يكون عنوان مدخلها الفرعي "موت أغنية" .

 

- تبدأ خطى السرد من الموت وضدّه:

نبدأ خطانا السردية كالعادة – وعبر كل تأريخ الإبداع في العالم – من الموت / المُثكل حسب التعبير الموفّق لجدّنا جلجامش "الذي رأى كلّ شيء" .. لكن الموت من مدخل الحياة ؛ مدخل الماء حيث حبّات المطّر تطرق نافذة بطل الحكاية "فؤاد":

(مع حبّات المطر أقبلت امرأة توشوش: الشوارع كما الغابة: اطلبوا البوليس: اندسّ اللّحاف بين جنبي فؤاد: تحلّب ريقه مثل الدفء وطفق يتكوّر: فجأة افترعت النافذة همهمة نواسية: همّت برذاذ ثمّ بطشّ ثم برشّ ثم بوابل: تعلقت عيناه بالنافذة حتى انفرطت حبّات المطر سوى واحدة تعلّقت بعينيه حتى تشكّلت قطرة فريدة تبسّم لها وغادر السرير مجدّداً اليقين: ليس من قطرة ماء تماثل قطرة) (ص 15) .

هذا المدخل "المائي" بتحوّله من الرذاذ إلى الوابل .. وعودته المعاكسة من الهياج والإضطراب إلى النعومة والسكينة المُطمئِنة، يعكس - كما سنرى - الحالة النفسية والعقلية لفؤاد صالح في تضاد دوافعها وتصارع حوافزها . فوسط هذا الإحتفاء الكوني، تُغرقه العطالة وتحاصره الحيرة، ومع اختراق صخب "الخارج" المنعش والضاج بأصوات البنات والأولاد وتصاعد إيقاعات أغنية الحب والجنون، ودعوات حتى شاشة الكمبيوتر له للعمل: (هل تبدأ اليوم برواية أم ..؟) .. وقطرة المطر للفرادة والتميّز: (ليس لرواية أن تماثل رواية) .. تتصارع الأفكار في (الداخل) وتصخب، وتضجّ، وتُعتقل الإرادة، وتصيب النزوع بالربكة والتشوّش:

(فريق من البنات والأولاد يصدحون: الحبّ في التسعينات هو الجنون: اطلبوا البوليس: نَفَر بضيقٍ وتشظّت أنفاسه: أطلب مَنْ؟ الشرطة العسكرية أم الجنائية؟ المخابرات أم الجمارك؟ ومن أطلب حين يكون الجيش هو البوليس والبوليس هو الشعب والشعب هو ..؟) (ص 16)

ووسط دوّامة التساؤلات .. وصخب الداخل .. صعود وهبوط على سلّم المزاج .. خطوة إلى الأمام على مرتفع الإنهمام والإنجاز (لقد أسلست رواية أخيراً)، وخطوتان إلى الخلف على منحدر الغثيان واللاإكتراث (رويداً تسلل الصمت العميق: حاول أن ينهض فتراخت ركبتاه: أطرق خجلاً) . وضع عامّ متلاطم الوقائع والعلاقات ينعكس على مرآة نفس مشروخة، فتوصل العقل إلى حالة شبه تصدّعية، أحسن الروائي، الذي ألمّ بمتغيرات أعماق بطله، التعبير عنها بأسلوب "شبه تصدّعي" في وصف الحركة اليومية بجمل قصيرة "فعليّة" متلاحقة ومتضاربة، وتشابكات استجابات المكوّنات الجامدة التي تجعل مناخ الخطاب التواصلي في الغرفة على حدود "الهلوسة":

(عبر الصالون وهو يتمطّى فاستوقفته شاشة الكمبيوتر: تبسّم لها وهمس: قانون الشعث: خجلت الشاشة وأومأت إلى لوحة المفاتيح التي رُكب في كل منها حرف أجنبي على حرف عربي: تبسّمت المفاتيح وهمست: هل تبدأ اليوم بكتابة رواية أم ..؟

دفع انقطاع السؤال بفؤاد إلى النافذة: كانت ثمّة أيضاً قطرة تتبسّم وتهمس: ليس لرواية أن تماثل رواية:

التفت إلى شاشة الكمبيوتر فتبسّمت وهمست: ليس لكتابة أن تماثل كتابة: عاد إلى النافذة والعطالة تغرقه حتى أقبلت مع حبّات المطر امرأة توشوش: الشوارع كما الغابة: اطلبوا البوليس) (ص 15 و16).

وفي التعمّق في التقاط الحالات التي تطفح فيها محتويات اللاشعور المتلاطمة عبر الطريق الملوكي نحو بوابتها، والمتمثل في طريق: الأحلام، مناماً ويقظة، حين تُرهق قبضة الشعور أو تتراخى، فتطفح تلك المكونات لتعلق بالمثير المادي المتيسّر، وتنسرب من خلال التداعيات التي يحفزها بهدوء، فينغمر الفرد بها عميقاً منفصلا عمّا يحيط به وهو مفتح العينين . وقد كان الروائي مقتدراً تماماً في تصوير هذه الحالة: الإنتقالة الهادئة من الواقع إلى خيالات اليقظة، ثم العودة السلسة منها حتى من دون أن نشعر بأننا عبرنا الخطوط الفاصلة بين عالمين متناقضين:

(من يوم إلى يوم أخذ الكمبيوتر يتشكل صخرة بالغة الحتّ (...) الآن إذ يتضرّع فؤاد تسمق الصخرة حتى تنوف على اثني عشر ذراعاً (...) على هون تلاشى الضوء والسطوع وتربّع على القبّة غزال من ذهب تتوسّط عينيه درّة قانية: ورأى فؤاد في الليل نساء من البلقان يغزلن على ضوء الدرّة: وعندما أغفى كانت الدرّة قد أعتمت وكانت الكباكب تلفّ اشلاء وتشلحها: أيّة أرض هذه التي تنتف فيها النساء شعورها وتولول: آهة من مسيحي وآهة من مسلم وآهة من شيوعي وآهة من قومي وآهة من أمريكا وآهة من أوروبا وآهة منك يا وحش:

صحا فؤاد من غفوته أو غفلته وراح يتقزّم قدّام الصخرة المباركة والدرّة بالكاد تضيء قبراً صغيراً في قانا الجليل والقبر الصغير يمزّق الكباكب فتترامى الاشلاء فوق الجرّافة التي تجعر حدّ الصخرة وسليمان بن داود ينتف شعره ويولول: آه منك يا وحش) (ص 20 و21) .

تأتي الغفوة التصدّعية والسرحان "الفصامي" على "خلفية" هزّة أرضية أصابت المدينة فخلخلت مواضع أقدام البشر، ولعبت بركائز بيوتهم، وخلطت محتويات غرفهم، وأصابتهم بالذعر .. ثم لفظتهم إلى الشارع:

(نسيت التلفزيون يا وحيدة؟ يا ربّ لطفك: الطاولة كانت تلعب مثل ابنك علاء: لا تخاف يا ماما: أنا ما حسّيت بالهزّة الأولى: يا يسوع: لو ما كانت الهزّة أكثر من أربع درجات ما كنت: يلعن ابو ريختر وأبو مقياسه: نسيتو زلزال مصر؟ زلزال العقبة؟ زلزال إيران؟ ولك نسيتو زلزال قبرص واللاذقية واسكندرون؟ ليش عم تبكي يا بنت الكلب؟ راح الفاز يا حسرة: مية دولار: يا أم وجدي: المنطقة كلّها زلزال يا استاذ: Blur إي نعم واسم الأغنية: بنات وأولاد: الشوارع كما الغابة اطلبوا البوليس . حتماً انقطع التليفون مثل الكهربا: ولك وين رايحين؟) (ص 18) .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2721 المصادف: 2014-02-16 12:06:33