المثقف - قراءات نقدية

بنية القصيدة الورطاسية

abdulhaq alsalikiأشرت في كتابي السياق كمحدد للابداع الى مفهوم الشعر عند الورطاسي، وقلنا: إنه يفضل الشعر العمودي، كما وضحنا العمل الإبداعي عنده لما كنا نتحدث عن "أول عهد له بالشعر" , ونريد في هذه المرحلة أن نرصد الخصائص البنائية للقصيدة الورطاسية، وذلك من خلال قصيدة كتبها بمناسبة السنة الهجرية 1404 . واختيارنا لهذه القصيدة جاء لدوافع أولها، عقائدي وهو أني أريد أن أعيش معه هذه المناسبة التي تمر على أمتنا وهي في عدد النجوم وليس لها مكان، وحيث كل الشعوب تكلمت والعرب ليس لها لسان .

وثانيها: لكون هذا النوع من القصائد هو الغالب على شعره . وثالثهما: كون القصيدة لا تختلف كبير الإختلاف عن قصائده الأخرى من حيث الصياغة الشكلية .

وهذا لا يعني أننا سنغفل القصائد الأخرى بصفة مطلقة بل سنحاول أن نرجع إليها إذا تبين لنا أن هناك خصائص تميزها عن باقي القصائد الاخرى .

يقول الورطاسي: في ذكرى الهجرة 1404

1- أي بلوى تحاك في البطحاء                                                          

          وهي بطحا المعراج والإسراء1

2- زعزعت مبعث الرسالة إذنا

                                   لست من الصحب سادة العظما

3-واستباحت محارم الله حيفا

                               في سبيل الإذعان للشركاء

4-وانتقاصا لنزوة طالما كا

                           نت تبين الإجحاف بالضعفاء

5-غاضها أن تعيش عيشا سويا

                           ظل دينا منوع الأضواء

6-غاضها أن ترى العدالة تجري

                         بين أهل الأموال والفقراء

7- غاضها أن تدين وضعا بوحي

                         سفه الشرك من دنى الإباء

8- عرف الناس في قريش عقولا       <     رجحا بين سائر العقلاء          

9- وهم منبع البطولة والرشد         <       وقوم الإعراب في الفصحاء

10- وهم الحمس في البطاح قديما     <       وحديثا ايمة الفضلاء                              

11-يبتنون الأمجاد عبر قرون         <     بخلاء تعز في الغبراء

12- ذاك والله سر مبعث دين         <     من دنى النبل، موطن النجباء            

13- كيف ضلت عقولهم عن رشاد   <     فاستساغوا الظلام عون الضياء

14- كيف خاضوا النضال ضد رسول <   عاش فيهم مسود الأراء

15 –عاش فيهم محكما يصدر الرأي

                                   فتحنو الجباه في إغفاء

سنة الله في الخليفة أن يهجر     رسل الآلهة للغرباء  

فشعور الآهلين بالفضل يعلو     كعلو الفضاء والخضراء

ظل يغريهم بالجحود ليبقوا

                       في ظلال يعود بالإثراء

فتنادوا إلى التالب ظلما

                       واعتسافا لعيشة الرؤساء

هكذا سوغوا التآمر كيما

                       يتحاشون عيشة القرناء

فاستباحوا دماء خير رسول

                         واستعدوا لذلك بالأشقياء

غير أن السماء حمته بلطف

                         دونه كل قوة الأعداء

رافقته الألطاف حتى تراءى

                      بين أكام زمرة السعداء

وإذا دولة الرسول تهادى

                       بين عز الأنصار والرفقاء

وإذا الشرك في الملاقد تهاوى

                       كتهاوي الحنثاء والصماء

هكذا ملة الرسول تعالت

                       وتوارت شريعة الجهلاء

إنه الهدي ما تعلق شعب

                       بعرى الهدى في دنى الأهواء

وتوالى النضال إلا تهاوت

                       شامخات الضلال دون مراء

أمة الضاد هل نؤب الهدى

                       وهبته السماء للجرداء

ما لنا غيره لأي زمان

                   ومكان لعيشة السراء

ومعاد مخلد في نعيم

                   إلا تضاهيه نعمة الغبراء

أم نظل الحياة عبر شقاق

                     أو خلاف أو شرة الإغماء

طال يا أمة الحضارة فينا

                       كعضال تالب الأسواء

ولنا أمة البطولة عرش

                     ظل حصن الاداع والإعطاء

ومليك ظل يحمي حمانا

                     وحمى الدين، خالد الإباء

فتعالوا إلى هؤلاء صدوقا

                       كجنوج في معرك العلياء

إني في وحدة الصفوف مليكا

                           وبلادا روائع النعماء

هكذا أشادنا الوفاء قديما

                    ولعز الحياة كل الوفاء

لم ينل من عهودنا أي خطب

                     ثم لما نزل بنفي الولاء

فلنوال الإنشاء في ظل عرس

                       خالد الذكرى، كرسي العظماء

وليعش شعبنا مدى الدهر شعبا

                           يتحدى الأخطار جم العطاء

وليعش مجلس المعارف فينا

                           كنجوم يبث دين السماء

في ظلال من دوحة الحسن الثاني

                               وظل القران نبع السناء

من خلال قراءتي لشعر قدور الورطاسي واجهتني عدة ظواهر بارزة منها:

أولا: ظاهرو السهولة، فالكلمات تنساب على لسانه سلسة بدون تكلف ولا حاجة إلى استعمال المعجم، ولا تيهان وراء أساطير ورموز الشيء الذي يسيء إلى فهم النص أكثر مما يحسن إليه . ومرد هذه الظاهرة عنده هو تلك الغاية التي يريدها من القصيدة كرسالة منه إلى القارئ بل إلى كافة الناس حتى يجعل منهم قنبلة مبيتة في وجه الظلمة والدخلاء .

ثانيا: " ظهور ألفاظا جديدة مثل الإستعمار بدل "الكفر" كما ظهرت كلمات جديدة مثل الوطن –الحرية- بل إن الشخص الملك نفسه تطور في الشعر الوطني ولا سيما في قصائد العرش، فلم يعد ينظر إليه باعتباره حامي الدين وهادي الأمة فقط، بل غدا بالإضافة إلى ذلك رمز الوطن وقائد الشعب والمحرر من الإستعمار، مثلا رثاء المرحوم محمد الدرفوفي 2، نجد إلى جانبه إحدى عشر لفظا دينيا (شهيد، الحق، الله، الروح (مع تكرار بعض هذه الألفاظ ) ألفاظا أخرى عصرية نحو (ثكنة الجيش، مناضلا، الشعب، للفدا، الكفاح، الشوارع، خلايا الفكر، التحرير، المبادئ).

وهذا، إلى جانب كونه ينم عن ثقافة أصيلة ومعاصرة فإنه يضفي على شعر الورطاسي جزالة ورصانة وسلاسة .

ثالثا: وما دمت قد تكلمت عن هذه القصيدة الرثائية، أشير إلى أن قصائده التي قيلت في هذا الغرض تتقارب من حيث المعاني واستعمال اللغة وذلك يعود إلى كون جل الذين قيل فيهم شعره قد تقاسموا معه نفس المعاناة، وكان يجمعهم معه ميدان واحد هو ميدان الكفاح والنضال .

رابعا: نلاحظ من خلال هذه القصيدة التي بين أيدينا وقصائد أخرى، أن شعر الورطاسي تقل فيه الصور البيانية من مجاز واستعارة وتشبيه ....

كما أن الطابع العام الذي يميز الكلمة التي يستعملها الشاعر هو العلمية حيث: "يعبر عن أشياء أو ظواهر ببرودة وعدم حيوية، وسطحية أي ليست ذات إيحاء أو أبعاد أو ترادف وهذا بعكس الكلمة الشعرية التي تكون حية وملونة، وحارقة، ومنشدة، ومزعزعة للإحساس "3 ,

خامسا: حاولت أن أطبق على شعره نظرية نادى بها "حازم القرطاجي " ألا وهي ربط موسيقى الشعر بمعناه "فقد تكلم على عروض الشعر، وقسمه إلى طويل وقصير ومتوسط، وكل نوع من هذه الأقسام يصلح لغرض من الأغراض .فالأعاريض الفخمة الرصينة تصلح لمقاصد الجد كالفخر

ونحوه كعروض الطويل والبسيط، ويصلح الكامل لجزالة النظم، ويصلح الرمل والمديد لإظهار الشجو والإكتئاب، على أن الأوزان المختارة هي الطويل فالبسيط فالوافر فالكامل فالخفيف، وكل منها لم سمات يمتاز بها، ويفضل بها غيره كتمام التناسب، والتقابل والتضاعف، وكثرة المتحركات وقلة السواكن "4 فوجدته في هذه القصيدة يستعمل الخفيف، والملاحظ أن أغلب قصائده تخضع لهذا الوزن، ولا أدري ما إذا كان الخفيف يخصص للقصائد التي يغلب عليها طابع الشجو والتأسي كهذه القصيدة (في ذكرى الهجرة 1404). أم لا ؟.

سادسا: وحاولت الإستفادة مما نأخذه من دروس في مادة السيميائيات 5 لهذه السنة فلاحظت أن هناك كلمة محورية تتمحور حولها القصيدة، وهذه الكلمة تتشكل من أصوات مشتقة في القصيدة وهي كالتالي: في المقطع الأول يسود حرف الحاء عشر مرات، وفي الثاني العين وأسقطها باعتبارها إحدى الحروف المستعملة في العربية بكثرة حسب ما أثبتته الدراسة التي عملت على إحصاء الحروف السائدة في العربية بواسطة المنظم، إذ توصلت إلى أن أكثر الحروف استعمالا هي (ل-م-ن-ر-ع) وفي المقطع الأخير نجد إلى جانب العين حرف السين الذي يسيطر إلى جانب العين في المقطع الثالث.

وفي المقطع الأخير نجد سيادة حرف –النون-، وكان بالإمكان أن نسقطه من الحسبان شأن ما فعلناه مع العين، لكن نظرا للنسبة التي يشكلها في المقطع تقدر ب -34 مرة- وبناء على هذا، إذا جمعنا هذه الأصوات المشتتة جنبا إلى جنب فإنها تكون كلمة معجمية –حسن- وهي الكلمة التي نجدها في آخر القصيدة .

سلوت كل بلاد هام قلبي بها

                         إلا سلا ما لها في القلب سلوان

مما يجعل –السين- تلعب دورا في تحديد المعنى العرضي – كمعنى خاص لقول ما، او لعنصر لغوي يوحي به السياق العام "6، وهو الدلالة على السلوى والإعتزاز وهو ما تشير إليه القصيدة ككل، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه بالأسلوبية الصونية .

سابعا: لما كان المقطع الأول أكثر تعبيرا على هذا الشجو فإني لاحظت أنه يكثر فيه من بعض الأصوات المهجورة التي تحدث أزيزا واضطرابا عضويا حين التلفظ بها، وذلك مثل (الزاي، والذال، والجيم، الضاء، الغين).

ثامنا: من خلال قراءتي لقصائد الورطاسي لاحظت أنها لا تخضع لمسألة ألح عليها النقاد والشعراء كثيرا وعلى رأسهم خليل مطران ألا وهي الوحدة العضوية، ففي هذه القصيدة مثلا

يمكن أن نعيد ترتيب الأبيات 5-6-7 بشكل اخر دون أن يخل ذلك بالسياق العام للقصيدة وكذا الشأن بالنسبة للأبيات (9و10) و(13 و14)..

-تاسعا: أريد بعد هذه الملاحظات التي حاولت إلى حد ما أن تجسد البناء الفني للقصيدة الورطاسية الإنتقال إلى ظاهرة أخرى مهمة وخطيرة في نفس الوقت وهي المتعلقة بالبناء العمودي لقصيدته، وخطورة هاته المسألة تأتي من كون صاحبنا يدافع عن هذا النهج إلى حد جعلني أتساءل: عما إذا كان الإسلام يقف موقفا عدائيا نحو الشعر غير العمودي؟ وما سر دفاع الورطاسي عن هذا الضم الذي أصبح يأخذ كإلاه يعبد، فيسيء بذلك إلى الإسلام –كدين لا يقبل الشرك والأوثان – أكثر مما يحسن إليه؟

لقد خصص الورطاسي لهذا الدفاع قصيدة بأكملها جاء فيها:

                             بين القديم والحديث

قالوا: تعصبت للشعر الذي ازدهرت

                                 أيامه في عصور البيد والإبل

هذا زمان الالي بذوا أوائلهم

                           في كل واد ن فهل يبقى على الأول

إن الذين أتوا من بعدهم خلقوا

                           شعرا يروق هواة المبدع الجلل

لانت حياة بني الإنسان فانبثقت

                           عن لينها مبدعات الشعر والنحل

والكون ثار على الأوضاع منفلتا

                               من القيود التي أردت دنا الخول

والشعر كالناس قد جدت عوامله

                             فارتد عن نظم تدنيه بالمهمل 9

واختار نهجا قويما في مقاصده

                             سلس القياد بلا قيد ولا علل

يهدي إليك من السحر الحلال رؤى

                                 ينجاب منها سحاب الحزن والملل

يعفيهم عن عروض لا توادعهم

                             إن كان فيه –بحق- أيما خلل

والعصر عصر انحلال لا يهاد نهم

                                 إلا إذا لبسوا مهلهل الحلل

خذ للقصيد دروبا راق مظهرها

                             ودع دموعا على الأنقاض والطلل

فقلت: ذاك وهل في الأمر عجب

                             أما تالت داء الجهل والكسل

سدا "عليهم " مسالكا تبوئهم

                         أسمى مقام قصيد غص بالمثل

ما الشعر إلا شعور فاصم نبعد

                         بين القوافي ذوات الأغصن الظلل

والشعر عند الخليل دون غايته

                             خرط القتاد فهل للقوم من مقل ؟

أسمى القوافي، قوافي العرب وأسمى

                                   ولي القريض، وما في الأمر من جدل

أين الرواة الأولى، غصت مجالسهم

                                 بكل قافية تروى بلا كلل ؟؟؟

كأنما ذاكرات القوم معجزة

                           جبارة تتحدى صولة الأزل

ما قيل: من قال هذا الشطر ؟لا غدوا

                                   يعزونه ضاربين أروع المثل

قل لي: بربك هل خبرت ذاكرة

                             ممن يقال لهم: مجدد والنحل ؟

فمن هنا فكرة لقائل غصبت

                         ومن هناك قصيد صيغ في ترهل

وقلما قيل هذا من شعورهم

                       قد صيغ شعرا وفيه اية الحول

ويح "العروبة" من عرب قد افتتنوا

                               بالشعر لكن بشعر واضح الخطل

من للعروبة من يحيي مآثرها

                             ويستجد لكن دونما دغل ؟

إن كان في العرب من ثارت ثوائره

                                 على القديم، ما في الأمر من دخل

دانو الوضع قديم كله عفن

                         فثار كل على كل بلا مهل

أو كان في الشرق من حالة مناهجه

                                   عن القديم، فقد أجاد في العمل

أدنى القديم وجال في مرابعه

                                 واستوعب الشعر من أحضانه الأول

حتى إذا انعكست من روحه صور

                               عليه صاغ جديدا رائق الحلل

إن الجديد متى كانت منابعه

                         من أصله، كان فيه أعظم النفل

والقصيدة على حد قول صاحبها نشرت بمجلة الإيمان المغربية، وكان قد كتبها بتاريخ 07 يناير 1964 . ولعل الفترة تزامن مرحلة احتدام الصرا بين القديم والحديث، خاصة وأن الفترة عرفت تراجع العرب على المستوى العسكري بالخصوص، وكان من الطبيعي أن تمتد إعادة النظر في كل شيء، صالحة وطالحة، تبعا لتأزم النفسية العربية فشمل ذلك الشعر أيضا .

والحقيقة أن مسألة الصراع بين القديم والحديث قد أسالت حبرا كثيرا قديما وحديثا . ويهمنا من هذا الصراع أن نعرف على وجه التحقيق قضية الشكل والمضمون، وما موقف الإسلام منها، فهل الدين ينظر إلى الأثر كشكل أم مضمون، أم كشكل ومضمون في نفس الوقت ؟.

لقد ارتبطت إشكالية الشكل / المضمون في النقد العربي بمسألة إعجاز القران .هل هو معجزة بألفاظه أم بمعانيه ؟ وقد انقسم النقاد في الإجابة عن هذا السؤال إلى محورين: محور قال بالإعجاز اللفظي ومحور قال بالإعجاز المعنوي، إلى أن جاء عبد القاهر الجرجافي بدراساته المستفيضة كشف فيها عن العلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون، وقد أكد نفس هذا الترابط بين العنصرين: " كولريدج" في الغرب، لكن النظرة العربية

ظلت تميل في مجملها إلى تفضيل الناحية الشكلية، وبقيت أسس تقييمها للعمل الأدبي –في الغالب- جمالية محضة 10، وقد قامت شبهات حول موقف الإسلام من الجانب الشكلي في الأدب ذهبت إلى أن الإسلام يحكم مقياسا خلقيا صارما، ويهمل القيم الجمالية إهمالا شنيعا . بل إنه يعادي الشكل لكونه زخرفا أصباغا لا طائل من ورائها...أو لأن الشكل في العمل الأدبي مؤهل لمنافسة القران: وكانت حججهم في ذلك كون القران جاء خاليا من الآيات التي تدعم الجانب الشكلي . ثم إن موقف الإسلام من الشعراء في عهد الرسول 11 كان موقفا أخلاقيا .

وقد غاب عن هذه الدعاوى أن الإسلام نظر إلى الشعراء كأشخاص وكمصدر للإبداع –ولم يتحدث عن الشعر – كإنتاج، ثم إن القران اعترف بالشعراء كشعراء ورفضهم لأنهم غاوون وفي كل واد يهيمون – فهم بالمقاييس الجمالية "الفنية" شعراء ولكنهم مرفوضون لاعتبارات عقائدية وليست شكلية .

يقول أدونيس " إن قيمة الشعر في الإسلام، تحدد من حيث اعتبار فاعليته الإجتماعية والأخلاقية وليس في قيمته وجماله " ثم يستدل بقولة عمر بن الخطاب في زهير 12 . ويضيف "الجمال ينبت من الدين وليس من المعايير الفنية التي يقوم عليها الشعر...

فعلم الجمال في الإسلام إذن علم "جمال المضمون" 13 ويذهب "جاك بيرك" إلى القول بأن الإرتباط بين الأدب العربي والقران من شأنه أن يكون عائقا أمام الإبداع في ميدان الأدب لأن تقبله لهذا التقييم يجعل من القران سقفه 14.

وهذا الكلام مردود لكون القران لم ينزل ليقلد –بفتح اللام مع تمديدها- لأن ذلك فوق طاقة الجن والإنس ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وإنما نزل لتطبق شرائعه وأحكامه، وإن هذا الكتاب فوق أن يكون سقفا يحد من مجالهم الإبداعي، بل ترك لهم المجال فسيحا كي يخوضوا ويبدعوا كما يحلو لهم . فالإسلام إن كان قد ركز على جانب المضمون في دعوته الإلتزامية وليست الإلزامية إذ "لا إكراه في الدين "15 فإن دفاعه كان طبيعيا ومنطقيا لكون هذه الرسالة جاءت لتعلم الناس كيف يتخلقون ويعيشون ويعبدون الواحد القهار تاركة لهم الحرية الإبداعية في أبواب أخرى تتعلق بالنفعيات وما كانت لتبعدهم عما خلق الله لهم من زينة الحياة الدنيا، فالله سبحانه جميل ويحب الجمال .

ثم إن هؤلاء الذين يحاكمون الإسلام بكونه يحجر الفن ويخنقه، من أمثال أدونيس ومن لف لفه وسلك مسلكه ينسون أو يتناسون أن الإسلام لم يحكم (بضم الياء) إلا لمدة جد قصيرة ثم جاء بعدد ذلك العصر الأموي الذي كان يعتد بالنموذج الجاهلي، ومن بعده العباسي وما حمل من بدع وهرطقات بعيدة كل البعد عن الإسلام .

إن الإشكالية التعبيرية تنمو نموا تدريجيا مطردا، ولكن بطيئا يمتد ‘لى قرون وسنين، فالأشكال الفنية التي نعرفها الان هي قديمة قدم الإنسان، مرت عبر العصور اليونانية بالنسبة للأدب العربي والجاهلية بالنسبة للأدب الغربي " الظواهر الأدبية بطيئة التطور، وقد لا ترتبط زمانيا بالأحداث السياسية والدينية وغيرها، ولابد من انقضاء وقت ما قبل أن يتاح لها التلاؤم مع الأوضاع الطارئة التي كثيرا ما تحمل طابع المفاجأة" 16 . ولذا وجدنا الرسول (ص) يسمح للشعراء المسلمين بالكتابة على الطريقة الجاهلية 17 . وباعتبار هذه المعطيات تبدو بعض التجديدات التي عرفها العالم العربي في العصر الحديث إن على مستوى الشكل وإن على مستوى المضمون بهلوانية تعسفية، إذ يقترن مجملها بالنكسة التي مني بها العرب من جراء الإستعمار اليهودي لفلسطين .

وقد تجلت هذه الدعاوى السابقة لأوانها والمعبرة عن رجعية وتخلف عقلية أصحابها في موجة الشعر الحديث كموقف كياني من الحياة، وفي الدعوى إلى العامية، ولجوء الشاعر إلى الإنغماس في عالم اللاشعور والاساطير والرموز المبهمة .

لقد اتخذت العامية كشعار لها: العمل على إيجاد أدل شعبي وبلغة شعبية، وهي دعوة باطلة من أساسها للأسباب التي ذكرتها، وثم كون هذا الإفتراء يغفل العامل الجغرافي وهو مهم جدا ذلك أن لهجة أهل الشمال ليست هي لهجة أهل الجنوب، بل إننا نجد اختلافات لهجية بين سكان سكان الجهة الواحدة، ففي المغرب مثلا: نلاحظ اختلافات بين اللهجات البربرية فهناك السوسية والأمازيغية والريفية . وإن سكان المغرب بل سكان العالم بأسره وإن فرقتهم اللهجات وحالت دون تواصلهم على (على مستوى التعبير) فإن الفصحى تجمعهم، وهذه الدعوة من جهة ثانية تسيء إلى اللغة الأم وما يترتب عن ذلك من اثار سيئة على المضامين . وقد وصف شاعر معاصر هو عمر أبو ريشة هذه الظاهرة بأنها موجة منحسرة وظاهرة غير مرضية وإنها بضاعة وافدة وإن الصهيونية حتما وراء هذا الشعر . فالصهيونية هي مبتكرة البدع والهرطقات في هذا المضمار أو ذاك لملء الفراغ عند الشباب ولمنعهم من العودة إلى التراث والاصالة...كما يذهب الأستاذ نزيه ضاحي أن الدعوى التي يحملها أهل الشعر الجديد إنما ترمي في صميمها إلى هدم قواعد الأدب العربي والبلاغة العربية وذلك عن طريق هدم عمادها اللغوي...18

نستخلص من هذا الإسلام لا يحجر الفن كما أنه لا يطلق له العنان حتى يطعن بطريقة

أنه لا يطلق العنان حتى يطعن بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في أشياء أوهي أن نعض عليها بالنواجد، ويكفي أن أشير هنا إلى أن الدعوة إلى التشكيك في القران الكريم ابتدأت بالتشكيك في الشعر الجاهلي كديوان جمع ألفاظ العربية وأفكارها .

من هنا يبدو أن الإسلام بريء من الدعوة إلى التمسك بالشعر العمودي، وأن الشاعر له الحرية في الأخذ بذلك أو لا يأخذ، وكان يكفي الورطاسي الذي دافع عن هذه القضية بشدة أن يلتفت إلى جانبه ليجد أستاذه "علال الفاسي" يكتب على الطريقة العمودية كما يكتب على شكل تدفقات نغمية لا تخضع للأوزان الخليلية . يقول علال الفاسي "عندما هبت قبيلة "أبناء خليفة" للدفاع عن أرضها التي حاول المعتدون المحتمون بسيف الحاكم اغتصابها منهم، فهب علال الفاسي يدافع عنهم، ويحيي رجولتهم بدفاعهم عن حقهم، وقال في هذا الحادث قصيدة بعنوان "رسالة من أولاد خليفة" منشورة في المختارات، كما نشر نفس القصيدة بكتيب منفرد بعنوان "رسالة من أولاد خليفة" منشورة في المختارات، كما نشر نفس القصيدة بكتيب منفرد بعنوان "ليست الأرض لمن يغصبها إنما الأرض لمن يحرثها"

نقتطف منها المقطع التالي:

                   وأتى الحاكم يحمي

                   غاصب الأرض بجند

                   وسلاح وقنابل

                   تضرب العز من غير خناجر

                 والذي صاح

                   وكل الناس صاحوا:

                 أرضنا لن تأخذوها

                 أقتلونا ودعوها

                 إنما الأرض لمن يحرثها

                 ليست الأرض لمن يغتصبها

                 ليست الأرض لمن ينزفها 19

 

................

1- يلاحظ تكلف الشاعر هنا يصورة واضحة . فكان من الأولى أن يقول:" وهي الإسراء والمعراج " لكن ما دامت القصيدة همزية، فقد أخضع اللغة للفكرة . وهذا يتمشى مع مفهومه للشعر الذي فيه مجرد وعاء للأفكار والمعاني بصفة عامة .

2- الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه /د, عباس الجراري ص 224 بتصرف .

3- نقلا عن محمد مفتاح / في سيمياء الشعر القديم / دار الثقافة – الدار البيضاء ص: 42 بتصرف

4 – أنظر: في سيمياء الشعر القديم: م م ص: 39-40 .

5- الأستاذ الدكتور محمد مفتاح .

8- الأستاذ الدكتور محمد مفتاح .

9- كلمة غير واضحة، فكتبتها على هذا الشكل .

10- أنظر فيما يتعلق بالنزعة الشكلية المحضة في النقد العربي القديم، د. عز الدين إسماعيل: الأسس الجمالية للنقد العربي .

11- صلى الله عليه وسلم .

12- الثابت والمتحول 1/150.

13- نفسه 1 / 153

14- نقلا عن أنور الجندي، خصائص الأدب العربي 130

15-البقرة / 255

16-إحسان النص: الخطابة في عصرها الذهبي ص 41 ,

17- تراجع: قصيدة كعب بن زهير: بانت سعاد حيث نجد المقدمة الغزلية وما يليها من الأوصاف الموروثة عن العصر الجاهلي، ومع ذلك فإن الرسول الكريم قام لكعب فأهداه بردته .

18- نقلا عن مجلة "المجتمع" الكويتية/ مقال: المؤامرة على الشعر .

19-نقلا عن: شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث تأليف أحمد عبد اللطيف الجدع وحسني أدهم جرار الجزء 7 ص 29 -30 مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الأولى 1400ه 1980 م.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

رائع استاذ عبد الحق
موضوع قيّم وجدير بالاهتمام

صفاء الهندي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2733 المصادف: 2014-02-28 00:07:06