المثقف - قراءات نقدية

الشعر وتلويحة القمر المعذب .. قراءة في مجموعة أشجار خريف موحش للشاعر د . سعد ياسين يوسف

bushra albustaniإذا كان النص مدونة حدث كلامي يقع في حيز زمكاني معين، مهمته تواصلية تفاعلية وفي الشعر جمالية وقيمية، له مطلع وقفل ولا يمكن أن ينبثق من عدم حسب النقاد، وهو بؤر لأحداث مختلفة يعمل التناص على زجها في علامات تتداخل عبر نسيج النص وتعمل على تعدد مستوياته وتكثيفه أزمنة وأمكنة مما يجعله على صلة وثيقة بالقارئ الذي سيتناوله بالتحليل والتفكيك، وبإرجاع العلامات التناصية لأصولها التي صدرت عنها، والتي أضفت على النص ولا سيما النص الشعري عمقا في الزمن وتلوينا في المكان والأحداث، والناظر في مجموعة (أشجار خريف موحش) للشاعر الدكتور سعد ياسين يوسف، سيجد أن الشجر وما يدور في حقوله الدلالية من ورد ونخيل وغصون، تؤازرها الجذور والزراعة والغيم والأرض وغيرها الكثير مما يندمج بأحداث الواقع واشتباكاته المنسوجة بوجع الإنسان ومكابدته، كل ذلك يكاد يهيمن على قصائد المجموعة، مستمدا من العنوان دلالات شتى، فالعنوان يشتغل بمهارة على تيارات نازلة من دلالته إلى المتن وصاعدة من المتن إليه، والشجر يعد أصلا من أصول الحياة وسمة استمرارها وتغذيتها ماديا وروحيا وجماليا، وهو في الشعر ينتمي لشعر الطبيعة الذي بات يسمى بالشعر الأخضر، لكن هذا الشجر الذي احترمه الإنسان، حد التقديس والعبادة في يوم ما، لم يعد بتلك النضارة التي كانت مبعث خصب وفرح للبشرية، فالطبيعة مذ نزل الأبوان للأرض كانت في تفاعل دائم معهما، تخصب بخصبهما وتخضر باخضرار فاعليتهما، وتثمر بجهدهما، وهي كذلك تذبل بذبولهما ويطول خريفها . فقضية الديوان تبدأ من العنوان والغلاف متعاضدين . إذ بالرغم من اوراق الشجر اليابسة المتساقطة على غلاف المجموعة إلا أن اللون الأخضر بأشكاله التجريدية في أعلى اليسار يوحي بربيع قادم لا محالة، فوجود إشارات الحرائق والدخان والألوان الداكنة المهيمنة على هذا الموازي النصي المهم إشارة لواقع تتواصل عذاباته ، فضلا عن كتابة العنوان بالأحمر الذي يوحي إيحاءً مزدوجا، بالنزف الدموي الذي يعاني منه وطن الشاعر من جهة، وبالحيوية التي يمكن أن تنتج عن حركية هذا الدم في العروق من جهة ثانية، لكن السياق النصي يرجح الدلالة الأولى ويميل اليها بعد قراءة نصوص المجموعة، إذ توحي الدلالة بان مسيل الدم البرئ هو الذي فتح الباب لحلول الخريف في المكان المقصود، وهو الذي أجهض خصبه وأحل فيه الجفاف والجفاء . لكن عاملين إيجابيين على الغلاف يوحيان بإيجابية منتظرة هما القباب السليمة رمزا لتراث ما زال متألقا، واللون الأزرق الفاتح المائل للون البنفسج . فالأزرق إشارة لانسجام سيطلع من أعماق التمزقات والصراع واشتباك التناقضات، والبنفسجي يوحي بما تفوح به وردة البنفسج الرصينة من عبير سينتشر بعد روائح المفخخات والعبوات والرصاص ..ولا عجب أن يكون الغلاف بهذا التصميم الجمالي المكثف فقد أنجزته أنامل الفنان التشكيلي الماهر الأستاذ الدكتور صبيح كلش . تضمن الديوان ثلاثين قصيدة ترتكز على الهم الجمعي العام دون ان تخلو من بوح ناجم عن ذلك الهم، فمن المراثي الى الخسارات إلى دم الكرستال إلى أشجار خريف موحش الى غربة نورس الصباح فاستغاثة الوردة وشجر الموت .. إلى الاستغاثة بالملاذات، حتى نصل الى أزمنة الرماد، وكأن كل تلك المعاناة ستؤول إلى زمن يغدو فيه كل شيء رمادا، ولذلك فان الشاعر كان يبحث عن ملاذات تخلصه من أغلال المحنة وشباكها الخانق فيلجأ للدين مرة وللرسول الكريم محمد عليه (ص) رمزا للصبر أخرى، وللأصدقاء ثالثة ، و للإطلالة على الروح رابعة:

لو لم يكن نورا سماويا

لما وصل الضياء

لكن النص ينتهي بالبكاء في بنية تقابلية ؛ لان المتلقين توقفوا عن استقبال الضياء والاستنارة به ولذلك ينتهي قفل النص بالحزن على بؤر مكانية كانت مزدهرة لكنها اليوم غدت أطلالا ؛ لأن السنابل انحنت، ونحن بالرغم من ذلك النور السماوي الذي غمرنا انحرفنا عنه بعيدا :

فقد تلتف فينا الطرقُ، المفازاتُ

يُسقطنا الرملُ

نبكي على أطلال مكة

والعراق

والحقيقة أن البكاء العربي يمتد إلى عصر ما قبل الإسلام حيث دونت الأطلال الأولى أول لحظة فلسفية عربية بحتة، شعرا باذخا ليس كمثله شعر قديم في العالم، إذا استثنينا ملحمة كلكامش وهي منا، ولنا؛ لأنا لم نفعِّل جذوة ذلك الشعر الرائع ولا واصلنا العمل على تطوير ما ترك لنا من قطاف جماليات ما زالت تنتظر من يكشف عن أسرار تشكيلاتها الباذخة، وذلك بفعل السبات الذي استسلمنا له فعمل بخبث على محاولة اندثارنا وتحويلنا إلى أطلال جديدة، لكن بلا فلسفة هذه المرة ؛ لأن الخسارات لا تتوقف عند حد معين، إنها تتناسل تناسلا شاذا وجماعيا اخطبوطيا وغير مألوف:

525-sadحين ولدت

لم اخرج بمشيمة

قالت قابلتي المأذونة

بل كانت سلة  

لخسارات وليدة

   هكذا  

كلما سرت على هدي النجوم

ولدت ألف خسارة  

كلما أيقنت أن الشمس

   سيدة النهارات المضيئةْ

عصفت ريح وألقتني إلى اليم.

وهو في اليم مكتوف اليدين بلا غيم يحمله ولا شراع منقذ ولا موج يهدهد برقصته المائية ذعر الغرقى ؛ ولذلك فكارثة الخسائر تتكرر، خسائر ماضية يكتظ بها التاريخ الذي كان ضحية الكتبة والأقلام الذرائعية، خسائر راهنة يخطط لها ويديمها دعاة الفضيلة الزائفة والدعاوى الكاذبة، وخسائر وليدة لتكون في الغد خسائر المستقبل، خسائر في كل الميادين، وهذا النص يلوِّن انسيابه بتنويع ضمائره، فمن ضمير المتكلم الذي بدأ به النص إلى ضمير الجمع الذي شمل الـ (نحن) إذ يتسع حجم العذاب ليصير شاملا :

هل نحيل الدم ماء / أم طيورا ...؟

ويتداخل ضمير الأنا بضمير الجماعة حين تغدو القضية واحدة :

يا سماوات التذكر أطفئي بين يدي  

ألف نار من عذابات غضضنا طرفنا حينا

وأيقظنا احتراق نجومها فينا ..

لكن القصيدة في بنائها الدائري تعود لتنتهي بضمير المتكلم الذي ابتدأت به، ليختزل وجعه بالوجع الجمعي، وفي تداخل الوجعين يتداخل ايقاع القصيدة ما بين الوزني والتداخل العروضي والنثري:

   يا تلويحة القمر المعذب في المحاقِ

   اطلي مرة  

وأنيري كهف روحي

وخذي ما شئت من غيمة قلبي

تتجلى وظيفة الشعر المستقبلية بمقاومة العذاب بالحلم وبؤس الواقع بالأمل، واللجوء للتشكيلات الجمالية يؤكد روح التطلع والمقاومة، فتلويحة القمر، وأنيري كهف روحي، وخذي ما شئت من غيمة قلبي تشكيلات استعارية رائعة تضمر في كثافتها ترميزا يفتح دلالتها ويمنحها بعدا يضمر أنينا إنسانيا يتجلى ببوح حميم . وقد ترتكز نصوص المجموعة على السرد الاسترجاعي كثيرا هربا من بؤس الواقع إلى براءة الطفولة وسعادتها، لكن الوعي ما يفتأ يداهم الطفولة الغضة ليكشف لها عورة الكوارث التي تكتنفها فيدخل الحوار ويلعب الإيقاع البصري بكثرة النقاط التي تفتح للنص بابا لاستكمال الدلالة، نجد ذلك في قصيدة (قبل ان يلقي الى البحر شراعه) حيث تبنى القصيدة على التوازي الضدي بين مشهدين متناقضين ما بين المطلع والقفل، بين فرح الطفولة وانطلاقتها في المطلع :

كانت الدنيا حقولا

وصباحات وشمسا وأغاني

بينما ينتهي القفل بقوله:

كل ما أخشاه أن تنكرني الأسماء

من حزني

أموت

وتفيد المجموعة من تفعيل الأمكنة والأزمنة والطبيعة، ومن التناص بين الواقع والنص حين تحتوي القصيدة وجع الواقع بنمذجته، والتناص بين الأديان يوم كانت متآخية، متحابة مؤمنة بمرجعية واحدة هي أن الله سبحانه وحده الملاذ والحب والصفاء الروحي، ففي (غربة نورس الصباح) المهداة لصديق الشاعر، يشتغل المكان بوصفه فاعلا شعريا، فمن عكد التوراة إلى السراي، الى بستان الدباس في العمارة ونهر دجلة إلى المركب الغركان، اذ تحمل كل علامة من هذه العلامات تاريخا من البوح والمحبة وأمن الطبيعة وسلام خضرتها وطيورها ونقاء مائها وجمال شجر السدر وثمره المتألق، بين النهر والنوارس والشمس الأليفة وقمر الشعر يضيء، وكأن الشاعر يقارن صفاء ذلك الزمن الجميل بطبيعته الخلاقة، وخراب هذا الزمن الطافح بالنيران التي قتلت الإنسان وخربت الطبيعة وأتت على الحرث والنسل :

من عكد التوراة

من خطوتك الاولى

فيها عند اذان الفجر

وناقوس الاحاد

.................

أكنت تفكر أن تغدو نورسة

أكنت تفكر يوما

أن تطلق كل يمامات شرايينك نحو الشرق

   إن فكرة المكان حازت على اهتمام الفلاسفة من أقدم الزمان، لكن تجلياتها تقدمت في العصر الحديث لتكون في طليعة المباحث الأدبية، سواء في الشعر او القصة والرواية، اذ اتجهت الفلسفة الحديثة إلى الاهتمام بالصورة الذهنية من مفهوم المكان وسواء كان التعامل مع المكان القديم ام الحديث، العام ام الخاص، وجماعيا كان ام فرديا إنما هو يستجيب لنا بقدر ما نتفاعل معه ونستجيب له فيغدو إدراكنا للمكان تأكيداً لوجودنا نحن كما يؤكد جبرا ابراهيم جبرا، ففي (ترتيلة دمشق ) يخاطب الشاعر عذاب المدينة التي عرفها خيمة حب، يخاطبها بتوجع أليم :

أكثير أن تظلي خيمة الله

وورد الأمنيات

ويلعب التناص في هذه القصيدة دورا في توسيع أفق النص اذ تتناص مع سورة يوسف بالإشارة إلى مأساة النبي الكريم الذي كاد له الأخوة إشارة لما يجري بين الأخوة اليوم من دم واقتتال، فضلا عن التناص مع شيخ الصوفية ابن عربي وحضوره في دمشق و...:

           قف بالمنازل واندب الأطلالا       وسل الربوع الدارسات سؤالا

فالشاعر ينظر لأطلال دمشق وهي تحترق نظرة شاعر الأمس لأطلاله، لأنه يدرك أنْ شتان بين زمن الطللين لكن المقاصد قد تتشابه، وضياع ما كان في الماضي، يذكره بضياع كل جمال الحاضر فتتناص الوقائع القديمة بالجديدة، ودمشق إشارة ينتزعها الشاعر من الواقع لكنه يعمل على نمذجتها باللغة الشعرية فتصير مدينة شعرية لعبت المخيلة بتشكيل معالمها وسماتها وأحوالها الجديدة التي أرهقت بلظاها روح الشاعر وحركت أشجانه.

إن المجموعة وبالرغم من هيمنة الحزن على ما يجري فيها، الا ان الشاعر سعد ياسين يوسف لا يسلم لليأس أمره فهو يقاوم بالحلم، ويلوذ ببريق الروح دفعا لسواد الواقع الذي تعيشه امته، فهو يمجد الإنسان والقيم النبيلة وجمال الطبيعة التي توحي بجمال الإنسان، وردها وطيرها وشجرها وأنهارها وبحارها، كل ذلك من اجل أن تنعم الإنسانية بالأمن الروحي والفرح، لكن طغاة الأرض بدلوا أمنه خوفا وفرحه حزنا وجروحا وانتهاكات   :

إذ يستيقظ الحزن

منتشيا بروحي، مطلعا

أزهاره الحجرية السوداء

ألوذ بما تبقى

من بريق الروح

يا وجعي

إن التعبير بالأزهار الحجرية السوداء تعبير جارح بارع يعبر بدقة عن قوة هذا الحزن ودوامه الزمني وسوداويته، لكن الشاعر يستنهض بالإرادة ما تبقى من بريق الروح ليتمكن من المواصلة والاستمرار، وينجح في تلك المقاومة ما دامت إرادة الإنسان خلاقة حين تكون مؤازرة بالتصميم والوعي والمعارف . إنه يرفض الفرقة، ويدعو للانسجام والألفة، يرفض الحروب ومواجعها ومكابدة الإنسان فيها، ويُدين تجريح ذاكرته بمآسيها:

من حلمات الرطب التموزي

أبوح بحزن يمامات الصمت

   النابت في ذاكرتي

شظايا حروب مرت

فوق خرائط جسدي

بهذا التحويل الفني يواصل الشاعر سعد ياسين يوسف مسيرته الإبداعية المشتبكة بالألوان والأفعال والأزمان والأزمات والتحولات المؤتلفة والمتناقضة معا عبر مسيرة حافلة بالإخلاص للأبدع والمبدعين .  

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

ربي يوفقك.. لا اعتراض

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2745 المصادف: 2014-03-12 00:58:38