المثقف - قراءات نقدية

لا أُريد لأحد أن ينقذني

rasheed alahmadبهذه الجملة التي تفتح الآفاق أمام كلّ الاحتمالات، يُسمّي الشّاعر السّوريّ /عارف حمزة/ مجموعته الشّعريّة الجديدة، بين صفحاتها مآسٍ، بنزعة غريبة عجيبة، وجمل لغويّة فيها من المواربة الكثير الكثير، يلكزُ قلب الكلمة، ويربت مؤخّرتها لصنعِ جملته، الكلمة هنا تتكلّم من تلقاء نفسها، هذا العمل هو عمله السّابع، صادر عن دار الغاوون في بيروت، يرسم فيها ألواح تشكيليّة من الحالة الإنسانيّة، لتخرج من الشّوارع، والفروع الأمنيّة، وسطوح الأبنية، وأخرى على شكل بندقية تواجه طفل، وغيرها الكثير من اللوحات بحالات عديدة، وشخوص مختلفة، تجتاز نفسها بشكل أكبر من الحالة في تجربته الشّعريّة، التي تظهر فيها الموهبة بدرجات أكثر من تفاصيل اليوميات، كما اعتدناه في الكثير من الأعمال النثريّة، ومن وهج الحكايات الّتي ينسجون حولها في زمن التعليب الأنثوي، بلعبة باتت روتينيّة ؛استطاع حمزة أن يضيف بأدواته الخاصّة إضافات كثيرة، ليس بالوجع الذي يعم على القصائد، كما في عمله السّابق /قرب كنيسة السّريان/ فهنا الحوار بين سطور القصائد نفسها، يجعلك تشارك الحوارات التي تبدو لغزاً بألف حل، بعد أن يضعنا أمام عدّة تأويلات وخيارات، فتارةً تظن أنّه يقصد شعار على لافتة للمظاهرة، كعنوان جمعة من جُمَع الله، وتارةً أُخرى تجده يقود ثورة، كما هنا عندما يقول:

نصف قمر

نصف قمر يسطع الآن فوق مدنٍ

لم يبقَ فيها أحد.

نصف قمر يؤلمني

كانشطار وجهكِ بفأس.

تحت هذا النصف من القمر الضعيف

حملنا أولادنا إلى الأَسِرّة

بينما حملهم الآخرون

إلى القبور!!

-----------

ملوكٌ الجهاتِ الأربع

أيتّها الجَدّة

لقد انتهينا للتوّ

أبناؤك الأربعة

الذين جعلتِهم ملوكَ الجهات الأربع

لقد انتهينا

من دفنِهم للتّو.

يلبّس حمزة قصيدته المرسوم الشّرعيّ السّياسيّ، والحالة الاجتماعيّة والإنسانيّة، محدّداً اتجاهه، ليس من موقف جهة سياسيّة، بل من الحالة الإنسانيّة، تظهر بشكل واضح من الجزء المكتوب كملحق، مسيّف على الغلاف، أسفل العنوان بجملة تقول:يوميات الثورة السّوريّة، فنرى بصماته على كلّ التفاصيل في سوريا، ينبش ذاكرة الوطن ليخبرنا عن الموت تارةً، وتارةً ما هو أشدّ من الموت، فترى مشهداً تراجيدياً، بلقطات سينمائيّة قريبة بعيدة، وأخرى من زاوية ملطّخة بالدم، مع وجود ضحيّة في مكان الجريمة تستطيع أن تراها، وتلامسها دون أن تدرك عمّا سيحدث بعد لحظات، وبالتفاتك يمنةً ويسرةً سترى يداً مقطوعة هناك، وهُنا قلب تمشي بلا جسد، وطفلةً كانت على إحدى الشّرفات تتلوّى، ولكن بالتفاتتك صارت تحت الأنقاض، والكثير الكثير من الأحداث، وهو في الطريق المؤدّي إلى المنزل.

في الطّريق إلى بيتكِ

وأنتِ تنظرين إلى شجرة محترقة

إلى جثّة

عندما يرتجُّ جسدكِ بسبب حصاة صغيرة

أو كبيرة

في الطّريق إلى بيتك

وأنتِ تتأمّلين يداً مقطوعة

أتمنّى لو كنتُ مكانها

هذا المشهد الحي يجعل من الحوار - في أغلب الظّن - رعب وهول لما يحصل من دمار، وهو وحيدٌ لا يجد أنيساً ولا جليساً سوى نسخة من الصّورة الّتي على الجدار، الجدار الذي نجا من القصف، فيجمح أمام الصّورة، وينقل لنا ما جرى من حديث، وماذا تمنّى في تلك اللحظة بإصرار يرفض فيها النّجدة .

أضعُ صورتكِ

على الجدار الوحيد في بيتي.

ثمّ أجلسُ على ركبتيّ المتقرّحتين

يدي مقطوعة كما تعلمين

وقلبي يضخّ الدم إليها ولا يعود.

أجلسُ

وأنظر إلى صورتكِ

ثم أتمنّى

أن أُصابَ بالتوحّد.

ينتقي حمزة مادته من وقائع وأفكار ورسائل تركها له الحرب ذكرى مؤلمة حتّى في سردها، فينتقل من الحرب الّتي لم تترك حتّى الذّكريات التي كانت على جدران المنازل، ليرصد المأساة الحقيقيّة بين السّجين والجلّاد راسماً الظّلم والقهر وأشكال التعذيب في لفتة كطريقة حوار، فالقصيدة هنا ارتجالية عاطفية، ذات مقاصد وجدانية، الأمر الذي يمنحها شحنة تراجيديا، تنبثق، من قوة الفكرة كمجاز، ورمزيّة اللفظ و الإيقاع، وهو تعبير صريح في مواجهة طغيان الحبّ والغياب والظلم والانتظار، وهنا احتمال آخر كما في هذه اللوحة عندما يقول :

أنت في السّجن أعرِفُ .

وأعرفُ ما معنى تعليق قدميك بالسّقف

أو ثقب كفـّك بسيجارة

أو حشركم في زاوية

ثم اختطاف أحدكم من العتمة

بيدٍ معدنيّة

كدجاجة من قن .

تقولُ زوجتك بأنّك لم تمتْ

رغم أنها رأتكَ في المنام

تلوّح لها بمنديل أبيض

مثقوب بالأحمر

وسطر أحمر يبلّل عنقك.

« الدم يُفسد المنام» . تقولُ لنا

وتبكي.

تفاصيل مدهشة، أفكار جهنَّميّة، وقصص متناثرة يختارها حمزة لمادته المليئة بالصّور والمشاهد، التي تقودك في نهاية كلّ قصيدة الرّجوع إلى العنوان ؛سرد تفاصيل الرّعب التي يسردها مع حبيبته، يسيطر على الكثير من اللوحات، في كلّ لوحة نجد حدثاً جديداً مختلفاً عن السّرديّة التي سبقتها بألم ومعانات وموضع جديد، ولكن هذا لا يعني أنّه لم يحسب حساب هذه الغلطة التي ينتظرها النقّاد بفارغ الصّبر، كي يرسموا حولها علامات الاستفهام، بأدواتهم النقديّة في مواربات التكرار القاتل للنص كجزء، وللعمل كشكل متكامل، بدءاً من لغز عنوان العمل، وغلافه - لباسم صبّاغ الذي نقلها بحرفيّة المتمكّن للبوتريه، والرّسم الزّيتي، واختيار أرضيّة المعكوس السّلبيّ - مروراً بالنصوص وعناوينها وصولاً إلى الفهرس .

عندما تنظرين إلى أصابعكِ

وتظنين

أنّني بخير ...

رائحتي التي لا تتخلصين منها

بعد الجنس

بعد السفر

بعد النوم

بعد القلق

بعد الحيض

بعد شهوة الحيض

بعد الصباح

بعد الطعام

بعد المساء

بعد رأي أحدٍ ما في خصركِ

بعد صلاتكِ

بعد رفضكِ

بعد قبولــكِ

بعد حبلك بالطفل الأخير

بعد موتك ثم حياتك من جديد

بعد مئة عام ....

رائحتي التي

لا تتخلصين منها .

 

راشد الأحمد

كاتب وناقد وإعلاميّ

سوريّ

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

نصوص رائعة وقراءة نقديّة جميلة جداً بأسوب مبدع

راما محمد
This comment was minimized by the moderator on the site

كتابة نقديّة مميزة نصوص إبداعيّة

زهير سليمان
This comment was minimized by the moderator on the site

تستحق القراءة متكاملة واختيار موفق في النصوص

هادي سمرة
This comment was minimized by the moderator on the site

رائعة أستاذ راشد نصوصاً وتحليلاً

سابليتا كابي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2767 المصادف: 2014-04-03 00:44:20