المثقف - قراءات نقدية

التماثل .. دراسة في سوسيولوجيا الخطاب .. قصة "عرس الذيب" لهيام الفرشيشي أنموذجا

heyam fershish(باغتتني رغبة في كتابة بعض المشاهد التي أطلت فجأة في أحلامي بعدما نهضت من الذاكرة ..وجوه لشخصيات خلت أنها اندثرت بعادات نخرها الزمن في مراسيم القرية التي كنت أحضر أفراحها وأنا طفلة).              

عملية الكتابة هنا لا تعني التدوين وإنما هي شهادة على ذلك الواقع الذي يحمل دلالة الفعل الماضي المستمر ويجسد ذلك: (وجوه لشخصيات خلت أنها اندثرت بعادات نخرها الزمن) ولذلك فالقاصة عند ممارسة فعل الكتابة مارست محوا للمرتكزات لتبين ما آلت إليه الأمور وعملية الاسترجاع تشير إلى أن الانقلاب على الأنساق غدا فعلا ثابتا ومترسخا.                        

وإذا تتبعنا النشاط الجمالي في النص نلمح أن الأمر الذي وطد علائق المحتوى الدلالي هو التماثل الذي يتمظهر على وفق المصاديق الآتية:

 

التماثل الإجمالي في الصفات

يعبر عن الاختلاف المرجعي بين العلامتين عند التماثل بحسب "روبير مارتان"ولذلك فالتماثل الإجمالي في الصفات يبين حجم التجريد على مستوى خلق رموز موازية يتمرأى من خلالها المحتوى العميق للنص بشكل واضح ويتجسد في (الطفلة، الحنانة) ولعل ذلك ولعل ذلك يتمثل في علامتين هما:

فالطفلة التي كانت تأخذ زمام السرد على وفق زاوية الرؤية التي لا تتوافق مع عين طفلة تعكس ذلك البعد الرمزي للبراءة والضمير الذي لا يرضى بأنصاف الحلول ومازالت، وكأن القاصة تراهن هنا على المستقبل. والضد النوعي لها في القصة شخصية "الحنانة"بما ترمز إليه بوصفها بائعة الهوى. فهي بوابة الولوج إلى عالم "الرجل الذئب".                                  

(وترى ذلك الرجل الذي يتابع حركات الصبية، يسلم أحد الأطفال ورقة وقطعة نقدية ويهمس في أذنه. يبتسم الطفل ويركض نحو الحنانة يعطيها الورقة خلسة عن الآخرين. ويعود ليواصل اللعب بالقوس الناري، أما الطفلة فقد كانت تتابع ما يجري، وترصد حركات الحنانة التي تتجه إلى العروس وتحدثها بهمس. ثم تخبر أم العروس أنها ستفك عن العروس التصفيح في هذه الليلة).                                                                      

الحنانة تمثل الوسط الموصل بين"الرجل الذئب" وفريسته لأنها تمنح الرغبات اللاواعية والتكوينات المتفرعة عنها العبور إلى نظام الوعي والخروج إلى حيز التنفيذ.ويجسد حركية التماثل الجدول الآتي:                                                      

الرجل والذئب يختلفان عند التماثل مرجعيا إلا أن صفة التماثل بينهما هي" الخبث".

الرجل

الذيب

1ع

المرأة والسلوقي عند التماثل مرجعيا يختلفان الا ان صفة التماثل بينهما هي "المكر".

المرأة

السلوقي

2ع

 يعكس التماثل هنا الوقوف أمام مرآة الذات_واللا_ذات بوصفهما البشري ،فالعلامة الأولى؛الطفلة تمثل الذات الإنسانية بجميع محمولاتها .أما العلامة الأخرى؛الحنانة فهي تمثل اللا_ذات لأن الشخصية تنأى عماهو إنساني وتدخل في حيز الإنسان المفارق_المسخ.

 

التماثل الانتقائي في الصفات

يعبر عن الاختلاف المرجعي إلا أن هناك مشتركات على مستوى امتلاك الصفات ويتجسد في علامتين هما:

 

الذيب

الذئب على مستوى الارتداد الداخلي هو مضاف إليه للمضاف المحذوف "الرجل"وفي الحذف دلالة على أن الرجل يحمل صفات الذيب على نحو التطابق نظرا لكونه حاملا لأبرز صفات الذئب إلا وهي الغدر والخطف .ولن يدخل القرية إلا ليلة العرس ليعقد قرانه ويخرجها من فضاء القرية المسكونة بحكاية "الرجل الذئب") الذي يختطف الصبايا..).

ومن هنا يمثل "الرجل الذئب" إنتاجا للنزوات بما يعكس استقلالية هدفها وهذا ما خلق حالة من القلق لدى المجتمع في عدم كشف سر الذئب وتحديد ملامحه الذاتية لا لأنه بلغ هدفه ببناء سور من التخييل الشعبي حول شخصيته بل لأنه يمثل حالة من التواطئ الآخر معه والارتكاز على" الموتيف الشعبي" الذئب يستأثر بإقبال المتلقي لأنه ينفتح على مخياله ليقوم من بعدها بنسج أطر العلامة لتترك أثرها على الأحداث.

 

الجينيوم الثقافي

يحمل الرجل الذئب مجموعة من الصفات التي يمكن اختزالها على وفق التصور الآتي:

الغواية: تعكس الارتهان النفسي الذي يصيب الذات بحيث تكون مستلبة امام كاريزما الآخر ولعل هذا ما خلق حالة من الاتصال بحيث يتابع كل منهما الذئب والأنثى هدفه الذاتي بشكل متواز ومتعالق مع الآخر.

(...يعوي فيغوي فتيات القرية.يغيب عواؤه ثم يجوع ليأكل اللحم الحرام)

فصارت بين الفتيات والذئب حالة من الانجذاب غير الإرادي بسبب العواء بوصفه المحفز للإغواء والسقوط في دائرة الذئب.

اللعنة: يمثل هذا الموقف تضييع آثار "الذئب"ومحو دلالاته الواقعية المتجسدة "برجل"محدد من خلال تجذير شخصية الذئب مثيولوجيا (وهكذا تعودت العجائز على استعادة روح خرافة تثير قشعريرة في المسامات...فالرجل الذئب،هو ذئب يتلبس صورة رجل وسيم، كان معمراً فرنسيا قتله "الفلاقة" فبقيت روحه تتشكل على هيئة رجل يلبس معطفا بفرو...).

فحديث العجائز يلقي عمقا وجوديا يستحث "المخيال الشعبي" لملاحقة أحداث الماضي وربطه بالراهن غير أن حديث الجدات لا يكشف السر بقدر ما يجعل النفوس على مستوى اللاوعي منقادة له ولكشف أسراره.  

الأمنية: الغموض الذي طوق أبعاد شخصية "الرجل الذئب "جعل منه أمنية كل فتاة وهذا ما عمق من بعدها السوسيولوجي حتى غدت تشبه تيارا جاذبا يكتنفه الغموض.وعن أمنية كل شابة في الزواج من رجل شبيه بالرجل الذئب (و يباغتها من حيث لا تدري بمظهره الأنيق وبشعره الحريري الذي يسرحه كنجوم السينما..).

من الملاحظ أن الرجل الذئب أصبح يعادل "اللذة" التي تتجاوز حفظ الذات.

 

السلوقي

يعبر عن الوجه الآخر للذئب بما يحمل من خبث وهذا ما يشير له الأصل اللغوي لمادة "سلق" ف"السلقة" أنثى الذئب /الذئبة بحسب ابن فارس في معجم مقاييس اللغة.

يقول الشيخ عبد الله هازئا من مكره: "اللي قاريه الذيب حافظه السلوقي"، ويردد شاب متعلم من القرية : "تعدو الذئاب على من لا كلاب له". يحمل مثل الشيخ الصورة المألوفة التي ترتكز على خلق التقابل بين الكلب السلوقي و"الذئب " ولكن ما يكسر المألوف هو إن الإحالة تختلف فهي تحمل بعدا إسقاطيا.

إن كلا من الذئب وعروسه دخلا في دائرة المسخ وهنا أصبح المسخ فعلا يعكس التحولات السوسيولوجية في المجتمع ويتجسد التماثل في الجدول الآتي:                        

الرجل والذئب يختلفان عند التماثل مرجعيا إلا أن صفة التماثل بينهما هي" الخبث".

الرجل

الذيب

1ع

المرأة والسلوقي عند التماثل مرجعيا يختلفان الا ان صفة التماثل بينهما هي "المكر".

المرأة

السلوقي

2ع

 التماثل هنا بستند على بيان التشاكل في الصفات بين المتماثلين والاختلاف يكمن في نوع جنس كل منهما.

 

التماثل المرجعي الكلي

 إن البعد المرجعي للعلامة واحد إلا أنه يختلف على مستوى التناسب ولعل ذلك ما أدى إلى جذب دلالي يستتبع خلق تقابل بين الواقع بوصفه يحاصر جميع المنافذ الإنسانية ليقع من ثم فريسة اللا_إنسانية.

ف"العرس" يمثل الفعل الشرعي للعلاقات الايجابية بين الجنسين فهو يرمز إلى ديناميكية الحضارة بأنقى تجلياتها ومن خلال العرس /الزواج تتوالد الأجيال وتستمد الحضارة حيويتها.ولكن النص رصد كيف تتحول القيمة الإيجابية إلى قيمة سلبية يحتفى بها فيتبين كيف تحول العرس من كونه فعلا مقدسا إلى كونه فعلا مدنسا نظرا لأن الإطار الذي دار في فلكه تشريع الزواج دخل في دائرة القبول والرضا بالذئب عريسا:

(..فاضطر إلى الزواج بها وأدرك أن لا رجل قادم من وراء البحار ..)

وأقيم حفل الزفاف: "عادت إلى ذاكرتي صورة الشيوخ والرجال الذين يرقصون في القرية على وقع ضربات الطبال،وصوت الزكرة التي تنفخ أوداج الزكار والنساء اللاتي يشاهدن هذا الرقص المنتشي بإزاحة أطراف ستائر الأبواب والشبابيك، والأطفال الذين يوقعون انتشائهم بضربات أقدامهم المتلاحقة".

وهنا يعكس النص "التعالق النزواتي"في النص نزوة السلطة ممثلة بالذئب ونزوة النرجسية ممثلة بالعروس بنت الهجالة.

ويعكس التماثل الجدول الآتي:

غياب القرية بوصفها النسق بما يحمل من قيم

القرية

1ع

حضور اللاقرية بوصفها تعكس انكسار النسق

اللاقرية

2

القرية فيها الثأر للعرض من القيم التي يعتز بها غير أن هذه القرية تعكس المحيط المكاني لكسر النسق ولعل هذا ما يشير إلى حجم التشوه الجيني الذي استشرى في المجتمع وهذه المفارقة على مستوى البنية الداخلية للمكان/القرية مرجعها الانحدار الثقافي والذي يشير إلى أساس المحتوى الكامن وهو زواج فئة من الشعب بالسلطة تحت عين ومباركة أهل القرية وأولئك الذين يرون بأنصاف الحلول مكسبا...

وبعد ماتقدم يمكن القول: إن قصة "عرس الذيب" ماهي إلا تجسيد للحراك الثقافي للمجتمعات التي تعاني من الدكتاتورية بمعناها الواسع، للمجتمعات التي تحرك فيها كل شيء من موقعه الصحيح وأخذ يتموقع في منطقة اللابؤرية انحراف البصر "الإستكماتزم "ولكن القاصة على الرغم من كل ذلك تبقى تراهن على عين الشاهد/الطفلة بوصفها لاتعاني من من نسق اللابؤرية.

 

الاستاذ جراح كريم الموسوي/ العراق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2808 المصادف: 2014-05-14 01:00:45