المثقف - قراءات نقدية

الحساسية الفنية في شعر محمد عمران

saleh alrazukلم يكن محمد عمران شاعر سلطة أو كاتب قصائد سياسية ولكنه لم يبتعد عن الهم السياسي العام. لقد نظر للحياة التي يعيشها من داخل عزلته الفنية. وهي عزلة زاد من مرارتها نقطة تمفصله مع النظام وخطاب الحداثة.

بالنسبة للنظام كان مبشرا بأفكاره أو ذهنيته دون أن يتورط بالعمل السياسي والحزبي. وبالنسبة لخطاب الحداثة لقد أعاد ترتيب اوراقها. بمعنى أنه بشر بحداثة معاكسة تحترم تجربة مجلتي (شعر) و(مواقف) وتوسع من دائرتهما النفسية والوجودية.

وفرض عليه ذلك أن يتعامل مع مشاكل بلده سوريا وكأنه يتعامل مع نفسه. حتى أصبح محمد عمران هو سوريا ذاتها. بتاريخها المعاصر وماضيها الإنقلابي.

وأرى أن الصور والتراكيب التي تحدث بها عن الأساطير السورية وعن تاريخها الرسمي المكتوب تشبه الموقف الخاص لكامو من تجربة العنف والعبث التي تقف وراء انفصال الحضارات وسقوط الأفراد.

وهنا لا بد من التمييز بين جذور حساسية محمد عمران الشعرية كموقف سياسي من غير برنامج أو بروباغاندا، والتمرد على الوجود والنفس كحالة ذهنية هدفها التعبير عن الشك، وربما التبرم والشيخوخة، أو بالأحرى التعبير عن صورة (الثوري المتقاعد)، والرومنسي المكسور الذي يمر بمرحلة من التحول الوجودي.    

وأعتقد أن الهزائم التي منيت بها الجيوش العربية في أول امتحان عملي عام 48، ثم فشل حركات التثوير الوطنية عام 67، قد ساعدت على إعادة تركيب الذهن ونظرته للحداثة. لقد بدل ذلك من العلاقة بين العناصر، ولا سيما في ترتيب وتشخيص مفاهيمنا لكل من: السوريالية والصوفية والرومنسية.

واختلطت أساليب التصوير مع الأخيلة والتراكيب والأدوات، وأصبح من العسير أن تفصل الواقع عن سلطة الوهم، ووصل الأمر إلى تتواصل الحداثة مع الوجودية والتصوف من خلال منظومة أفكار لا هم لها غير الرفض والإدانة. وأحيانا العويل والبكاء.

لقد كان صوت محمد عمران مثل غيره يبكي على أدونيس الذي قضى بطعنة خنزير بري، وكان لا يوفر فرصة أو جهدا لملاحظة زهور الدم الحمر في الربيع. ولكنه لم يبشر مثلهم بعودة الغائب.

كانت سلطة الموت والغياب لديه أوسع من سلطات القيامة وتحرير الأرض.

وعلى ضوء هذه المعطيات بإمكاننا قراءة أشعاره، ابتداء من ديوانه (الدخول في شعب بوان)، وحتى النهاية، ولا سيما (الأزرق والأحمر، ثم أنا الذي رأيت). لم يكن محمد عمران يلعب بالأفكار ويتخيل يوتوبيا لا رصيد لها، ولكنه جهارا كان يضغط في سبيل إحياء سيرة المتنبي ورحلته من شعب بوان وحتى عتبات النبوة.

ولقد كانت رحلته أيضا عكوسة.. من الاحتراق بلهيب الشمس والنور، إلى الغرق في لجاجة الظلام. ومن العرش إلى النبوة.

ولذلك اختار لافتتايحة (الأزرق والأحمر) العبارة التالية :

كان وقتا له جسد من رماد

واقفا بيننا (ص 7).

وأعتقد أن بنية القصائد لم تتحدث إلا عن هذا الجسد الرمادي الهش الضعيف الذي احترق بالشوق والحنين إلى الغابة والبحر، المعادل الطبيعي والموضوعي لمبدأ الحرية، وهذا هو خاتم النبوة.

وقد كان يستخدم لغة الإنشاد مع لغة الطقوس، ليتغلب على جو الثبات والسكون، وليفتح الباب أمام حالات التضاد والتقابل، تمهيدا للكشف عن رسالته. والتي أعتقد كان لها وحي تشعر به دون أن تسمع صوته. غير المتنبي استعاد محمد عمران من الذاكرة الشعرية كل أبطال المقاومة ولا سيما من خسر معركته أمثال لوركا وأراغون وإيلوار وغيرهم.

وقد رفع محمد عمران صوته عاليا بنبرة حزينة، وبخاصة حينما اقترب من الملف اللبناني (و قد وضع له عنوان الأحمر الأخوي، ص 36)، وهنا استعار من الحلاج والنفري باقة من المفردات مثل: الوجد، حقيقة الحزن، قبة الوقت إلخ.. وهي كلها مرادفات للموت والخيبة، أو لسقوط الجموع من المركب السكران (بتعبير بطل التشاؤم رامبو).

إن وجودية محمد عمران ذات بعد تصوفي وكانت هي التعبير الفني عن سريالية وفوضى الواقع. وفي نفس الوقت هي الأسلوب الوحيد الذي يسمح له بتدمير العالم الخارجي وإعادة تكوينه حسب أحلامه وطموحاته. ومنذ البداية رغب في العودة إلى مرحلة العماء المائي (ربما الغمر، الطوفان في الأسطورة) ليعيد خلق الكون وتنظيمه من جديد. ولقد تشدد فيما يتعلق باستنباط لغة من داخل اللغة، حتى أنه غّير من ترتيب العبارة الكلاسيكية، وبدّل العلاقة بين المشبه والمشبه به، وأغنى صيغ الكلام بجوهر مغاير ومختلف،

و أختصر ما سبق في نقطتين :

1 – كان محمد عمران يتعامل بسهولة مع القول الشعري بألوانه الثلاث (الطقس – الإنشاد – التكوين).

2 – كما أنه عاصر عدة أجيال شعرية، وتبنى عدة صيغ، واستخدم أدوات القصيدة الحديثة التي تركز على ما هو خارجي من الإحساس والصور والتكوينات، واكتشف سر الشعرية الداخلية وألوانها (و لنأخذ معنى الكلمة بالحرف الواحد)، ولهذا السبب كان قاموسه مضغوطا بالمفردات وأحلامه بالصور وذهنه بالأفكار.

أما بالنسبة لإشراقاته التصوفية، فهي الخدعة التي التف بها من حول الفجوة دون أن يفقد المكتسبات. وهذا لا يبعده فحسب عن المعنى الشرقي للتصوف، أو المعنى الغربي للوجودية، ولكن يقترب به من التصوف المناضل والوجودية السياسية التي لها هدف غير العبث والتأسيس للفراغ (العدم بلغة كامو) كما فعل من قبله فرنسيس الأسيزي وأوغناطيوس دو لويولا . وأزيد على ذلك أنه كان كما قال في قصيدة (الرحلة):

لا أحاول ملكا

أحاول ألا أموت

بمعنى أنه قاوم ثوابت السلطة بمتحولات الرسالة، وعلى الطريقة اللوثرية اشتق مذهبا في الحداثة ليضع أمام الخيال والذهن مفترق طرق يتوجب علينا عنده أن نختار.

 

حلب / 2014

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2787 المصادف: 2014-04-23 10:22:32