المثقف - قراءات نقدية

"الطوفان في نوحه الاخير" محصلة لتجربة انسانية مريرة..

المجموعة الشعرية "الطوفان في نوحه الاخير" للشاعر "ماجد مطرود"والصادرة من دار (بدايات) في دمشق عام 2008 هي حصيلة تجربة انسانية مريرة مرَ بها الشاعر "ماجد مطرود" في رحلة طويلة أمتدت من بغداد مرورأ بعدة مدن افريقية حتى الوصول الى " تمبكتو" في مالي وهي خلاصة أحاسيسه وتجاربه وتأملاته، والذي يعد نقلة نوعية لما يحمله من قصائد متدفقة ينابيع من الوجع العراقي والخيبة والبحث عن وطن وهو الهارب من ماضي معتم صوب مستقبل مجهول ويغتاله السؤال (أقول ماذا فعلت بانفتاحي؟) حتى راح يدين نفسه واصفا اياها (المسافر الجبان) وتلك الرحلة التي قادته الى السجن يقول الشاعر في رحلته الاولى (من ملحمة البمبرة)*

بعيدا ً عنها أولد فيها ممرّغاً بالتراب

يداي ممدودتان إلى أبعد كوكب ٍ في السماء

قدماي يبحثان عنها تلك التي غيّبتي بين جسرين وغابت

*

في المشهد ميزان ٌ بقارب ٍ أعرج

لا يدعو إلا لقيامة الأموات

الوجوه، كل الوجوه..عواء في مقبرة

*

ليس افتراضًا أضيع بين قلبي ومصباحي

ليس افتراضًا للصحراء وجهان ضائعان

ليس افتراضًا أرى رأسي بانحناءاته الأخيرة

وليس افتراضًا أقول ماذا فعلت بانفتاحي ؟

 

الصُّورة الشِّعرية التي يُوظفْها الشَّاعر " ماجد مطرود " في مجموعته الشعرية " الطوفان في نوحه الاخير " وبكل طاقاته لإنتاجها تمثل وعاءه الذي سيبث من خلاله ما يريد، وهي في الوقت نفسه وعاء المتلقي الذي يفهم من خلاله ما يراد، وبتحليلها وتأويلها تتكشف دلالات لم تكن ظاهرة على السطح، ذلك بإسهامها في فك رموز ما يغمض على ذهن المتلقي، ولهذا الغرض كان اعتماد الشاعر على الصورة، وهو ما يُمكِّن من تعليل التكثيف من الاعتماد على الصُّورة الشِّعرية . لقد أستطاع الشَّاعر في تحريك أكثر من حاسة عند المتلقي، وكل هذه الحواس تشارك الشاعر غربته وعذاباته ورحلته المضنية نحو المجهول!

يقول الشاعر

النجم الوحيد الذي كان يشير ألي أوصلني منطفئأ

الصحراءٌ سجن ضّيقٌ ، ثقبٌ ضيقٌ

وأناُ واسعٌ.... كالطير

بالصدفةِ شممت رائحتي

لم تدهشني

قرأت مُسيلمة الكذّاب كان هنا

لم يدهشني

كذالك..

فكلنا كذّابون بلا حلم .

الشعرية في ديوان" الطوفان في نوحه الاخير " تشكل في صيرورتها انزياحا جماليا وإبداعيا ملفتا يؤسس الشاعر صوره الشعرية وإيقاعه الموسيقي من خلال صور خلاقة ومحبوكة تستعير تشكيلاتها من خلال تفاعل الذات مع ذاتها، مع الحياة ومع الوجود. تفاعل يطبعه هاجس التحول من صورة إلى أخرى وهي تلك اللحظة التي سرقت من عمر الشاعر والتي قادته للبكاء التحول من شكل إلى أخر ويريد أن يحاكي الطير ويقاسمه الوجع وحسرة الخذلان وهو دائم الانفلات من قبضة الزمن وسوط الجلاد لكأنه يخشى سجن الوقت وزنزانة المكان ،

يقول الشاعر

هي لَحظَة سَقَطتْ مِنْ جَيبيَ المَثْقُوب ِ

وانحَنتْ عَلى بُعْدِها الثْالث

بَكَيْتُ ، بَكتْ وأزالتْ كَفَنا بِلا قَلْب

كانَ يَفْصِل تأرِيخ

القُبلة الأولى

كانَ يُناشِدُني

كي أطْلقَها

رِيحا

سقوطا

سَماءاً

تَمرّدتْ أثداؤها

فانْهارَ

بِيَدِها إلَه الّليل

بِنظّاراتِهِ الحَمْراء...

نَظّارته كانَت ، تُبْعِد الّرِيحَ

عَنْ أحْلامِها وأشْرعَتي.

لابُدَّ أنْ أحاكِي الطّيرَ

لا بُدَّ أنْ أدلَّهُ عَلى جِناحِه

فيَدُلّني على رِيشي.

و من خلال قراءة قصائد مجموعة" ماجد مطرود " الشعرية نتلمس اننا أمام شاعر متمرس في الكتابة، شاعر يمتلك أدوات وتشكيلات شعرية وسمته بأسلوبية خاصة به، ولا غرابة في ذلك إذا علمنا أن شاعرنا أصدر مجموعة شعرية قبل هذه ويننتطر صدرور مجموعته الشعرية الثالثة (لاشئ هناك) قريبأ " تحت الانجاز في دار ضفاف للطبع والنشروالتوزيع في الامارات" ، شاعر نجح في التوفيق في عنصري " الشكل والمضمون " في القصيدة ، شاعر يسكنه الوجع والفرح ، الخيبة والامل معأ ،والتمرد على الواقع ورفضه، يقول الشاعر

وحيدين .. إنما أكثرَ مِن وطَن يُراوده الجميع

وحيدين .. تقودُنا أحرفُ

الجرّ عنْوَة ً بِلا قلب

تربكُنا ذبْذبات ُ الإشارة نحوَ السّجون

وعلاماتِ الطّريق المؤبد

بين فحولة الفاعل وأنوثة المفعولِ

بين فحولة الفاعل وأنوثة المفعولِ

الجثّة تقيّأت ما لديها

المصابيح انزوت بحلمِها الآسن

تدفع روحي باتجاه الرياح

الفُلكُ قد لا يحتمل السّكون.

أن قيمة الـمتعة تنبع هنا من خلال ركام الأحاسيس الـمتنافرة التي تقبع في دواخلنا والتي تحرك فينا مكامن الدهشة والاعجاب، ولذلك حين نندهش ونتعجب فإننا أصلا نندهش من ضياعنا في متاهات العالم ومن غربتنا من حياة تفنى وعمر يشيخ ويتلاشى، لكن كلما اعتقدنا أن العمر ينتهي وجذوة الشعر تـخفت دائما هناك حياة ثانية تفيض من نهر الحياة المتدفق في طوفانه الاخير وفي رحلة الاغتراب !! ، لذا امتلا البحر بالطيور المهاجرة ومركب المهاجرين صوب مرافئ تضيق بهم حتى يستحيل الشاعر الى نخلة جفت من شدة الضيق وهذه الرمزية مذهلة وتقود المتلقي الى الابتكار في ذهنه مرادفأت عدة منطلقا من همه ومن وعيه ومعاناته، يقول الشاعر

اِمْتَلأَ ألبَحْرُ طِيوُرا تَحيضُ بِغُرْبَتِها

إلّا جِناحي،

ظَلَّ يَضِيقُ بِبَيْضِه

يَضِيقُ

يَضِيقُ، حتّى اِستحالَ نخْلَةً

يَبُستْ ظِلالُها مِنْ شدَّةِ الضِّيق

وحْدي....

رغْمَ أني طَوابِير

مِنْ خُطوُطٍ لا تَنْتَهي

الشاعر " ماجد مطرود " واحد من الشُّعراء الذين عملوا على توظيف (الرموز الدينية) وكذالك الشخصيات الاسطورية في بناء قصائدهم للاستفادة من مخزونها الفني، فاتَّجهوا لاتخاذها ستارأ يخفون وراءها وجعهم ومعاناتهم لغرض خلق سياقات شعريَّة موازية للحالة الشُّعورية التي يعيشونها ويحسُّون أثرها، ومحفِّزاً للشعور النفسي للمتلقي الذي سيكون لتوظيف (الرمز الديني والاسطوري) شأنه في رفع درجة تفاعل القارئ مع النَّص، وهذا عائدٌ لدرجه وعيه بالموروث الإنساني، وما قدمه من قيمة في الماضي، وما يمكن أن يقدمه للحاضر، ومن الشَّخصيات الأسطورية التي وظَّفها الشاعر (ماجد مطرود) شخصية

(كلكامش) وكذالك شخصية (انكيدو) و(السندباد)، يقول الشاعر

اصْرَخُ أنْكيدو..

أيُّها الجُرحُ

المُؤَجَل

أيُّها الدَمُ المُسَافِرُ بِلا أشْرِعَة ٍ

هَلْ تَتَذكَّرُ الغَيْمَ قَبْل الرَحِيل ؟

اِنَّه المَطَرُ النّقيّ

صارَ فُراتا ً

يَشْربُني

ولا

أشْرَبُهُ

مَن يُسعفني بَعِيداً عنه

لحْظَةٌ في لحظة

سَقَطتْ فَوْقَ أبْعَادي

تَوضَّأُت بِطفُولة

تُصلّي مَنْفايَ

وفي خرْقَة الّدمع تبكي سّندِباد .

ومِن ألف ِ قلْب ٍ تنُوح ُ

بَغْدَاد.. هَلْ تتذكّر

الريحُ أحلامها؟

يتدفق الزمن في نصوص الشاعر تدفقا ماساويا يحيلنا الى الحرب والصراعات والتوترات ويتحول الانسان في فضاءاته الى ذات مغتربة فاقدة للمعالم، رغم الدنس الجاثم على الامكنة والازمنة تتمكن الذات الشاعرة ورغم وجعها الانساني من خلق كون شعري جديد ملىء بالضوء والحلم والقدرة على قهر الزمن عبر رفض الهزيمة والمحافظة على بقايا الانسان القابعة بدواخلها مؤكدا الشاعر بذلك البعد الحميمي في انتمائه للواقع مع اعتنائه بنصاعة

المفردات، واستخدام ضمير المتكلم في غالب الأحيان وضمير المخاطب تارة أخرى راسمأ لوحة مزيجة من الحب والتلذذ بالصبر وألالم وحمل معاناة الكون ، يقول الشاعر

أنا الغائب الذي ابتكر الانتظار

أمّا الغيبتان وأمّا الترتيل..

بنغمة الواقف على قبر أبيه

في الحالتين سأرى مدينة خارقة التذمر

وبلا ضجّة كهدوء الشجعان

سأمسك المقاماتِ

بوجهين

وأصلّي....

أصلي على مدى فراتين ونيّف

الشاعر" ماجد مطرود " أتابع نتاجه - فى صمت - وتبهرنى كتابته ، وقدرته على تطويع اللغة، وتشكيل الصورة، حتى غدوت أعرف نصه حتى لو لم يوقع عليه، فـ شعره له : خصوصية، وتأثيره القوى على المتلقي ، وأكاد أن أجزم أن معظم قصائده لا يختلف عليها اثنان من حيث الجودة، والتجديد، وابتكار الصورة، وخلقها، والقدرة على اللعب بموسيقى الشعر بحرفية عالية وشكل ممتع ومبهر وانا على يقين أن المتلقي لنصه سيجد المتعة رغم كثافة المعنى وكثرة ألتأويل ، يقول الشاعر

الشاعر " ماجد مطرود " في مجموعته (الطوفان في نوحه الاخير) طوع قصائده لبناء معين يضمن لها تماسكها. هذا البناء يخضع في أغلب الأحيان للمستوى الدلالي، الذي نستطيع بواسطته تقسيم القصيدة إلى وحدات شعرية مختلفة المضمون، متآلفة الإيقاع والوزن، كما تشكل أيضا في مجملها حالة شعرية خاصة جدا، ومغايرة تماما للكثير من النصوص الشعرية النثرية المعاصرة، فكل كلمة في البيت تؤلف نبرة خاصة ووجع انساني ناتج من قسوة التجربة الرهيبة التي مرَ بها الشاعر ، وبالرغم من بساطة تلك النبرة، فهي تؤكد على عمق الرؤية لدى الشاعر (ماجد مطرود) وتضع المتلقي أمام أفق التأويل والتحليل من خلال تجاوز المعنى المباشر. وكذالك لاختزالها للكثير من المعاني، يقول الشاعر

أشباحُ الموتِ تُفتِّشُ عَنْ أشجارٍ بحدائقِها كفَرت

تُشمْشِمُ حصرانَ القلبِ تنقِّطها بلعاب القحطِ

تدورُ الدبّابة في بغداد

تدورُ كعربيدٍ أوهم أفعى

سرقتْ عشبَ العنقاء

********************

تدورُ الدّبّابة في بغداد

أشباحُ الموتِ تُفتِّشُ عَنْ أشجارٍ بحدائقِها كفَرت

تُشمْشِمُ حصرانَ القلبِ تنقِّطها بلعاب القحطِ .

قصائد (الطوفان في نوحه الاخير) للشاعر "ماجد مطرود " تخضع لبناء معين يضمن لها تماسكها. هذا البناء يخضع في أغلب الأحيان للمستوى الدلالي، الذي نستطيع بواسطته تقسيم القصيدة إلى وحدات شعرية مختلفة المضمون، متآلفة الإيقاع والوزن، كما تشكل أيضا في مجملها حالة شعرية خاصة جدا، ومغايرة تماما للكثير من النصوص الشعرية النثرية المعاصرة، فكل كلمة تؤلف نبرة خاصة ووجع انساني ناتج من قسوة التجربة الرهيبة التي مرَ بها الشاعر !

بهذه السلاسة في التعبير، وبهذا الوصف الخاطف، وبهذه اللغة الهادئة جداً يُحاول أن يقول الشاعر الكثير، وربما أفاض كلما ضيّق بالكلام واختصر، وربما يصل الى حد الإيماء في القول، وتبقى حروف قصيدته قادرة على تمتين المعنى والقصد .

 

الكاتب: علي المسعود

كاتب عراقي مقيم في المملكة المتحدة

.........................

* صدرت مجموع " نوح في طوفان الاخير من دار (بدايات) في دمشق \ في عام 2008

........................

من نصوص المجموعة

لاني زَعيمُ الكَواكِبِ كلّها

لأنّ عجلات المدِّ والجزرِ

خاصَتي

رايتهُ محارَةّ

نَستْ أسنانها في البحر..

ولآنني مُشعّ أبَديّ..

نظّفتُ

طاوِلَتي مِنْ دَنسِ السّاعاتِ

هيّأتهُ ،

راقصته ُ بِنُبلٍ وحُلم ٍ سَعيد

حاصرتهُ بِهيبة ِ الّموُسيقى ،

 

بشَرَف العروُق

 

بصولجانِ البَياض

 

توّجْته ُبِكرَمِ الور

قلتُ للشمسِ أخيَّتي

 

هيّا رتِّبيه

 

رائحةً

أكثَرَ مجدا ً

همسا ً لفوْضويّته ِالدّارجة

سوّري مَدائنه ُ الرمادية َبالفوانيس ِ ..

لأنَّ الأمسَ جروٌ تخرُّ الّدقائق ُ مِنْ منخَريه

ولأنَّ الّدقائق تشبهُ الأفلاك

هندس َ الّتجاعيدَ بِقوَّةٍ

أحكمَ جِهاتهِ بالّحكمَةِ

وبِلا موعِظةٍ خطّطها بالأحمر الكُحليّ

ثمَّ ادّعى أنَّه النّسيانُ،

لا الطّغيان.

ماجد مطرود

شاعر عراقي مقيم في بلجيكا

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2724 المصادف: 2014-02-19 00:08:08