المثقف - قراءات نقدية

جليل القيسي حوار متوهج في سرديات اللاوعي .. قصة بلازما الخيال مثالا

adnan aboandolisلأي إنسان ما في حياته، حالة من مراجعة الذات، والاختلاء مع النفس نتيجة للضغوط والصراعات الحادة، واللتان تحتمان على المرء أن يفضي إلى جلسة فكرية هانئة، هذا الاختلاء عده علماء النفس مراجعة الذات ساعة من النور، لا تعوض لأنها خارج حدود التوقيت الزمني تأتي دائما بغتة نتيجة الم أو فرح، تنير فيها المعرفة وتكشف سبل العتمة أنها لحظة انتشاء لا توصف، ربما ترتبط بوعي اللامعقول من حدس لحظوي طارئ، تأمل، استبصار، أشعاع عقلي، تنبؤ، إشراق، هذه لحظة اختراق العقل للزمن.

من هذا المنظور الاستدلالي يمكننا أن نعبر إلى حدود مملكة الانعكاسات الضوئية للقاص جليل القيسي، ونستعرض منها قصتة- توهج بلازما الخيال- لما لها من حوارات غرائبية لا زمنية وخوارق لا شعورية عبر رؤية اللاوعي ولمقابلة من يحبهم

هذا الاستبصار ناجم عن قوة التنجيم الروحي للقاص وفق ارتداد الزمن إلى الوراء وخلق مكانه زمنا أخر ..يلاحظ هذا الاختراق نتيجة تلاقح حضاري بإشعاع فكري متوهج، عبر كوة تسرب إليها انعكاسات ضوئية شحنت العقل بطاقة إشعاعية مطلقة أزاحت الستار عن كوامن النفس لما يمتلكه القاص من قدرة بديعة في تخيله لعالمي الأساطير والتراث عبر الرؤيا المعبرة بالمعرفة الثرة .

إن التوهج ناجم من ارتداد نحو الماضي نتيجة للضغوط المأزومة والتي دفعته التصريح بالخيال،بأن كل شيء أصبح يتلاشى إلا الروح، بهذا صاغ المشهد الأسطوري برؤيتة وفق حوارات متداخلة من سرديات اللاوعي والتي استهل بها القاص بالتنويه الحذر قائلا" : (أن الذي يملك خيالا" خاملا" لا يستطيع أن يرى حتى الواقع العادي، اشك في أن يستطيع متابعة قصتي هذه : أما القارئ الذي يستطيع خياله الحار أن يحلل أكثر الأشياء امتناعا" وهروبا"، وتفلتا" من التحليل فيستطيع متابعتي بسهولة ......)

أن القصة (توهج بلازما الخيال) بنيت على دعامة أساسها هندسة معمارية للخيال، لذا نرى أن كاتبها يركز على شحنة الفكر قبل التفوه بأي تصريح في سرده كمن يسلك دربا" معتما" دون دليل أو شعلة وهذا هو مفتاح القصة وكما ورد في النص السابق ونذكر مفردات الخيال وكالأتي :

خيال خامل ← بارد_ بطئ _ جامد _ عادي

خيال متوهج ← حار _ سريع _ متحرك

أن الحرارة تحرك الجسم ديناميكيا" لذا نرى أن الحمى الشديدة تنشط الخيال وتؤججه بطاقة عالية، لهذا نلاحظ أن الذي تصيبه حمى شديدة تكون من مضاعفاتها الهلوسة والهذيان ومشاهدة أشخاص غادروا الحياة منذ أمد بعيد-وكأنها حالة الإحتظار- حيث يقول القاص في مقطع من قصته (و أصيب بحالة من الحمى الشديدة، وأرى سموات متألقة .. أي نوع من المكاشفة بالاستبصار العقلي هذا الذي يراه ... ولا يراه غيره، وأية قدرة قوية على الرؤية بتخطي زمكاني .

وله في مقطع آخر (هذا المساء كنت أعاني من حمى شديدة، وبغية أن اخفف من حماي قرأت عددا"من قصص (ألن بو)، ثم لا اراديا" تذكرت (دستوفسكي) بحب حار ثم يعاود إلى توهجه ثانية بإشعاع عقلي وقلبي (حمى شديدة + حب حار) طاقتا الشحن التي تستند عليها قصة (توهج بلازما الخيال) ومن الماوراء والتخاطر والفتنازيا ووسائل الاتصال الأخرى ما بين الكائنات الحية وحتى الأموات وما يطلق عليه ب (الساي) أو ربما تحضير الأرواح . طرق عليه الباب وإذا به يواجه الضيف (دستوفسكي) جسما" واسما" ورسما" متجسدا" متجسما" بكل كيانه يحاوره بحرارة قائلا" : (كنت تفكر في بحب شديد، اعرف، اعرف _ انك تحبني كثيرا"، وها انذا اتيتك بنفسي / احتراما" لمشاعرك الحارة لي) هذا المقطع متناص مع رسالة (ابن القارح) إلى الفيلسوف (أبو العلاء) حيث أنها مكتوبة على ورق تقرأ بالعين (مرئية) ومقطع القاص على لسان الكاتب الروسي تسمع فقط مقطعان لا يخلوان من الفلسفة تناص بالشخصيات الأولى بعيدة المسافة والثانية قريبة بالزمن (ارتداد) وجميعهم أدباء عصرهم.

أن الحوار الأول يتضمن ظاهرة التخاطر (أمنية اللقاء) لذا أعلن الضيف بوحه المعلن فبل أن يفشيه السر من قبل محاوره المضيف، ومن نص آخر بنفس الحس (قبل أن اكتب، تحدث لي حالة ما، الإدراك الحسي ونوع من الإشعاع الحار) .

ومنها (نهض وخلع معطفه، حرك جسده النحيل، وبلسانه بلل شفتيه وأطلق آهة حارة).

وله (ابتسمت له بحرارة، ولأنني منذ أن عرفته أحببته بعقلي وروحي وحواسي وطوقته بحرارة)

و ختم قصته المتوهجة بـ (عانقني بحرارة، وقبلني، وقال بصوت فرح: المجد لمملكة البشر أيها الصديق جليل القيسي شكرا" لضيافتك) وخرج بهدوء، وغاب في ظلام الليل ...

إن للقاص إشعاعات فكرية كامنة في اللاشعور، وله مكتنزات عقلية ناضجة، أي إ‘ن الثقل المعرفي قد صقله وظهر إنه متزنٌ في رقته وشفافيته وحتى في طقوس التحية والترحيب، استفاد منها في انعكاس شخصيته المتزنة ووهج أفكاره الملائمة بتلاقح الحضارات حيث إن النص عنده وكما يقول الناقد جاسم عاصي (يمتلك وحدة الموضوع، فالنسيج المختلف أرسالاته ومنابعه ومبرراته، يصب في مصب واحد ينضج من خلاله حدث القصة، حيث إن التوهج ينحو هذا المنحنى فالحوارات تمثلت بين محاورين فقط هما الراوي -القيسي- والمروي عنه- دستوفسكي-. عبر مشاهدات بانورامية تجاذبت الخواطر فيما بينهما، إن أكثر الأدباء الكبار ابتكروا لهم عالماً خاصاً بهم وحاولوا تفسيره أسطوريا" يمسكون هم بمفاتيحه (إسقاطات اللاوعي) مما حدا بهم الوصول الى ذروة المشاهدة اللامرئية بالنشوة القصوى .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2775 المصادف: 2014-04-11 00:36:51