المثقف - قراءات نقدية

قراءة في ـ الرّيح الأخيرة للشاعر سمير العِبدلّي

souf obidعندما اِستمعت مرتين أو ثلاثة إلى القصيدة شدّني إنشادُها الجيّد بما فيه من توهّج وتفاعل بالإضافة إلى موضوع القصيدة القديم وهو خيبة الاِنتظار لكن الشاعر جدّده بوضوح حيث وظّف تفاصيل المكان والفضاء وأغناه بصور مشحونة بالأسى والخيبة غير أنّ ذلك الإعجاب بالسّماع لا يكفي فلابد من القراءة المتأنية ومعاشرة النص كلمة كلمة وصورة صورة والوقوف عند عناصرها ومفاصلها وعند تخطيطها العام كي ندرك قيمتها الحقيقية فكثيرا ما يحجب جمالُ الإلقاء الجعجعةَ والخواء

قصيدة الريح الأخيرة ذات بناء دائري أي تبدأ من حيث تنتهي فقد اُستُهلّت بالاِنتظار والشوق عند الموعد واِنتهت بالخيبة والاِنكسار إثر فواته وعناصر القصيدة قائمة على الترديد بين المقطع والمقطع فأضفى إيقاعا كأنه إيقاع اِسطوانة مجروحة وقد أفلحت

القصيدة إلى حدّ بعيد في تصوير الشجون الداخلية من خلال الإحالة على تصوير الفضاء الخارجي في المقهى ومن خلال رصد الطبيعة والفصول أيضا وهنا يكمن التجديد في موضوع الانتظار وتبدو قيمة القصيدة بإعتبارها إضافة

أمّا الصور فقد كانت مُوفقة إلى حدَ بعيد بما فيها من اِنزياح يُثري المعنى كقول المكنسة تدفع بقايا الأرجل وفي القصيدة مراوحة بين الضمائر المُخاطبَة حينا والغائبة حينا والمتكلمة حينا آخر ممّا يجعل القول متعدّد المنطلق والأفق

كنت أحبّذ ـ لعلّك ـ بدلا من قوله ـ علّك ـ وكنت أحبّذ أيضا ـ مازلت ـ بدلا من قوله ـ لازلت ـ

ورغم هذا وغيره فالقصيدة أعتبرها من روائع الشعر الجديد ,

 

النص

الرّيح الأخيرة

سمير العبدلّي

 

هذا موعد الرّيح الأخيرة

وأنا أعبئ من فراغ الشّارع

وحدتي

وأقسّط من دعاءاتي القديمة

ما تبقّى

علّك تأتين من خجل الصّباح

زهرة، تعطّرين زوايا غربتي

وتومئين بالتّحية

هذا موعد الرّيح الأخيرة

وأنا، أجالس قهوتي

إذ أشتهيك مرّة أخرى

ترمّمين شهوتي

بالرّحيل إلى يديك

وتبدّدين الكلام في شفتي

فترتبك لك قهوة البنّ

وسجائري ومنضدتي

وملعقتي الصّغيرة

هذا موعد الرّيح الأخيرة

وأنا أغتصب بنوّارتي

صبح المدينة

وأرسل عبر الأزّقة صوتي

وعطر البخور والأغنيات

وأمشي على وقعك إلى الله

أحفر ماء الصّباح

وألغي مواعيد موتي

وآمر بانبساط الجبال

إذا ما مررت

وأن ترتديك السّماء

ربيعا لكلّ الحقول

وآمر أن لا تموتي

كي نلتقي ألف عام

بعد ميلاد الفصول

هذا موعد الرّيح الأخيرة

الشّمس تسرق من دمي

لوني

وأنا لا زلت أنتظر

ليتها تأتي

أضرم في صدرها

صحراء روحي

و أحوصل خرز التّوت لجيدها

ليتها تأتي

توقد ناقوس صدري

للكلام، وللمواويل الجديدة

يا.. كم كتبت

وكم جرّبت وكم سلبت وكم صلبت

وما تعبت منك القصيدة

هذا موعد الرّيح الأخيرة

للفتى أشياؤه

محفظة الجلد

وكراريس أطفاله

ونماذج الخطّ

وطبشور الماء

وأحلامه المهملة

يشتهي هذا الصّباح

قهوة أخرى

وموعدا آخر للمطر

تعرّش في قلبه

غزالة ريح

ويعرّش نخل الجنوب

وتعرّش حقائب الجسد

لمحطّات السّفر

يشتهي قهوة أخرى

وموعدا آخر للمطر

هذا موعد الرّيح الأخيرة

النّادل ، يلملم بقايا المقهى

وتدفع المكنسة

بقايا أرجل أرهقها المساء

هي لن تأتي

فليرفع النّادل قهوتك

والملعقة الصّغيرة

هذا موعد، لاموعد

هذا موعد الرّيح الأخيرة

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2754 المصادف: 2014-03-21 01:13:47