المثقف - قراءات نقدية

الشعر وفضاءاته الرومانسية في ديوان طائر الشمس للشاعرة خلود البدري

zaydan hmodخلود البدري شاعرة عراقية من ذي قار كتبت قصيدة النثر منذ عام 2001ونشرت قصائدها في الصحف المحلية ومنذ العام 2003 وهي تنشر على مواقع الانترنيت الثقافية إضافة إلى الصحف المحلية وهي متواصلة على الموقع الاجتماعي فيس بوك باستمرار .

استثمرت خلود البدري المواضيع الإنسانية المرهفة وما يمر به العراق من حروب واحتلال وإرهاب متعمد لتجعل من القصيدة وجع إنساني مليء بالمرارة والأسى والاشتياق إلى حياة هانئة يسودها السلم والسلام في عراق جديد خال من الهموم والأوجاع .

في ديوانها الشعري الأول (طائر الشمس) الصادر عن دار مديات الثقافية عام 2013 سبع وثمانين قصيدة هي أشبه بقصيدة الومضة ذات دلالات معبرة صادقة استلهمت فيها الشاعرة مواضيع متعددة تحمل ذات الهم وذات الأحاسيس حتى أصبح الديوان بأجمعه قصيدة واحدة طويلة تستقري بواطن المحنة وتسترق السمع بأذن موسيقية مرهفة إلى سيمفونية الألم المدمر الذي ينزفه الشعب العراقي دما وتعزفه أوركسترا مرعبة أدواتها المفخخات والقنص والاغتيالات بالكاتم ناهيك عن الاحتراب الطائفي والعرقي بين أخوة تعايشوا بسلام على أرض الحضارات ومهبط الأنبياء والرسل على مدى قرون عديدة من الألفة والمحبة .

في قصيدتها الأولى (وشاح) تتشح الشاعرة بالصمت الذي هو عنوان للقلق والاكتئاب واليأس ولكن روحها تبقى تواقة لما هو جميل ونقي .

(وشاح)

ألتحف ..

بوشاح الصمت ..

الأطياف..

تغتالني

أنأى .. بأصابعي

عن الورق

تهجر ..

الألوان لوحاتي

يستفزني

فتات المسك

تصحو

روحي ..

أما في قصيدتها (طريق) أمل مسدود ومصير لا نعرف إلا ماذا يسير بنا

(طريق)

عباءة الصبر ..

تلبسنا

دقات الساعة

تستفز أعمارنا

والطريق ..

أفق مسدود

يلفه !؟

 

علامتي تعجب واستفهام تنهي يهما الشاعرة قصيدتها .. حيث الطريق الذي أصبح موصدا يلفه الغموض .

وفي قصيدتها (لون) تنساب الكلمات عندها كما الأغنيات تمجد الألوان التي توعد الحياة بأمل مرتجى .

 

(لون)

أخبؤها ..

تتشابك أصابعي

على صدري

لتبدأ السماء عزفها

يتحول الأسود زهرة بنفسج

ويتلألأ الفضي ..

ومن بين أصابعي رغما عني

ينساب الذهبي .

 

الإحساس باللون عند خلود البدري في هذه القصيدة هو النقاء والصفاء والسمو .. الأسود أصبح زهرة بنفسج فواحة بعطر يجمل النفوس أما الفضي والذهبي هما عنوانان من عناوين الرفعة والسمو وهذا ما أرادته خلود لزمن يعيشه العراقي بكيفية عليا من التحضر والارتقاء.

وتختزل خلود الحياة في قصيدتها (القبعة) بموت تحت حجج واهية فهي تقول في هذه القصيدة .

أيها

الساحر الطيب

تموت ..

الحمامة البيضاء

تحت قبعتك

في عيد الميلاد

تلك هي القصيدة وهذا هو الاختزال المفجع لموت مروع يصنعه السحرة .

 

أما في قصيدة (عزف) فأن كلماتها تتماهى في الكلمات عندما حولت وظيفة أدوات الحياة المعتادة إلى وظائف تختلف تماما عما هو متعارف عليه لتحلق بأجواء قصيدتها إلى عوالم النفس البشرية التواقة إلى ما يسمو بها بعيدا عن كونها أرقام معلبة كما السردين في سجلات اختمرت فيها أعمارنا ولم تختمر هي في أي وقت كان . ..

قصيدة (عزف)

عزف القلم

كمزمار ..

على الورق

حلق

كنورس

على الصاري ..

 

أيتها السعادة

عندما تبكي الرمال ..

هل تبكي معها الصخور ؟

جف الرازقي

كأرقام عمر..

على الورق ...

 

هكذا هي أعمارنا تجف ببرود ولا يبقى منها سوى مدونات يحفظها التاريخ في متوالية عددية اسمها الملوك والساسة والحكام أما من تلوكهم الحياة بين فكيها فهم مجرد أرقام من ورود ألرازقي تجف على الورق ..توصيف رائع مقتضب يتدفق شاعرية وألم .

حاولت الشاعرة خلود في قصيدتها (بقايا ممتلكات) اقتناص اللحظات العصيبة مما يتبقى من أعمار مغدورة بسبب الإرهاب الذي لا يترك سوى اللوعة والألم ، فما الذي خلفته لنا قصيدة بقايا ممتلكات في أرث الإرهاب المستمر .. نقرأ القصيدة ونكتشف .

 

(بقايا ممتلكات)

صوت من التلفاز

ردد بارتباك

هنالك .. انفجار

كرر الصوت

قتل العشرات ...

دم سال في الطرقات

بقايا لحم

و....

بقايا دم

و....

بقايا ممتلكات

* * *

قطعة قماش متهرئة

قطعة حديد محترقة

قدم

و...

ساق

و...

بقايا لحم

و...

بقايا دم

و... بقايا ممتلكات

* * *

نخلة شامخة

سعفها الأخضر المتشابك

طل على الساحة

ارتسمت ملامحها على بركة من ماء ودماء

بقايا أحذية

بقايا أبنية

بقايا ممتلكات

قدم

و...

ساق

و...

نحلم بزمن آت

من الحب والحريات

 

هكذا يتدفق صوت الشعر الحالم بزمن الحب والحريات في نسقها الشعري الممتد عبر قصائدها السبع والثمانون في هذا الديوان الذي تنهيه بقصيدتها (ولادة) وكأنها تقول لنا كل شيء زائل يولد من جديد .

أختتم دراستي هذه عن ديوان طائر الشمس بقصيدة (ولادة) للشاعرة خلود البدري مع أمنياتي لها بالعطاء المتواصل .

 

(ولادة)

نبدأها من الولادة ..

أو من الممات ..

سيان ..

هي الحياة ...

الولادة حياة

الموت حياة!

وما بين الاثنين خيط !

تلد ...

تمد كفنا

حيث الأرض

تضرب الصخر

تشقها

نجوما ..

سنابلا ..

طيورا .. حقولا ..

موتك

طاحونات للهواء

تبني منه

جسورا ..

بيوتا

تشق الأرض بالكلمة

بالمعول

تتوحد مع الآخر

تنجب لحياتك حياة

تقاتل

تتأمل

تكتمل اللوحة

تتدلى نجومها

تهرم

تكتسي بالأبيض

تمد كفنا

فتحيا من جديد

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2777 المصادف: 2014-04-13 00:24:26