المثقف - قراءات نقدية

حدث في الكوت في آذار 1991 .. من رواية الصبار لايموت عطشا

ذرات الرمل المتطايرة من سطح "اللوري" تتسلل الى أجساد الركاب الواقفين يستند أحدهم على الآخر كلما أهتز اللوري وهو يجتاز الحفر التي خلفتها الدبابات على الشارع الاسفلتي النازل الى الكوت .

كان نهارا ربيعيا جميلا .. على الجانب الايسر كانت مزارع الحنطة تمتد زاهية، سيقانها الخضراء تتماوج تحت أشعة الشمس فيما راحت عصافير نزقة تطارد مئات الفراشات الملونة التي تتدارى بالزهور البرية.

على الجانب الايمن بساتين تفتحت عن طلع ما يزال حليبا، تحتضنه اشجار النخيل التي تعد برطب جني، الربيع لن يهجر العراق

على سطح اللوري كان الركاب منكفئين على همومهم يبحثون خصوصياتهم بحذر كي لا تفصح سحناتهم عن شيء، من يدري قد يستطيع احد ما الدخول الى ما يفكرون به ‍‍ ..الآخرون إخطبوط تمتد مجساته بكل الاتجاهات .. السلامة في الا تفكر .. لا تناقش نفسك حتى بالصمت الاخرس، لقد تعلموا ذلك بالتجربة .

تطلع في الوجوه عله يتعرف على شخص ما، على شيء مختبئ في عمق العيون، على فكرة ما، قد تطفو فوق النظرات الحزينة والمقهورة .. هل بإمكانهم أن يضحكوا .. حسنا .. أن يبكوا .. ربما هم مستعدون لذلك ولكن الوقت قد لا يكون مناسبا وبالتالي توجه لهم تهمة ما ‍‍‍‍‍‍‍!! ربما تهمة الاساءة، تذكر قصة الالماني الذي ضحك بصوت عال يوم وفاة أم الزعيم فسجن لانه لم يشارك الشعب بالمصاب الاليم !! يوم خروجه من السجن وقف على الجسر .. طويل اللحية رث الملابس يبكي ماضاع من عمره .. سجن أيضا لأنه لم يشارك الشعب بفرحته بعيد ميلاد الزعيم .. الفصول تتعاقب والدنيا تتغير إلا الزعيم

قال السائق ـ الكوت، هل من يرغب بالنزول؟

توقفت السيارة عند مدخل الشارع المتفرع من الشارع الرئيسي .. نزل معه اثنان .. كانت وجوههم تحمل طبقة من الاتربة وتحولت الاجفان الى خطوط سريالية .. لم يتكلم احد منهم .. شعر بالخوف وهو لا يجد غير الصمت الثقيل يطبق على كل كيانه .

كانت تقف على مدخل الشارع النازل للمدينة دبابتان جلس فوقهما بضعة جنود، لم يكلموهم،كانت نظراتهم لامباليه .. أحس أنها جزعة تعبر عن نفاذ الصبر .. لم يشعر أنهم قد التفتوا الى الربيع الملقى أمامهم على امتداد الشارع .

المدينة خالية تقريبا الا من بعض المارة الذين يقطعون الشارع الرئيسي .. من الواضح أنهم يتجنبون المشي وسط الرصيف الواسع، فهم يسلكون الممر المحاذي للحائط .. كان يرين على وجوههم صمت مترقب يعطي لنظراتهم هدوء الانتظار .. وسط الساحة التي حولتها مياه الامطار الى بركة، تنتصب جدارية كبيره ملونة تزدان بصورة ربما ثلاثة امثال الحجم الطبيعي .. كانت الملابس العسكرية تزدان بأوسمة ونياشين وتمنح الجدارية،الشارع والمارين والنائمين في بيوتهم ابتسامة عريضة، شامتة تحاول أن يداري لؤما غريزيا مزروعا في القسمات .

على الكورنيش المحاذي لدجلة في الجهة المقابلة للجسر كانت مديرية المخابرات .. بناية كبيرة على مبعدة عدة أمتار منها لافتة كبيرة مثبة على عارضة خشبية   "" ممنوع السير على هذا الجانب ""

أمام الباب الرئيسي أربعة جنود مسلحين بالرشاشات، على السطح وضعت اسلاك شائكة تحوطا من قيام بعض المتسللين بالصعود الى السطح.

على الاركان فوق السطح صفت أكياس رمل كساتر لحماية الجنود الذين يقفون خلف رشاشات ثقيلة .. على الباب " بوستر " ملون، كان يداعب طفلا ويقسر نفسه على ابتسامة حاول أن يجعلها ودودة .. كان الطفل متشنجا يحس بثقل وطأة الكف على رأسه ويبدو أن المصور وامه يلوحان له ليبقى ثابتا وأن تظل الابتسامة البريئة على وجهه .. هذا عمو حتى وان كانت يده ثقيلة و معروقة .. عليه أن يكون شجاعا ويبتسم .

ساحة وقوف السيارات على الجانب الاخر، الجسر، دمر مساراته صاروخ اطلقته احدى الطائرات التي الحقته بقذيفة اخرى جعلته ينتكس معلنا أن لا مرور.. من يحاول فعلى مسؤليته !! الطائرات لم تستهدف مديرية المخابرات رغم أنها كانت تطلق النار من مدافعها الرشاشة و من جهاتها الاربع وكانت هدفا سهلا ! لماذا تظل الاسئلة حائرة .. متى سيأتي الجواب؟

كان دجلة لا يحييه أحد .. غاضبا كئيبا ولكنه صامت .. المويجات الصغيرة تعبّر عن رفض مكتوم، حمل الجثث مكرها، وزعها على البدعة، الكحلاء،المشرح، واخيرا خص شط العرب بالحصة الكبرى، لم يك يرغب بهذه الحمولات ولكنه كان مقهورا، مشى متثاقلا، كان هو أيضا يطوي جانحيه على همومه، يخشى أن يحملوه الى أرض اخرى كما حملوا نخيل البرحي من بساتين البصره، يخشى أن يصبح عقيما بعد ذلك كما هو نخيل البصرة في مواقع الاعتقال !!

كانت ساحة وقوف السيارات خالية من أية سيارة، مجمعات كبيرة من الراغبين بالسفر ينتظرون،كانوا واجمين ، بعض الرجال يدخنون بحرقة وكأنهم يعوضون الالم والإحساس بالعجز، البعض الاخر كان يدخن لقتل الوقت ومداراة البرد

ـ متى غادرت آخر سيارة؟

سأل خالد رجلا كان يقف مراوحا، امرأته ترضع طفلا

ـ وهل غادرت أول سيارة!!

كان الجواب مراوغا ولكنه ينضح بالسخرية المرة لم يك خالد هو ا لمعني بها، لقد فهم ذلك و قدر أن الرجل متعب أنهكه الانتظار الطويل والبرد ولجاجة الطفل .

تابع الرجل ـ قضينا اكثر من عشر ساعات بالانتظار .. لا أحد يدري متى يلوح الفرج .. اننا ندفع جزاء ما فعلناه .. علينا ان نتوقع الأسوأ !!

لم يعلق بشيء أحس أن هذا الاستسلام هو الذي سيأتي بالأسوأ، لماذا تعتمد ثقافتنا على عقدة الذنب الموروثة .. ترك الرجل وسار الى الجانب الاخر، كانت مجموعة من الشباب تصغي الى مذياع يحمله أحدهم .. كان المذيع يقدم تحليلا سياسيا معطيا صوته اقصى مايملكه من التفخيم بنطق العبارات دون أن يهتم بما قد يسببه ذلك من أذى لحباله الصوتية، وهكذا أيها الاخوة المستمعون سنظل " نلعب " دورا رئيسيا على المستوى الاقليمي والعربي والدولي .

لاحت على وجهه ابتسامة غارقة بالمرارة، نعم " ستلعبون " انه اللعب العبثي، لعب المأساة التي لا تبدو نهايتها قريبة .. انكم لا تؤدون عملا ولكن تلعبون !!

عاد ثانية يتجول في الساحة يتطلع في الوجوه المتعبة التي أمضها الانتظار والترقب .. صرخ طفل أنه جائع .. حاولت الام اسكاته بكسرة خبز .. قال رجل يشتم امراته .. وأخيرا ماذا سأفعل!! أرتفع صوت المذياع بأغنية راقصة، بدى الايقاع السريع نشازا، قال شاب لزميله ليس وقته، أنصت .. الحركة غير عادية، ماذا يحصل؟

على الجانب الاخر بدأ يسمع بوضوح صوت اطلاقات متفرقة .. شاهد الجنود على بوابة مديرية المخابرات يدخلون بسرعة .. انصفق الباب الحديد وراءهم على نحو صاخب سمع في الكراج، كانوا عجلين،استفز هذا المتجمعين في الساحة، اشرأب بعضهم يستطلع وتحرك البعض نحو الجسر .

بامتداد الشارع المتعامد مع الجسر بدأ يشاهد حشد من الناس .. كتلة بشرية متراصة تتقدم وهي تكبّر .

أطلق الجنود من على السطح زخات من الرشاشات الثقيلة .. تحولت الزمجرة المبهمة الى أصوات مختلطة غاضبة وهي تقترب .. من الجسر .. أيقن أنه لن تأتي سيارة بمثل هذا الوضع وانه يتحرق لمشاهدة ميلاد انتصار الناس ولو لمرة واحدة !! كانت نسوة يحملن اطفالهن فزعات يركضن بأتجاه الجسر للهروب الى الجهة الاخرى .. يتقدمهن صبيان حفاة يصرخون .. لقد احتلوا الكوت .. زغردت امرأة .. قالت عجوز وهي تستند الى الجزء المتبقي من   سياج الجسر تنظر نحو الماء وهي   تدخن

ـ وبعدين !

اشتد اطلاق النار .. ظهرت مجموعة صغيرة من الشباب المسلحين .. كانت اسلحتهم متباينة .. بعضهم   يحمل العصي وبعضهم الحراب وقلة تحمل بنادق، التحق بهم بضعة شباب يحملون رشاشات كلاشنكوف، كان واضحا انهم الاقرب الى التنظيم .. تعالى هتاف حاد من مكبر محمول .. الله أكبر ..رددت المجموعات كلها الهتاف .. زغردت النسوة اللواتي كن خلفهم.. زغاريد النسوة تدفع بحماس الشباب الى أعلى مستوياته.. شاهد محاولات فاشلة لتسلق سور المديرية .. سقطت بضعة أجساد ثقبها الرصاص واندفع الدم على الاسفلت حارا لزجا .. أمكن تسلق السور الشرقي .. هبط الجنود قفزا تاركين الرشاشات .. تعالى دخان من قلب البناية .. فتح الباب الرئيس وبدأت أعلام ملونة تتقدم من كل صوب .. أطلق المقاتلون الذين استولوا على البناية زخات من الرصاص الى أعلى معبرين عن الفرح .. قال رجل وصل من الجانب الاخر .. لقد أخرجوا السجناء بعضهم كان مختفيا منذ سنوات .

تقدمت جموع مسلحة غاضبة تعبر الجسر .. انه مشهد يصعب نسيانه .. توق مقهور للحرية رفع عنه الغطاء .. والبناء الذي شيد على الرعب والخوف ينهار بسرعة، بدأت سيارات عسكرية تمر خلف الكراج محملة بالجنود وصناديق الذخيرة .

لم يعبأ الجنود بالحشود المتقدمة وكانهم يشاهدون منظرا لاعلاقة لهم به،اخلي المعسكر على عجل وبهذا تم تجنب مذابح متوقعة .. لوح المهاجمون للجنود المغادرين ولكن أحدا منهم لم يرد .. سقطت مدينة الكوت وسقط المعسكر .

المساء يزحف باردا ينشر القلق والغموض .. لم تحل الفوضى بالمدينة فقد تم تنظيم كل شيء بسرعة، ساعد على ذلك أن العديد من الناس لزموا البيوت منتظرين، في الشوارع مجموعات مسلحة تقوم بالحراسة .. فكر أن هذا لن يستمر وان عليه أن يغادر بسرعة .. سار باتجاه الشارع العام تاركا الكوت خلفه .. انتهت الضجة والصخب .. شعر انه منهك .. كان الهواء البارد يلفح وجهه باعثا في جسده الرجفة .. بضعة بيوت متناثرة تنام خلفها مدينة صغيرة .. كان كل شيئ هادئا .. في المقدمة مقهى صغير تركه زبائنه مبكرين .. في الداخل شاهد رجلا يقوم بكنس الارضية

ـ السلام عليكم

رفع الرجل رأسه متفحصا

ـ وعليكم السلام .. لقد اقفلنا

كان يريد ان يقطع عليه طلب الجلوس

ـ   ولكني لا أقوى على السير ..ولا توجد سيارات ..انا بحاجة الى شيء من الطعام .. سأدفع ما تطلبه .

ـ اجلس .. هل أنت من بغداد؟

ـ نعم

ـ لهجتك مختلفة عن هذه النواحي .. حسنا وما الذي جاء بك في مثل هذه الظروف؟

كان من الطبيعي أن يوجه له مثل هذه الاسئله اضافة الى أنه يدرك أن من عادة الفلاحين الفضول ،الذي لايجدون فيه أمرا غير مألوف

ـ كنت في طريقي الى النجف .. تركت سيارتي قبل الاحداث لإصلاحها فهي بحاجة الى سمكرة .. "عمرة " كبيرة

لم يشأ ان يتحدث عن عائلته لان من شأن ذلك أن يدخله " باستجواب" لانهاية له

ـ انقلاب أم اصطدام؟

ـ الاثنين .. انقلاب أدى الى اصطدامها

ـ وماذا ستفعل الان؟

ـ لا أدري، ولكن الذي أدريه الان أني بحاجة الى شيء من الطعام والشاي .. ألا يوجد مطعم؟

ـ الان ! لا .. ولكن بسيطة .

نهض الرجل الى الموقد فأشعل ورقة ليضعها تحت بضع خشبات احترق نصفها وملأ ابريقا نحاسيا بالماء من الزير الفخاري الذي بدأ ت طحالب خضراء تملأ سطحه الخارجي

سيكون الشاي جاهزا خلال دقائق .. المشكلة في الطعام .. لا أستطيع المغادرة .. راقب الماء وخذ راحتك لاني أود أن القي نظرة على الطريق .

خرج الرجل متجها الى الشارع العام يستطلع وليتأكد أن الجيش لن يعود الليلة الى الكوت .. كان قد تجاوز الاربعين ولكن هيأته العامه توحي بأنه قد قضى حياة مليئة بمتاعب أثقلت قسمات وجهه بغضون ثقيلة وحولت عينيه الى بركتين صغيرتين تنزان ماء .. لم تتحمل كتفاه ما تعرض له فقوست ظهره بانحناءة واضحة .. كانت (دشداشته) ذات اللون البني في يوم ما قد تحول لونها الى لون باهت مختلط .. ربما لم يكن يشعر بالبرد فهو لا يلبس سترة أو عباءة ..كان في قدميه صندلا بلاستيكيا لا يقيهما من الماء .

أعد خالد الشاي ووجد بضع كسرات من الخبز اليابس .. جلس ممددا ساقيه على "التخت " الخشبي الذي راح يموء تحته .. أحس بتكسر الخبز اليابس تحت أسنانه .. قليل من الشاي وتعود للخبز طراوته .. كان طعم الخبز لذيذا لم يتذوقه من قبل .. ناديه المتفحصة هل استكانت لقدرها؟

فاتن لن تسمح لأحمد بالخروج .. الوقوف عند الباب خطر .. ولكن يا عزيزتي وسعي قليلا من حدود حريته .. ان عليه أن يحس بالحرية في مسؤوليته عن تصرفاته .. المراقبة في المدارس .. في الدوائر .. في المقاهي .. لماذا نضيف نحن أيضا مراقبة جديدة ! ثم لماذا لا تستمتعين بوقتك؟.. ألا تتعبك مثل هذه المتابعه .. ولكن أريده أن يصبح رجلا .. أرجو ألا تعقد الامور !.. ستظل متابعاتنا مطلوبة حتى لو كنا في معتقل !! .. السلوك تربية .. ثم تضحك لتدفعه الى تغيير الموضوع   .

بدأت دوريات من الشباب المسلح تشاهد ماشية تراقب الطرقات ..كان بعضهم يلقي عليه نظرة سريعة مستفسرة

ـ السلام عليكم

ـ وعليكم

يبدو أن جاسم غير موجود؟

ـ نعم لقد خرج وسيعود قريبا.

لم يستغربوا وجوده ولم يسأله أحد عن "هويته" كانوا على العموم في العشرينات من العمر أضفى المساء الداكن على وجوههم السمراء صلابة وشيئا من الخشونة .. ربما لأنهم يدركون ما هم مقبلون عليه من المخاطر، على رؤوسهم كوفيات بيضاء بالأسود مما يستعمل عادة في جنوب ألعراق،

جاء جاسم متعبا لقد خاض في برك طينية موحلة فالصندل البلاستيك كان مغطى بالطين، ارتمى على التخت وأغمض عينيه اللتان كانتا تنزان ماء،حاول أن يخفف عنه

ـ كان الله في عونك .. يبدو أنك مشيت كثيرا

ـ أشكرك .. نعم .. لقد ذهبت لتفقد دار أخي .. زوجته والأولاد وحدهم !

ـ هل هو مع المقاتلين؟

ـ كلا .. سحب نفسا عميقا .. ماذا يمكن أن أقول .. هذا أخي الكبير .. كان موظفا في الكويت .. التحق بالفلسطينيين في الاردن ثم انقطعت اخباره .. عاد الى النعمانية ليتزوج ويستقر .. افتتح دكانا للمواد الغذائية.. قبل الدخول للكويت في عام 88 اخذوه ولم نسمع عنه شيئا .

ـ ولكن بأية تهمه؟

ـ الاشتراك بحركات مسلحة !!

صمت لحظة ثم تابع

- ماذا يمكن أن أحكي .. أنا الان في الحادية و الاربعين .. أعرف انك تراهن أني قد تجاوزت الستين ! معك الحق .

رفع رأسه وتطلع نحو خالد .. لم يستطع أن يخمن ما اذا كان يبكي أم أن عينيه تنزان .. كان الدمع قد تجاوز المحجرين ليتدحرج ببطء نحو الغضون الممتدة كأخاديد صغيرة

ـ ما قضى علي ليس اختفاء حسن .. لا .. قتل ابني الكبير حميد .. كان في الصف السادس ثانوي .. يقول عنه استاذ الرياضيات .. انه نابغة .. جاسم تذكر هذا .. حميد سيكون له شأن كبير !!

ـ ولكن كيف قتل .. اعني عملية ثأر !!

ـ ماذا؟ ثأر .. لا نحن هنا كلنا اولاد عم.. المشاكل لا تحل على هذا النحو .. كان حميد شابا لطيفا تصور أنه لم يزعجنا .. لا أنا ولا امه .. كان عشقه يتركز في أمرين .. القرآن الذي كان يحفظ معظمه ويتلوه بصوت بالغ العذوبة والحلاوة.. والشعر .. كان يحدثني أنه يهوى ثلاثة واحد أبن قيس، لقد نسيت اسمه !

ـ امرؤ القيس

ـ فعلا .. والثاني الرضي

ـ الشريف ..

ـ نعم .. أعتقد انه أخو الامام الرضا .. أليس كذلك؟

ـ ربما

ـ اما الثالث فهو من النجف .. يقول ان أسمه الجواهري .. كان يحفظ لهم كثيرا .

وجد خالد أن الرجل يسترسل بالحديث بلذة .. يجد في ذكرياته عن أبنه شيئا من العزاء عن فقده

ـ ولكن من الذي قتله ما دام بهذه المواصفات؟؟

ـ" هم ".. وهل يجرؤ أحد على القتل غيرهم؟

ـ لماذا؟

ـ استدعوه الى المقر .. قالوا له أنت من أعداء الحزب .. قال أي الأعداء!!! .. قالوا .. أنت تحاول أن تتذاكى علينا .. أنت تعرف ما نعنيه .. اعترف أبن ألـ ..

لم يتحمل الإهانة .. ضرب المسؤل الذي شتمه .. قيدوه .. أثناء الضرب مات .. قتلوا حميدا يا أخي ..من يومها وعيني لا تنفكان تدمعان .. كان رجلا .. كيف يشتمه بأمه؟!.يكره الحزب؟

ـ لا ادري فأنا لا اعرف شيئا عن الاحزاب .. الذي أدريه انهم قتلة .. كان يذهب الى الحسينيه في النعمانية .. الجميع يذهبون الى هناك .

ـ هل لديك أولاد غيره؟

ـ نعم أربعة .. ثلاثة صبيان وبنت .

ــ ادعو الله أن يعوضوك عنه .

ـ انشاء الله .. يبدو اني اتعبتك بمشاكلي .. آسف جدا .. ٍاذهب الى البيت .. يمكنك النوم في المقهى حتى الصباح ولكن اسمح لي .. سأغلق الباب من الخارج

ـ لا بأس وأشكرك

ـ في الحقيقة أنا أخاف عليك، لا يوجد في المقهى ما يستحق السرقة .

صمت كل شيء إلا أصوات الجنادب التي راحت تطلق أزيزا مستمرا زاد من معاناته كما بدأت مئات الضفادع على شاطئ الترعة الغربية نداآت لجوجة .. رائحة بقايا الشاي في الصفيحة قرب الموقد كانت عطنة نفاذة .. لماذا لم يخرجها .

في غرفة التوقيف الضيقة كان هناك أكثر من عشرين شخصا وكانت صفيحة مماثلة تبعث رائحة عطنة، أرضية الغرفة الكونكريتية تبعث موجات من البرد حادة تصك العظام .. كانوا ممددين متلاصقين يصعب أن ينقلب أحد على جنبه الآخر دون أن يزيح زميله بضع سنتمترات .

لم يسمح لهم بالاستحمام منذ اسبوع .. تنزت رائحة العرق في جو الغرفة .. التعب والانتظار والقلق المضني لم تترك لأحد أن يشكو .. لكنه الان يستطيع أن ينقلب على جنبه .. التخت الخشبي لا يشاركه فيه أحد.

ـ خالد عبد الدايم

كان صوت آمر حاد

ـ نعم

ـ تعال

لم ينبس أحد بكلمة .. يعرفون أن جلسة " الطرب " ستبدأ .. هكذا يسمون جلسات التحقيق .. جلسة الطرب قد تمتد لساعات .. أنت وحظك .. أنت وقدرتك على التحمل أو الاعتراف بما أنت أو بما يملوه عليك.

يعود من جلسة "الطرب " بكل الأحوال يحمل وجها آخر .. كرة مضرب كانت صفراء .. يبدأ " ألطرب" عادة على الوجه ثم يتقاذفه محققان .. يطرح أرضا .. العصى المطاطية مرنة تلتصق بالجلد   ثم تنط الى أعلى .. راقبها عدة مرات.

-   ابن ألـ .. لماذا لا تعترف .. لدينا خارطة بالهيكل التنظيمي .. نحن لا نريد اعترافك لإقرار الهيكل ولكن حتى لا تدعي البطولة .

لكمة قوية وقاسية على أنفه ويجري شلال من الدم على فمه .

- حسنا أنت لا تريد الكلام ! سنبدأ الخطة "ج" .. انزع.

لم تك لديه القدرة لخلع ملابسه .. لكمة أخري وركلة بين فخذيه وتم تجريده، علق من معصميه .

- الان سنبدأ واذا انتهينا دون أن تتكلم سنتحول الى الخطة "أ" ..أنت حر في الاختيار فالقرار بيدك !!.

ولكن لماذا يعملون بالمقلوب ج.. ثم.. أ.. ربما في هذا الترتيب حكمة لايفهمها هو .

- " أ " يا ابن الـ.. ستجلس على الخازوق .

ضحك المحقق الاقرع .. كان شعره قد تساقط بفعل مرض جلدي من وسط رأسه وبدت فروة الرأس حمراء منكمشة، كان قصيرا ممتلئا يتمتع بصحة جيدة .. يداه قصيرتان ولكنهما متينتان،وجهه املس لا يعطي انطباعا بالرجولة، حينما يبدأ بالضرب فأن ما يغيظه هو أن تتطلع في وجهه .. كان يستشعر الاحتقار فيندفع الى الانتقام بقسوة، حتى حينما " يوفق " في دفع بعضهم الى الاعتراف "و رغم مشاعر التشفي التي تشيع على قسماته " فأنه يلجأ الى الشتائم المقذعة .. أكتب .. ابن ألـ.. أخ ألـ..

توقف كل شيئ فجأة وسمعت أصوات انفجارات وهدير دبابات، هرع المحققان خارجا، سقطت قذيفة على الباب الرئيسي، جاء مفوض بالملابس الرسمية، البس بسرعة، تم اخلاء المديرية .. لقد بدأ هجوم الجيش على قوات الحرس القومي!!.. كان ضحى أحد ايام تشرين .. لقد أعطاه تشرين الحرية صدفة .. لم يعمل من أجلها .. جائته هبة من السماء فماذا سيعطيه آذار !

سمع صوت باب المقهى يفتح .. دخل صبي يحمل فانوسا قال:

ـ عمي، أبي ارسل لك هذا المذياع وشوية حلاوه جزر وخبز

ـ شكرا .. ما أسمك؟

ـ خلف

- في المدرسة؟

ـ نعم بالصف الخامس الابتدائي .. تعرف عمي، الانكليزي صعب .. تعرف أنت انكليزي؟

ـ قليلا

تنهد الصبي ووضع صحن الحلاوة ورغيف الخبز على الموقد المنطفئ وأعطاه الجهاز

5555555555555555555555555555

تنام القرى مبكرا حينما يصمت آخر ديك عن الصياح وعادة ما يكون ذلك مع اختفاء الشمس كلية دون مراعاة فروق التوقيت .. كما أنها تصحوا على صياح أول ديك ..كان غبش الفجر رماديا ..والأرض الطينية برك متصلة بعد أمطار الليلة الفائتة،اذ أنها ليست قابلة لتسريب المياه،غيوم ثقيلة منخفضة ذات لون داكن تبعث في النفس كآبة وميلا للكسل، لا تزال تتحرك ببطء نحو الشمال .

فتح الباب ودخل جاسم (بدشداشته) الواسعة التي فقدت الانتساب لأي من الالوان المعروفة وكوفيته المنقطة بالأسود ولكنه اليوم يرتدي أيضا سترة طويلة زرقاء بأزرار نحاسية لامعة

ـ السلام عيكم

ـ وعليكم السلام

ـ هل استطعت النوم؟

ـ يعني !

انشغل الرجل بإشعال الموقد .. وضع ألإبريق النحاسي الذي سرعان ماغلفه الدخان الكثيف المنبعث من الموقد بطبقة سوداء سميكة ..كان يتحرك بخفة ويدندن بصوت غير مسموع أغنية ريفية .. التفت اليه

ـ سيغلي الماء بعد أقل من خمس دقائق .. لقد جئتك بجبن وخبز وتمر،هل تفضل تناول الطعام الان أ م تنتظر الشاي؟

ـ أفضل انتظار الشاي .. جزاك الله خيرا لقد أتعبتك معي .. هل استطيع الصلاة .. أعني هل المكان طاهر؟

ناوله سجادة صغيرة بحالة جيده .. ربما لا نها لا تستخدم كثيرا !

ـ تقبل الله

ـ منا ومنكم

قال جاسم ـ ربما لم تنتبه اثناء الفجر لأصوات الدبابات وسيارات الجنود وهي تتوجه لتطويق الكوت؟

ـ كلا .. في الحقيقة كنت متعبا لأقصى حد .. لم أسمع شيئا

ـ الامريكان فجروا مخازن العتاد في المعسكر، هل تعتقد أنهم يخشون من وقوعه بيد المقاتلين؟

ـ ربما

ـ هل ستذهب اليوم

ـ نعم .. وأنت ماذا ستفعل؟

ـ سأظل في المقهى .. الوضع خطير جدا، يعني ماذا سيفرق، واحد زائد .. واحد ناقص !

لم يعلق فالأمور تسير دائما على هذا النحو .. دس في يد جاسم بعض النقود وغادر، هل يعود الى الكوت؟ القتال سيبدأ وقد تنقطع به السبل ولن يستطيع أن يجد سيارة الى الكوفة أو النجف، هل يعود الى بغداد؟.

على الشارع العام وقف بانتظار سيارة عابرة، كان المطر قد بدأ رذاذا تدفعه ريح جنوبية رطبه رفعت من درجة الحرارة .. بدت سيقان الحنطة الخضراء منحنية وكأنها تنتظر خبرا مفجعا قد يأتي بأية لحظة .

توقفت سيارة " بيك أب " قال السائق .. الى بغداد ثلاثون دينارا، لابأس، دفع المبلغ وصعد الى جنب السائق، كان المذياع يقدم أغنية ،     يانبعة الريحان !!

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2743 المصادف: 2014-03-10 00:17:59