المثقف - قراءات نقدية

المجرم محمد زادة حالة شعريّة لا يمكن صنعها..!

rasheed alahmadإذا حطّت الحرب أوزارها

هل ستنتظرينني يا حبيبتي

عشرة أعوامٍ أخرى

كي نعلن زفافنا

فالبيت الصَّغير شقا العمر

الذي بنيته لكِ طوال تلك السّنين

هدمته الحرب بلحظة..!

بهذا الشّكلّ يحاكي محمد زادة حبيبته الّتي وعدها - هناك في سوريا – بالانتظار كي يعلنوا زفافهم بعد غربة في تفاصيل الملل عمرها 17 ربيعاً أنهكته لأنّه بكلّ بساطة لا يمكن أن يبدّل تلك البلاد بسوريا الألم، ويعود ويؤكّد لتلك الحبيبة عشقه وعذابه بصورة إبداعيّة ولا أروع، فيخبرها بسرٍ مضى عليه ليلة واحدة، والمكان تحت شبّاكها عندما يقول:

ألم تسمعي صفير الرّيح تحت شبّاككِ

لم تكن الرّيح يا حبيبتي

كانت رئتي تُلملم عطركِ من زوايا المكان.!

جمال أسلوب كتابة هذا الشّاعر يبدأ من بساطة صوره البيانيّة، وكاريزما لغته الشّبيهة والقريبة من اللغة الإعلاميّة، ومن ترتيب كلماته القريبة من اللغة المحكيّة الّتي تخبرك بأمرٍ قد وقع، فيشدّ انتباهك، ويجعلك أن تركّز كلّ مشاعرك، وأحاسيسك على ما هو أمام بصرك، وفؤادك، فلا تتعذب أبداً في تخمينات مدلولات بساطة جمله مثلاً – كيف أقنع الفراشات أنّ ثوبكِ ليس سجّادة الصّلاة - ولكن الأهم من ذلك تجد وجع وألم ومعانات في حالةٍ إنسانيّة وسياسيّة بحتة، فيرسمها، وينقلها إلى القارئ ليتذكّر تفاصيل حياته في جميع مدنها وأزقّتها المهجورة، والتي تبكي على سكّانها فترمى لها الصّواريخ وتُرسل سيّارات مفخّخة هدية وعقاب فقط لأنّها رفضت الغريب واعترفت بمعاناتها واشتياقها لسكّانها الأصليين ؛هكذا أيضاً تحنّ المدن والشّوارع والبيوت إلى أهالها فيسرد قائلاً /

لا تخدعني يا أبتي هذه ليست حلب

حلب أعرفها

أبصمها

أحفظها

أغمضُ عينيّ وأحسّها

أعرف ملمس ترابها

أحمل في قلبي وشمها

فحلب كانت معي في رحلتي

تتألّق منذ سبعة عشر عاماً رفوف غربتي

كلّما أمسح الزّجاج من حولها

يهرُّ من جيبي تراب حارتي/.

طريقة استعمال زادة للكلمة في تشكيل جمله للتعبير عن الفكرة، هي التّزاوج، والانفصال، والتكامل في المعنى، كما هنا عندما يرسل لنا هويته، ليؤكّد ويجمع بين قوميته، ومسقط رأسه تحت سقف الوطن حيث يقول:

لو أنّ الله لم يخلقني كُردياً

لو أنّ أمّي ما نبتت يوماً في حلب

لو أنّ سوريا تتوقف نبضة واحدة فقط عن الدّوران في دمي

لغادرتُ الأرض دون ندم.

ويكرّر في وقفة ثانية مستفسراً أمّه:

ماذا حدث في القامشلي يا أمي

لا شيء يا بني

طلبوا منّا شهيداً فأعطيناهم أربعين

أربعين يا بني هذا الرّقم الّذي وَرَدَ أربع مرات في القرآن.

التدوين الخامس للعمر عنوان ديوان 2014صادرة عن منشورات مومنت في بريطانية يتحدّث عن حالة النّاس، وملامح الحرب فيرصد المأساة الحقيقيّة ؛بخلق حالة نثريّة آنيّة، ولكنّه لا يكتب الشّعر كوسيلة للتعبير الشّخصيّ، ففي هذا العمل حمل هم الوطن ومعاناة أهله فيخفّف من كثافة المجازات والاستعارات المصطنعة، ويعتمد على الكتابة التصويريّة فيقوم بسرد شذرات من طفولته ويسقطه على الحاضر، بعد أن يجلب الأمكنة الأولى في سيرة الماضي القريب، فيجمع بين حبّه لحبيبته، والوطن، وحالته، فيحضر الماضي مع المستقبل، بمواربة مدهشة، وحرقة قلب يجعل القارئ يعيش مع تفاصيل غريبة وسلسة أجزم أنّه عاشها، ولكن لم يقرأها من قبل، فيرى مشهداً حقيقياً لكلّ ما جرى ويجري هناك حيث سوريا.

عندما ستنتهي الحرب

هل ستقبلين بي زوجاً

فأنا لم أقاتل

لكني شاركتُ بالمظاهرات

وفي عائلتي لا يوجد شهداء

بعض النّازحين وخمسة معتقلين

وأبي من الحزن مات

لم أكن موالياً ولم أكن معارضاً

كنتُ سورياً

يعيش على التبرعات

يبحث عن حق البقاء

يكره الرّصاص والدّم والطّائرات

يحقد على المهربين والتجار والحواجز

ولصوص الحدود

والمؤتمرين أصحاب البزاة

كنتُ سورياً عانى الحصار والبحث عن الخبز تحت الأنقاض.

المجرم محمد زادة في التدوين الخامس للعمر يثقب بكارة الوقائع، ويترك الأمور تأخذ مجراها خارج عن أي تدبير، لترتعش حتّى رؤوس أصابعك، يسيطر على اللّغة فيجعلها ممتدة في المساحة التي أوقفت شعراء في محطّات لغويّة صعبة، فيمسكها من كمّها ويجرها راسماً أسلوب الخطوط الهندسيّة، يتهيّأُ لي مختزلاً بساطة محمد ماغوط - الذي صفق أبواب كلّ القيود والبحور الشّعريّة - وجنون لقمان ديركي، ومأساة محمود درويش.

في المنفى يتعرّف السّوريّ على أخيه السّوريّ

بالقلب يصافحه

ويتحدّثا عن الوطن

يسأله عن حجم الزّنزانة التي كان يسكنها

عن عدد السّنوات الّتي نهبت من عمره

يسأله عن التعذيب هل طوّرت أساليبه

أم لازال تقليدياً

يسأله عن الأحلام الّتي دُفنت في السّجن

وعن الأمراض الّتي خرج بها

يتبادلان أحاديث السّجن والاعتقال..طيلة سنوات المنفى

ولا يسأل أحدهم الآخر عن التهمة.

هذه هي تأويلات محمد زادة، الّتي يمزج فيها الحالة الإنسانيّة والعاطفيّة مع السّياسة، وتجاذباتها، فتكون السّبب في ولادة التدوين الخامس للعمر، والّتي ربّما تسقط رونقها بمرور الحالة الآنيّة للحدث بالتقادم، ولكن ستبقى ملحمة نثريّة مؤرّخة يتصّفحها الأجيال.

 

راشد الأحمد كاتب وإعلاميّ

سوريّ

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا محمد زادة......شكرا راشد اﻷحمد......
أنتم أبناء وطني وبكم أفتخر.....

Emad Eddin
This comment was minimized by the moderator on the site

حقيقة رائعة نصاً وتحليلاً الشكر الجزيل لكاتب المقالة والشاعر زادة لأول مرة أقرأ لهذا المبدع محبتي

فريد سالم
This comment was minimized by the moderator on the site

برافو الأستاذ راشد والشّاعر المحترف محمد زادة بركتم على إبداعكم الرائع والفريد

سمر محماميد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2734 المصادف: 2014-03-01 05:18:47